بعد «التفسير العلمي للقرآن» في امتحان الفيزياء وتخطئة المطالبة بالمساواة في الإرث في امتحان العربية: ماذا يجري داخل مدارسنا العمومية ؟ !

تحدثنا يوم أمس عن خطر انهيار منظوماتنا العمومية ونظر كل التونسيين مازال تحت صدمة وفاة 12 رضيعا

بقسم الإنعاش بمستشفى وسيلة بورقيبة بالرابطة واليوم تأتينا أخبار تؤشر بدورها على هذا الانهيار المتواصل ولكن هذه المرة في مدرستنا العمومية ..
في المعهد الثانوي الإمام مسلم بالمنزه الأول وفي أحد فروض العربية نجد الأمر التالي :
«وجدت رجلا مغميا عليه أمام منزلك من شدة الجوع فهالك ما رأيت من سوء توزيع الثروات بالمجتمع وغفلة الدولة عن شعبها . عبّر عن موقفك من ذلك في نص حجاجي قصير»
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى عاديا ولكن نية توجيه تفكير التلاميذ واضحة وفيها تسييس- بالمعنى العميق للكلمة – لا نخاله ينسجم مع طبيعة التدريس ومع إيقاظ الفكر النقدي والحر عند التلميذ .. ولكن الأدهى نجده في تمرين اللغة في نفس الفرض إذ يعرض الأستاذ جملتين ويطلب من تلاميذه تعيين المفعول المطلق والشكل النحوي ومعنى كل جملة .. والجملة الأولى هي التالية : «تطالب بشرى بالمساواة في الإرث مطالبة المخطئة» نعم هكذا بالضبط .. والأستاذ قصد المباشرة لا الإيحاء فبشرى هي الأستاذة بشرى بلحاج حميدة النائبة بمجلس النواب ورئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة ومطالبتها بالمساواة في الإرث هي «مطالبة المخطئة» .
وقبل ذلك بأيام قليلة رأينا أستاذ إحدى الاعداديات بالقيروان يقحم آية قرآنية في فرض الفيزياء لإثبات مفهوم الضغط..أستاذ تم تكريمه من قبل من قيل بأنهم نقابيون ومن بعض تلاميذه كذلك باعتباره قد قدم خدمة جليلة في إطار «التفسير العلمي للقرآن» ..
يحدث هذا في مدارسنا العمومية اليوم ولسنا ندري مدى استفحال هذه الظواهر ولكن الواضح من خلال حديثنا مع العديد من الأولياء أننا لسنا أمام ظواهر معزولة بل هي تصرفات يكاد لا يخلو منها أي قسم وأي مستوى تعليمي ولا فائدة هنا من استحضار تلك «الأطروحة» التي كانت ستناقش بجامعة صفاقس حول مركزية الكرة الأرضية وثباتها ودوران الشمس حولها (نعم !) وكيف أن النجوم إنما هي مصابيح السماء وان النجم الآفل إنما تكمن مهمته في مطاردة شياطين السماء الدنيا وكيف أن عمر الأرض لا يتجاوز ثلاثة عشر ألف سنة لا مليارات السنين كما «يدّعي» ذلك العلم الحديث ..
كنا نخشى من تراجع أداء المنظومة التربوية الذي توثقه كل الدراسات والتحقيقات التي تقوم بها مؤسسات دولية ونتعجب من انقطاع حوالي 110.000 تلميذ سنويا وذلك منذ عقدين من الزمن على الأقل بمعدل 10.000 في الابتدائي و50.000 في الإعدادي و50.000 في الثانوي ونرى تقهقرا في تحصيل الكفاءات الدنيا المؤهلة لمعترك الحياة وعدم قدرة جل تلاميذنا على التوظيف الشخصي للكم الهائل من المعلومات المدرسية في العلوم واللغات عندما يتعلق الأمر بالإجابة عن مشكلات لا تطرح بالضبط كما تعودوا عليه في الامتحانات المدرسية لأن مكتسباتهم أدنى بكثير من مكتسبات نظرائهم لا في الدول الصناعية المتقدمة ولكن حتى في دول آسيوية كالفيتنام مثلا.. ولكن يبدو أن الأمر اخطر بكثير مما نعتقد ويبدو أن حالة التسيب والإهمال في تكوين المدرسين وفي المراقبة البيداغوجية جعلت أطفالنا ومراهقينا وحتى طلبتنا عرضة لتسلل الشعوذة والتطرف والغباء باسم الدفاع عن الدين وقيمه في جهل تام بالدين وبالعلم معا..
يمكن للمسؤولين أن يسلكوا سياسة النعامة وأن يقولوا لنا نحن أمام حالات معزولة وأن مدرستنا العمومية بخير .. وللأسف فقد تعودت بلادنا في مسائل شتى على سياسة النعامة هذه..
الم يقل لنا حكام الترويكا عندما كانت بعض وسائل الإعلام تنبه منذ سنة 2011 وبدايات سنة 2012 الى خطر الإرهاب السلفي الجهادي بأن الإرهاب فزاعة وأن غاية بعض الإعلاميين و«العلمانيين» هي إيجاد فتنة بين النهضة والسلفية ؟ وكلنا نعلم اليوم نتيجة سياسة «غضّ البصر» هذه بل وتواطؤ مسؤولي الترويكا مع هذا الخطر الذي زحف على البلاد وعلى العقول وها نحن نلمس بعض تجلياته في قلب المدرسة العمومية وفي قلب تدريس العلوم واللغات .. هذا بغض النظر عن حالات الاعتداء على الطفولة التي تحصل هنا وهناك كما حصل ذلك مؤخرا بإحدى مدارس صفاقس..
لا ينبغي أن نخفي الحقائق.. لا أحد يمكنه أن يتصور أن تبقى المدرسة العمومية خارج ما يعتمل في المجتمع ، فهي تتغذى منه وتغذيه.. ففي بلادنا اليوم تراجع كبير للثقافة بما هي فكر نقدي وانفتاح على الفكر والعلم ولكن كل هذا لا يعفي أحدا من خرق الميثاق الأخلاقي لمهنة التدريس والمتمثل هنا في السعي المحموم للتأثير على ضمير وفكر التلميذ..
نحن متأكدون بأن هنالك تقارير كثيرة حول هذا الصنف من التجاوزات التي تحصل يوميا بكل مدارسنا الابتدائية والإعدادية والثانوية ولكن إلى اليوم لم يحصل أي قرار تأديبي ضد هؤلاء تحت تعلات متعددة ورضوخا لضغوطات شتى ..
لو أردنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه في منظومتنا التربوية المتهالكة ، رغم الجهد الضخم للعديد من العاملين فيها ، فلا بد من إيقاف هذا النزيف ومن ضبط شروط صارمة لحوكمة منظومة التدريس وما يجوز فيها من اجتهاد للمربي وما هو ممنوع ويعرض صاحبه للمساءلة والعقوبة ..
هذه مسؤولية السلطة السياسية بشكل عام والسلط البيداغوجية بشكل أدق فإما أن نوقف هذا التيار الجارف الذي يهدد عقول الناشئة ومستقبل البلاد أو أن نواصل في سياسة غض البصر كما تعودنا على ذلك في أكثر من قطاع ..
يا حكام البلاد ومسؤوليها في مختلف المستويات تساءلوا للحظة واحدة: ما هو الأهم في مساركم الشخصي ؟ الاستمرار في المسؤولية أم إيقاف هذا النزيف ؟
وعلى قدر الجواب يكون مستقبل البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية