الشباب والسياسة والصدمة: من فئة صامتة إلى أصحاب «تجربة شبابيّة»

لطالما مدح الغربيون الشبّان الذين قادوا الثورات العربيّة وأظهروا إعجابا بهذا الجيل الواعد فعقدوا الندوات التي تعرّف بالمدوّنين

والناشطين الحقوقيين وغيرهم وتقدّمهم في صورة الأبطال. وفي غمرة الفرح والانتشاء تباهى الشبّان في أوّل خروج لهم من العتمة إلى النور، بحبّ الوطن والاستعداد للتضحية في سبيل بناء الديمقراطية وإحداث التغييرات التي طالما حلموا بها. ويمكن أن نفسّر هذا الاحتفاء بالشباب المهمّش والمقصيّ والمغيّب في الخطاب السياسيّ والسياسات الثقافية والإعلامية وغيرها بتوق الغرب آنذاك إلى التعبير عن «مثله الديمقراطية» وبحثه عن فاعلين يتصدّون لما ترتّب عن الأزمات الاقتصادية الناجمة عن العولمة من نتائج فضلا عن رغبته في أن تضخّ دماء جديدة في عالم السياسة العربية التي ظلّت لقرون حكرا على الكهول والمسنّنين. غير أنّ هذه التوقعات سرعان ما ثبت عسر تحقّقها على أرض الواقع إذ أعيد الشباب إلى الهامش واحتلّ «الكبار» المركز فصاروا المسؤولين عن قيادة مرحلة البناء الديمقراطي بأدوات فهم قديمة وبممارسات تبيّن على مرّ السنوات، أنّها فاقدة للنجاعة ومخيّبة للآمال بل صادمة.

وها نحن نصل بعد كلّ هذه التجارب واختبارات «تعلّم الحجامة في رؤوس اليتامى» إلى ما وصلنا إليه فيرجع البعض سبب الفشل إلى بروز الإسلام السياسي، ويذهب البعض الآخر إلى أنّ السبب يعود إلى تكلّس اليسار وعجزه عن فهم التحوّلات بينما يميل البعض إلى تحميل أنصار الثورة المضادة و«الدولة العميقة» المسؤولية، ولكن لا أحد يقرّ بعامل من عوامل تعثّر المسار يتمثّل في إقصاء بعض الطاقات الشبابيّة التي تنضح بحبّ العطاء والعمل والبذل ولها تصوّرات وتتموقع باعتبارها قوّة اقتراح لبدائل وحلول وإمكانات. فلم تعمّد راسمو السياسات ومن بيدهم سلطة القرار استبعاد هذه الطاقات؟ أيرجع السبب إلى الخوف من «غضب» هؤلاء وتمرّدهم على «القديم»؟ أيعود السبب إلى التمثلات الاجتماعية السائدة التي تصوّر الكهول الشيوخ على أساس أنّهم يمتلكون الحكمة والخبرة في مقابل الشباب الذي يُتمثّلون على أنّهم رمز «الطيش» واللاانضباط؟ أليس الصراع على السلطة هو الذي قلّص من حجم المشاركة السياسية فأزاح الشبّان والنساء، وجعل «اقتسام الكعكة» بين أدهياء السياسة؟ فكانت الداهية.

آثرت أغلب الطاقات الشبابية بعد تعرّضها للصدمة، التواري فقاطعت الانتخابات وعاقبت من «سرقوا ثورتهم» وانكبّوا على «النشاطية» activism والفعل الثقافي وتركوا السياسة لمن يزعمون أنّهم أهل السياسية وقادوا حركات تندرج ضمن الحركات الاجتماعيّة، وفرضوا أنفسهم من خلال أفعالهم وخطاباتهم. إنّهم شبّان يرفضون التعامل معهم على أساس أنّهم أصوات في الانتخابات، أو أسماء للترشيح...وأرقام بارزة في الإحصائيات والدراسات التي تقدّمها الوزارات والجمعيّات للبحث عن الدعم والتمويل الخارجي أو للتباهي بالانجازات.ّ إنّهم شبّان يرفضون تسييجهم في «فئة» ويفرضون التعامل معهم باعتبارهم فاعلين ومعبّرين عن تجربة «شبابية».

لاشكّ عندنا أنّ هذه الطاقات الشبابية المغيّبة تقاوم من موقع المواطنيّة الكاملة غير أنّها عندما تتنازل عن حقّها في ممارسة السياسة تعفّفا أو اشمئزازا إنّما تتخلّى عن دورها المنتظر في إحداث ديناميكية وعن شرعيّتها التي اكتسبتها من خلال الفعل في الواقع الذي تعمّدت أغلب وسائل الإعلام تغييبه . وبتخلّي هذه الطاقات التي يمكن التعويل عليها لإحداث «رجّة» في عالم السياسية السقيم تكون قد أعلنت استقالتها وقبولها باحتكار «الهوّاة» و«الطفيليين» سلطة تقرير مصير البلاد.

لا نريد للشباب أنُ يُتمثّل في سرديات الاستشراق الجديد على أنّه الجهاديّ صاحب اللحية والعمامة والسيف، ونرفض أن يصوّر الشبّان في الإنتاج الهزيل على أنّهم/هن «أولاد مفيدة» ولا نؤمن بأنّ هذه الفئة تريد أن تنتج سردّية «المخلّص» غاية ما نطمح إليه أن لا نصرّ على تسييج هؤلاء في «فئة» بدل التعامل معهم باعتبارهم فاعلين ومعبّرين عن تجربة «شبابيّة» ... غاية ما نأمل في تحقّقه أن يمتلك الشبّان الصوت وأن يسجّلوا حضورهم النوعيّ في المشهد السياسيّ بالمعنى الخاصّ، وأن يدخلوا التاريخ من بابه الكبير.
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499