كلها مرتبطة بتأمين خدمات واحتياجات أساسية للمواطنات والمواطنين: الكهرباء والماء والمياه المعدنية والسكر... ومما ميّز هذه الأزمات هذه الصائفة هو طولها والعجز عن مجابهتها دون شرح رسمي لما يحصل ودون عرض خطط حكومية جدية للتجاوز العاجل أو الآجل ودون أن يعلم المواطن (ة) هل نحن أمام أزمات ستزول بعد هذه الصائفة أم أمام تفاقم مستمر لا أحد يعلم نهايته..
هنالك مقولة تعزى للصحفي والسياسي الفرنسي ايميل دي جيراردان (1802-1881) «أن تحكم هو أن تتوقع - أو تتنبأ -» (gouverner c'est prévoir) ولكن قليل يعلم بقية المقولة «وألا تتوقع فذلك جري وراء هلاكك (et ne rien prévoir, c’est courir à sa perte).
حسن التوقع، أي القدرة على الاستباق، ليس خاصية نظام سياسي بعينه فديمقراطيات عدة لا تحسن التوقع ونظم مستبدة تحسنه كأفضل ما يكون والعكس بالعكس.. فالأمر لا يتعلق بطبيعة النظام السياسي بل بفاعليته وبقدرته على استباق الأزمات وحسن إدارتها..
يتحدث بعضهم على مقايضة النظم التسلطية الحرية بالأمن أو بالخبز وأن من يقبل هذه المقايضة سيخسر الاثنين معا...
قد يكون هذا صحيحا من الناحية القيمية المعيارية ولكنه غير دقيق من الناحية التاريخية والمفهومية أيضا..
عند بعض فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز مثلا) الدولة (التنين) قامت على هذه المقايضة: حريتك مقابل أمنك.. ومن هنا جاءت فكرة أن الدولة تختص وحدها بالعنف أي أن عنفها قد يكون مشروعا ولو أن نزعها لحرية الأفراد تتزامن ضرورة مع ضمان أمنهم..
كثيرة هي الشعوب في العالم التي تقبل ضمنيا بهذه المقايضة والأمن هنا يفهم بمعانيه الواسعة أي أمن الأجساد والممتلكات وكذلك تأمين المرافق الأساسية من بنى تحتية ومن خدمات أساسية وكذلك أمن المعيشة والمعاش ونحن نجد في تاريخنا الخاص - وفي تاريخ كل الشعوب - أن السلطان الناجح - عادلا كان أم مستبدا - هو الذي يضمن أمن الثغور وتزويد الأسواق وازدهار المهن، وهذا كله لا يأتي إلا بضمان حيوية اقتصادية في الفلاحة والصناعات والتجارة وبهذا المعنى ينبغي فهم العبارة الخلدونية الشهيرة «العدل أساس العمران» فالعدل هنا مقصود به حماية الممتلكات وعدم اثقال الرعية بالمكوس والضرائب وازدهار التجارة والفلاحة والصناعات وحماية أصحاب القلم ورعايتهم.
هذا هو درس الماضي الأساسي مقايضة الحرية بالأمن ممكنة خاصة عند الشعوب التي مازالت تعيش على مخيال الخصاصة والندرة والحرمان ولكن بشرط تحقيق الأمن بهذا المعنى وإلا انهار الحكم وأحيانا تنهار الدولة معه..
في المجتمعات العصرية - كمجتمعنا - توسع مفهوم الأمن والتأمين إلى كل مجالات الحياة من دراسة وصحة وشغل ورعاية للمتقاعدين وبنى تحتية ومرافق عمومية وخدمات إدارية والدولة مطالبة بتأمين كل هذا والسهر عليه ولا يهم أن تكون يسارية أو يمينية، ديمقراطية أو تسلطية أو شعبوية.. فتأمين كل هذه الحاجيات هو جوهر العقد الاجتماعي الأصلي ولبّ مشروعية هيمنة الدولة على المجتمع (بالمعنى القرامشي للكلمة) وملكة التوقع أو الاستباق هي أساس مقبولية الحكم، فحكم لا يتوقع لن يجد رضا عند الناس ويفقد تباعا كل مقومات البقاء..
التوقع هنا يستوجب حتما عقلا جماعيا، أي الدولة كعقل بارد قادر على قراءة الاشارات الضعيفة (les signaux faibles) ووضع السيناريوهات الممكنة والتحسب للأسوإ فيها، فإن فقدت الدولة هذه القدرة تفقد تباعا التصرف في اليومي: موجات حرارة، ندرة في سلع ما.. موجات برد قارص.. تفاقم التبعية الطاقية..
والاستباق هنا لا يتوقف على التوقي من المخاطر والأزمات - على أهميته - بل أساسا في تطوير وتحسين الدورة الاقتصادية بالتخطيط المحكم والمناخ التشريعي الملائم والاستثمار العمومي الموجه وجاذبية للاستثمار الأجنبي والخاص فدون خلق الثروة والمزيد من الثروة يستحيل التحكم في الأزمات وفي الندرة وهذا يعني تعهد مختلف منظومات الانتاج الزراعية والحيوانية والصناعية والخدماتية بما فيها الخدمات العمومية، وهذا كله يستوجب عقل جماعي جاذب للذكاء بتنوعه في المجتمع يقرأ جيدا التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية ويقوم بالاصلاحات الضرورية والمستمرة ويفكر في تناغم مستويات الزمن الثلاث: العاجل ومتوسط المدى والآجل، واصلاح الآجل يبدأ اليوم وليس غدا..
وقدر ما تكثر صعوبات الآني قدر ما ينبغي على الدولة الافصاح وتشريك القوى الفاعلة في المجتمع والانصات للرأي العام وقبول تحمل المسؤولية لا التفصي منها وقبول المحاسبة والمساءلة وكل هذا يقوي الدولة ولا يضعفها على عكس ما يتصوره عشاق الدكتاتورية والاستبداد..
اليوم لم نعد فقط أمام أزمة كهرباء أو ماء أو مياه معدنية أو سكر أو شاي.. إننا بوضوح أمام أزمة عقل الدولة الذي أضحى ضعيف الاستباق مع انغلاق على الذات ورفض التشاركية على كل الصعّد..
التمادي في الانكار خطر على الدولة وعلى المجتمع في آن.. والاعتراف والتواضع والانصات وجلب الذكاء المختلف والانفتاح على المغاير السياسي والفكري هي الخطوات الأولى نحو الإصلاح وإلا سوف نترنح من أزمة إلى أخرى ونعمق أزمة الثقة بين الحاكم والمحكوم إلى أن تنقطع شعرة معاوية، لا قدّر الله...