بثرواتنا الطاقية التي «تسرق» منا منذ عقود من قبل الشركات العالمية بتواضع، أو تقصير، الحكومات المتعاقبة.. ويتعلق الأمر هذه المرة بـ«فسخ» عقود أبرمتها الدولة التونسية مع شركات أجنبية في إطار السيادة على ثرواتنا الطبيعية..
كل الأفكار قابلة للنقاش شريطة اعتمادها على معطيات موثوقة وعلى ترجيح الخيارات الممكنة والانصات الجيّد لأهل الخبرة والمعرفة، ولكن الحقيقة لا تعني كل الدعوات الشعبوية في كل بلدان العالم..
النقاش الجدي الوحيد اليوم في تونس هو ماذا نفعل بعد هذه الصائفة؟ وما هي الحلول الممكنة لتجنب تكرار هذه الكارثة فالحديث عن السيادة الطاقية لا معنى له ان كنا عاجزين عن تلبية الطلب المحلي على الكهرباء، وعندما يكون الحلّ الوحيد هو قطع الكهرباء تقريبا كل يوم على امتداد أسابيع لفترات قد تطول وقد تقصر وفق الحظ أو الموقع الجغرافي..
المنطق السليم يقول أن ديمومة انتاج الكهرباء في كل الفصول هو حجر الزاوية في كل سياسة طاقية وهذه الديمومة لن تضمن إلا لو كان انتاج الطاقة الكهربائية تحت سيطرتنا باطلاق.. فالكهرباء هو عصب الاقتصاد وعصب الحياة وسوف نرى حجم خسائر اقتصادنا هذه الصائفة عندما تنشر أرقام النمو للثلاثي الثالث منتصف شهر نوفمبر القادم..
نجد في النشرية الأخيرة للمرصد الوطني للطاقة والمناجم التابع لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة أن استقلالنا الطاقي في موفى شهر جوان من هذه السنة ما فتئ يتراجع فهو باحتساب الاتاوة على الغاز الجزائري في حدود 34٪ بعد أن كان أكثر من 50٪ سنة 2021 ودون هذه الاتاوة ينزل استقلالنا الطاقي إلى 27٪ فقط..
بعد كل هذا يمكن أن نتحدث عن كل أنواع السيادة ولكن الواقع يقول أن تبعيتنا الطاقية قد بلغت مستويات خطيرة للغاية وهي تعرض نسيجنا الاقتصادي إلى هشاشات اضافية هو في غنى عنها..
في السداسي الأول لهذه السنة - أي خارج فترة ذروة الاستهلاك - نستورد 10٪ من الكهرباء من الجزائر ثم إن انتاجنا من الغاز الطبيعي وحتى عندما نضيف إليه الاتاوة الجزائرية يغطي بالكاد ثلث استهلاكنا في هذا السداسي الأول وبما أن أهم محطات توليد الكهرباء تشتغل عندنا بالغاز الطبيعي تكون تبعيتنا - وبالتالي هشاشتنا - مضاعفة، ثم التفكير في محطات جديدة تشتغل بالغاز الطبيعي لتلافي نقص العرض سيعمق بدوره هذه التبعية للغاز الجزائري أو لغيره..
الحقيقة أن تونس تنتج اليوم ثلث احتياجاتها من البترول وكذلك من الغاز الطبيعي وهي تحتاج إلى استراد عشر طاقتها الكهربائية كمعدل عام أي أن هذه الحاجة قد تصل إلى الثلث أو تتجاوزه في فترات ذروة الاستهلاك..
ولا نرى أن الشركات الكبرى تتوافد بقوة على بلادنا للبحث والتنقيب، فهذه الرخص في تراجع مستمر منذ عقد ونصف ولا توجد لدينا «بركة» من البترول تسيل لعاب الشركات الأجنبية ونحن - للأسف- لا نملك الموارد المالية ولا التكنولوجية التي تسمح لنا بالقيام بالبحث والتنقيب ولا نستطيع أن نضع مئات ملايين الدنانير في عمليات غير مضمونة في بلد مخزونه الطبيعي محدود للغاية..
ما الحلّ؟
الحلّ الوحيد الممكن هو في الطاقات النظيفة عامة والطاقة الشمسية خاصة..
قد نضطر في العاجل إلى برمجة محطة أو محطتين لتوليد الكهرباء بتوربينات الغاز ولكن لابد من العمل من الآن نحو تسريع كبير لانتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية لا فقط في محطات التوليد ولكن خاصة لكل المنشآت العامة والخاصة ولكل المنازل والعمارات فهذا سيوفر لنا نظير عدة محطات توليد وهو الكفيل وحده بتوفير استقلالية هامة في انتاج الكهرباء بداية..
لن تصبح تونس دولة مصدرة للنفط أو للغاز الطبيعي ولهذا كان الانتقال الطاقي ضرورة حيوية لنا..
لا يمثل الكهرباء اليوم سوى 30٪ من استهلاك الطاقة والبقية هي الطاقة الأحفورية للاستعمال الصناعي والمنزلي ولمختلف وسائل النقل.. فلانتقال الطاقي يعني كهربة جلّ هذه الاستعمالات حتى نقلص على الأقصى من تبعيتنا للمحروقات، ولكن لا يمكن التفكير في هذا الانتقال بمثل هذه الشبكة الحالية...
تمثل الصحراء عندنا حوالي 40٪ من المساحة الجملية لتونس والمطلوب هو أن نحولها إلى مصنع ضخم لانتاج الطاقة الشمسية مع انتاج كل الصناعات اللازمة لها وتكوين كل الخبرات الضرورية والاستثمار في البحث العلمي والابتكار وتصدير الخبرة التونسية للخارج..
طريق السيادة الطاقية واضح ولكننا قوم نعشق الشعارات ونخشى العمل الجاد والمضني والدائم.