اختياري للأحداث التي أثرت على سنة 2016

يبدو اختياري لهذه العيّنة الصغيرة من بين ما عجت به سنة 2016 من الأحداث إعتباطياً كما هو الحال بالنسبة لعددها إذ انتقيت من بينها خمسة أحداثٍ دولية وخمسةً أخرى وطنية .

قد لا يكون جميعها مذهلاً ولكنها حسب إعتقادي قد شكلت إشاراتٍ ضعيفةً ربّما تكون معلنةً عن إتجاهاتٍ ثقيلةٍ.

• دولياً:

• «البركسيت» (Brexit):وهو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لا أحد تنبأ بذلك. لم يكن حتّى من الممكن تصوره وقد باغت الحدث مؤسسات سبر الأراء دون سابق إعلام, حتى أولئك الذين كانوا يدعون إليه فقد كان ميلهم أقرب إلى الاستفزاز منه إلى دعم المشروع في حد ذاته. إن تصويت البريطانيين لفائدة الخروج من الإتحاد الأوروبي ما هو إلّا رفض للمنبوذين لعولمةٍ قليلة السعادة.
إن لم يسد العقل على العاطفة والغرور، فإن آثار «البركسيت» يمكن أن تمثل رجة بالنسبة لبريطانيا، لعملتها، لاقتصادها، ولكن أيضاً لأوروبا ولمؤسساتها، لتماسكها ولنموذجها.
يؤسفني أننا في تونس لم نقم بتحليل التداعيات على بلدنا، على مبادلاتنا التجارية، على إطارنا التعاوني وعلى وضعية نخبتنا المالية في لندن.

• إنتخاب ترامب: لم يراهن عليه أي سبر أراء فقد كان اداؤه سيئاً أثناء الحملة الانتخابية، كانت حججه بغيضةً و كانت معرفته للملفات الدولية كاريكاتوريةً. كان كرهه للنخب يتزامن مع قلة إحترامه للمرأة، وإحتقاره للمكسيكيّين و المسلمين.
أدّى إفلاس السياسة التقليدية و إنفصال النخبة عن حقائق أرض الواقع إلى إستسلام المستبعدين من الطبقات المتوسطة و المناطق الصناعية المقفرة للدّعايات الشعبوية والانعزالية والغَوْغائية.
اليوم، وهو على رأس القوة العالمية الأولى، عيّن ترامب فريقا حكوميا ناسفا ندخل معه عالماً يتسم بالمخاطرة والغموض حتى و إن كانت مستلزمات السياسة «Real Politik» والإدارة الأميركية قد تساهم إلى حد ما في تهدئة روع و حماسة المترشح الرئاسي.
ولسائل أن يسأل، ما مصير العلاقات التونسية الأميركية في ظل هذه الاضطرابات المنتظرة ؟

• مع إستفحال الحرب في سوريا بجرائمها المتعددة ضد الإنسانية، ومأساة ملايين اللاجئين وتدمير حلب، في ظل عدم اكتراث شبه تام للأمم المتحدة ولمجلس الأمن. أصبحت سوريا حقلا من الأنقاض تتصادم فيه كل القوى الإقليمية والدولية بوجوه مكشوفةٍ, يضرب فيها القانون عرض الحائط باستمرار خدمة لمصالح دنيئة ودكتاتوريات دموية ولن يفتخر أبناؤنا بما سيحتفظ به التاريخ عن هذه المأساة المطلقة.

• الانقلاب الفاشل في تركيا: أ كان حقيقيا أم مفتعلا ، لقد مهد الطريق لتطهير لم يسبق له مثيل فقد وجد إردوغان هناك، فرصة غير مأمولة للقضاء على خصومه السياسيين، إقصاء قيادات الشرطة والجيش، كبح جماح العدالة والإدارة والإعلام و تجريم أي إشارة للقضية الكردية.
حتى قبل يوم 15 جويلية ، كان أنصار إردوغان يعدّون لتنقيح الدستور من أجل إرساء نظام رئاسي، كان إردوغان يهدّد أوروبا بإخلاء سبيل ملايين اللاجئين السوريين كما كان يحلم بإعادة عقوبة الإعدام إلى القانون التركي.
في أقل من ستة أشهر، تراجعت تركيا خطوة كبيرة الى الوراء نحو الظلامية والدكتاتورية قد يفضي كل ذلك إلى ثمن باهظ يدفعه إستقرارها و إقتصادها ونفوذها لفترة طويلة. .ماذا ستكون تبعات كل هذه التغييرات على تحالف إردوغان مع حزب النهضة؟

• هزيمة داعش الإرهابي: داعش صنيعة الممالك الخليجيّة السنيّة، عزّزت مكانتها بتواطؤ عدد من القوى الغربية والإقليمية. هذه المحتالة أوهمت العالم لفترةٍ من الزمن، مرعبة إيّاه بممارسات وحشية كنا إعتقدناها اندثرت نهائياً مع عهود ولت، زاعمة أن لديها سمات الدولة لها إقليم و جيش وعلم وحكومة في حين أنّها منظمة إرهابية وإجرامية وهي اليوم في تراجع. لكن ذلك لا يعني أن مستقبلها وراءها فهي سوف تنتشر و سوف تصدر الكراهية وتحصد الرعب. ويجب أن يكون العالم متيقظاً أكثر من أي وقت مضى وعلينا في تونس أن نكون متيقظين أكثر من غيرنا إذ كانت مساهمتنا في تصدير الإرهابيين «متميّزة»!

• في تونس:

• محاولة الاستيلاء على السلطة وإقامة خلافة في بن ڤقڤردان وهي نقطة ساخنة بالنسبة لتونس، وضعتنا بوضوح أمام مطامح هؤلاء الإرهابيين الذين كنا نعلم مدى خطورتهم لكن كنّا دائماً نتصوّر أنّهم يتصرفون بشكل فردي وغير منظم.
وكانت قوات الأمن والجيش والشعب مثاليين في تجندهم وإلتزامهم وتمسكهم بالوحدة الوطنية و يعكس هذا التّصدي سيطرة أفضل على التهديد الإرهابي سنة 2016 وبداية مسار ناجح في حربنا على الاٍرهاب.
إن أول عبرة نستخلصها هي وجوب جعل منظومات الأمن و الجيش في مأمن تام من التجاذبات الإيديولوجية و محاولات الاختراقات الحزبية.

• ظلت مظاهرات القصرين لشهر جانفي 2016 دون إجابة جيدة وأوعزت الحكومة آنذاك أن هذه التظاهرات ليست إلاّ مراوغات لقوى سياسية مختلفة وغامضة توظف شبابا عاطلا لمشروع غير معلن عنه قبل أن تذعن للذعر وتقدم بكل ارتجال وعودا وهميةً لا تمت للواقع بصلةٍ لم تَر البتة أية بداية إنجاز.
قامت الثورة لتستجيب لطلبات إقتصادية وإجتماعية للشباب والمناطق الداخلية واليوم وبعد ست سنوات إزداد الوضع سوءا و قد حان الوقت لنستوعب الدرس إذا ما أردنا أن نجنب تونس اضطرابات جديدة نحن في غنى عنها.

• الإتفاق الأعوج مع صندوق النقد الدولي في ماي الماضي وإدّعاؤه ترشيداً صارماً لكتلة الأجور في الوظيفة العمومية جعله موضع تشكيك منذ توقيعه و بمطالبته بزيادة الإعتماد على السوق لتحديد سعر الدينار، في وقت إتّسم بندرة تدفقات العملة الأجنبية، حتم مصير العملة الوطنية ووضعها على مسار إنخفاض متسارع.
إن الحاجة ملحة في هذا السياق إلى أن نجد طريقنا نحونمو مدمج يعبّئ كل طاقات المجتمع ولكن علينا أيضا أن نرشّد الكثير من سلوكاتنا الاقتصادية.

• مؤتمر تونس الدولي 2020: يعترف الجميع بنجاحه. كان الإقبال عليه كبيرا وذا جودة عالية وكانت الإعلانات والتعهدات هامة. لم يكن المؤتمر غاية في حد ذاته، بل كان بداية لمرحلة جديدة و حميدة لعودة الثقة والحماس لدى المستثمرين التونسييين والأجانب على حد السواء. وحري بنا تحويل هذه المحاولة. فلهذا، يجب علينا اعتماد ونشر مراسيم قانون الاستثمار وقوانين الضرائب والطوارئ الإقتصادية وتحديد تعريفة شراء الطاقة الكهربائية المتجددة لدى صغارالمنتجين المستقلين والتوصل الى إتفاق مع صندوق النقد الدولي و الاسراع في إطلاق المشاريع الهيكلية الكبرى التي من شأنها تعزيز الأمل والثقة، وتحسين مناخ الأعمال وعموماً إعتماد جميع الإصلاحات التي لطالما انتظرناها.

• النقاش الفوضوي حول مشروع ميزانية 2017 كشف جليًّا أن الإصلاحات لم تكن ستتدفق بيسر و أن المعارضات ستكون متعددة، عنيفة، حزبية وفئوية لكن إتساع رقعة الإحتجاجات و ضراوتها لم يكن كما إعتدناه إلى اليوم.
ويجب علينا الاعتراف أنّ ما أفضى إلى ذلك هو غياب المنهجية الكفيلة بإنجاح الإصلاحات إذ لم تسع الحكومة إلى تحديد وحشد المستفيدين المحتملين من الإصلاحات مسبقا وحاولت تمريرها بالقوة بغض النظر عن الإتفاقات الموقعة سابقا.
يلقي هذا الفصل الضوء على حجم الرهانات من تهرب ضريبي إلى سوق موازية إلى تهريب و غيرها وهي تكشف عن قوة اللوبيات والمافيات و قد تربك العمل الحكومي مما سيزيد من تعقيد إعتماد إصلاحات تصبح كل يوم أكثر ضرورة وإلحاحا.
هذه الوقائع قد تبدو مبعثرة وغير متصلة لكن في الحقيقة يربطها خيط مشترك في تنوعها الظاهر.

إن العالم في تغيّر, يقطع مع فترة العولمة الجامحة التي لم تكن سعيدة للجميع. فقد أفرزت فوارق اتسعت سواء كان ذلك بين البلدان أو داخلها فتوقفت ميزاتها التحفيزية لتفضي إلى نتائج عكسية.
يحتاج العالم ككل إلى حوكمة جديدة تعيد توزيع السلطة و تحد من الامتيازات المشطّة و تؤمن بسيادة القانون وتطبقه و تعطي صوتا لمليارات الناس التي بقيت إلى اليوم بعيدا عن القرارات الرئيسية.
في تونس أيضا ستكون الدعوة لمزيد من النمو عبثا إذا لم نتفطّن لمواكبته بمزيدٍ من الإدماج ومزيد من التضامن و إحترام أكبر لسيادة القانون والحدّ من الإمتيازات والتحيّل وإقتصاد الرّيع.

بقلم: راضي المؤدب

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا