العلاقة العضوية بين الاستثمار في الاقتصاد والاستثمار في الإنسان

ينظر إلى النهوض بالاقتصاد على أساس أنه المنقذ من الدمار والإفــلاس والحــل الأساســي لمواجهة الإرهاب والضلال ولذلك يعلق الساسة ومن لف في دوائرهم على مؤتمر الاستثمار آمالا كبرى. ولكن هل يجوز الاستثمار في المجال الاقتصادي بمعزل عن الاستثمار في الثقافي وفي الإنسان؟

قد يجلب هذا المؤتمر العالمي رؤوس الأموال وقد تفتح الأبواب أمام المستثمرين لينجزوا مشاريع تنموية قادرة على تحقيق بعض من طموحات المهمشين والمنسيين ولكن إلى أي مدى نجحت الحكومة في توفير المناخ الملائم للاستثمار»الآمن’’؟ هل يتغير الوضع الاقتصادي فقط من خلال العمل على توفير الأمن واستعادة المؤسسات الأمنية والعسكرية لعافيتها حتى تكون العين التي لا تنام؟

 

قد تغري التجربة التونسية الفتية المستثمرين للقدوم إلى وطننا ليستثمروا اقتصاديا ورمزيا في بلد يعد مختبرا جديدا لدراسة فرضيات متعددة ولكن تونس ليست أرضا بكرا مفتوحة أمام المستثمرين ومجالا ترسم على جغرافيته حدود وعلامات وماركات عالمية وخصومات تنافسية...تونس هي أيضا شعب يتفاعل مع المبادرات والمشاريع إيجابا أو سلبا ...قد يقدر قيمة العمل ويؤمن بأداء الواجبات ويستسيغ البذل والعطاء والتضحية من أجل إنقاذ الوطن كما أن من الشعب فئات تسعى إلى الهدم والنسف والدمار .. .إنّه شعب مر بصدمات كثيرة خلفت جراحات وانكسارات وهشاشة وشعورا بالإحباط ...فهل بإمكان هذا الشعب ‘المتأزم’ أن يرتقي في معاملاته ويتجاوز ضغائنه وأحقاده وصراعاته ليغير نظرته إلى الواقع؟

مؤتمر الاستثمار محركه الجوهري البراغماتية التي رسختها الرأسمالية المتوحشة منذ عقود وما صاحبها من منظومة قيمية ولكن هل يعي التونسيون ما تفرضه الرهانات والتحديات من تنازلات وتفاوض وإعادة نظر في طبيعة العلاقات الدولية (تونس-قطر...)وفق التوازنات السياسية الجديدة؟ ففي بلد هيمنت فيه الصراعات الأيديولوجية طيلة مرحلة الانتقال الديمقراطي وشدته إلى الوراء شدا صار من الصعب بمكان تغيير بؤرة التحديق وإعادة النظر في علاقتنا بالزمن وفهم ما يجري من حولنا. فهل بإمكان من بقي حبيس الماضي أن يتصالح مع حاضره بكل التعقيدات التي تحاصره وأن ينطلق نحو رسم سياسات المستقبل؟ أليست خلافات الماضي هي المهيمنة على طريقة تعامل التونسيين مع واقعهم وتصورهم للحياة وموقعهم في الوجود؟ فأنى لمن ابتلع ماضيه حاضره وارتهن مستقبله أن يبني المستقبل؟
مؤتمر الاستثمار لتونس2020 لا يؤسس في اعتقادنا ،من خلال الاستثمار المادي فحسب بل يجب أن يكون معضودا بحزمة من السياسات منها ما يتعلق بالنهوض بمستوى التعليم علنا نغادر مرحلة ‘مأسسة الجهل’ إلى مرحلة تأسيس فكر نقدي قادر على المشاركة في إنتاج المعرفة ، ومنها أيضا ما يتصل بتثوير المشهد الثقافي الذي ينوس بين التسطيح والمكابدة من أجل التعبير عن ذائقة فنية راقية، ومنها أيضا ما له وشائج بالسياسة الإعلامية الواقعة تحت هيمنة رجال المال والسياسة .

ما أحوجنا إلى الاستثمار في الثقافي الذي بدونه لن تتحقق الآمال الكبرى والأحلام التي تحرك التونسيين. وبدون إعلام حر ونزيه ومسؤول لن تتغير العقليات ولن يلتقي التونسيون حول مشروع جامع وهو النهوض بتونس. قد نختلف في تصوراتنا بشأن النظام السياسي الأمثل وبشأن نمط العيش وطرق إدارة الاختلاف ولكننا نلتقي حول ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية و إنقاذ المهمشين والمنسيين من المعاناة.

تونس 2020 لا تعرّف من خلال الأرقام والاتفاقيات والمساعدات والمبادرات والمشاريع فقط ...تونس 2020 لابد أن تكون لها رؤية حول الاستثمار في الإنسان والسعي إلى إعادة تأهليه حتى يحيد عن مسار التوحش ويتأنسن..تونس 2020 تتطلب وضع عقد اجتماعي جديد يليق ببلد صاغ «عهد الأمان».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا