الاعتداء على هيئة قضائية بالمحكمة العسكرية: تحدّ صارخ و صمت فادح

الإعتداء الّذي استهدف المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس يوم الثلاثاء 26 فيفري الماضي تم المرور عليه إعلاميا

و كأنه خبر من أصداء المحاكم، و لم توله النقابات و الجمعيات القضائية وهياكل المحاماة ، أي اهتمام ، باستثناء ما صدر عن جمعيّة القضاة التونسيين الّتي أدانت العملية و «دعت إلى ايلاء مسألة أمن المحاكم وأمن القضاة عموما وخاصة المتعهدين منهم بقضايا خطيرة مثل قضايا الإرهاب وقضايا الفساد المالي وقضايا العدالة الانتقالية الأهمية البالغة بوضع خطة أمنية عاجلة تؤكد تحمل الدولة لمسؤوليتها في حماية قضاتها بجميع أصنافهم » و هو نفس الموقف الذي عبّر عنه أيضا إتحاد القضاة الإداريين على لسان رئيسه وليد الهلالي بدعوته إلى التعامل بجدية مع مسألة تأمين المحاكم (المغرب 1 مارس 2019):

عدم تفاعل بقية المعنيين بالشأن القضائي و منظمات المجتمع المدني مع الاعتداء على هيئة قضائية منتصبة للنظر في قضية إرهابية ، على غاية كبيرة من الخطورة ، والأخطر التفاعل الفاتر مع حادثة طالت رمزا من رموز العدالة ،و كشفت عن تحدي صارخ لسلطة القضاء وإستهانة بإحدى مؤسسات الدولة .
فما صدر من المعتدين لم يكن نتيجة «انفعال» حيني لسبب استفز المعتدين ، بل يبدو أنه سبق الإعداد و التخطيط له ، وهو ما يمكن استنتاجه من حصول التحرك في اتجاه القضاة في نفس الوقت و في اتجاهات مختلفة، استهدفت رئيس الدّائرة وبقية القضاة .

هذا يعني أن الجناة أرادوا الإقدام على الإعتداء على المحكمة بصفة مجانية و دون أن يبحثوا عن تحقيق أية نتيجة ، غير تسجيل «تحدّيهم» بغاية الترهيب و توجيه رسالة لبقية الارهابيين كي يستميتوا في الدّفاع عن مشاريعهم الارهابية و للقول بأن لا شيء يخيفهم أو يثنيهم عن القيام بأي فعل حتى داخل المحاكم .

و لم يحصل هذا من متهمي حق عام عاديين ، حتى لا يقع التحسّب من خطورتهم، بل حصل من الارهابيين الموقوفين لمحاكمتهم من أجل اتهامهم بالهجوم المسلح على الثكنة العسكرية ببن قردان، بين 7 و9 مارس 2016 الّتي أسفرت عن مقتل 50 عنصرا إرهابيا والقبض على 7 آخرين، مقابل استشهاد 13عسكريا وأمنيا و7 مدنيين. إذ عمد أحدهم إلى الإعتداء بمطرقة القاضي على رئيس الدائرة القضائية على مستوى الرأس و تبعه عدد من بقية الموقوفين الّذين هجموا على أعضاء المحكمة للاعتداء عليهم، قبل أن تتمّ السيطرة عليهم من طرف أعوان الشرطة العسكرية و إيداعهم غرفة الإيقاف، ثم محاكمتهم فورا و ذلك بسجن المتهم الأصلي بالمؤبد من أجل الاعتداء بالعنف ضد قاض بالجلسة و بسجن خمسة من بقية المتهمين بعشرين سنة من أجل المشاركة في ذلك و عدم سماع الدعوى في حق بقية المتهمين الثلاثة.

إن ما حدث يطرح مسألة تأمين المحاكم و قاعات الجلسات بالخصوص،و بصفة أدق المحاكمات الّتي يمثل فيها المتهمون الخطرون وفي مقدّمتهم الإرهابيون . فالمتعامل به في جلسات المحاكمة أن يمثل الموقوفون طليقي اليدين في القفص المصطلح على تسميته بقفص الاتهام، الّذي يتمثل في ثلاث عرائض خشبية في شكل نصف مستطيل يقف حياله المتهم في مواجهة المحكمة المنتصبة دون أي حواجز ، على خلاف ما يعمل به في بعض الانظمة القضائية الّتي تضع الموقوفين في أقفاص حقيقية مغلقة .

إن مسألة تأمين الجلسات القضائية أمر لا بد من التفكير فيه ، و لو بتخصيص قاعات مجهّزة بطريقة خاصّة تنعقدُ فيها الجلسات الّتي تتمّ فيها محاكمة المجرمين الإرهابيين أو المصنفين بالخطرين ، أو اتخاذ إجراءات خاصّة بهم لدرء أي خطورة متوقّعة منهم تجاه الهيئات القضائية ، أو فرارهم . و قد يقتضي الأمر تنقيح بعض القوانين لإتخاذ الإجراءات السريعة ضد كل من يستهدف الهيئة القضائية ، الّتي يعتبر الاعتداء عليها أو التهجّم عليها إعتداء على السلطة القضائية و هو ما يُبرّرُ شدّة العقوبات على مقترفي أي جريمة ضدّها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499