لكنه يفتح في المقابل سؤالا أكبر، هل تكون معالجة التلوث عبر التفكيك الكلي للوحدات، أم عبر إصلاحها وإعادة بناء صناعة نظيفة؟ ومن يدفع كلفة كل خيار؟
في قابس، لم تعد المسألة مجرد احتجاج على التلوث، كما لم تعد مجرد مطالبة بالتنمية، لقد وصلت الأزمة إلى لحظة تفرض على الدولة والمجتمع معا مواجهة السؤال الأصعب، أيهما له الأولوية، البيئة أم التنمية؟ أم أن السؤال في حد ذاته خاطئ، لأن المطلوب ليس الاختيار بينهما، وإنما بناء تنمية لا تكون البيئة ضحيتها، وصناعة لا يكون الإنسان ثمن استمرارها؟. هذا هو جوهر الإشكال الذي تطرحه قابس اليوم.
فمنذ أشهر، تصاعدت التحركات الاحتجاجية في الجهة، وارتفع شعار «الشعب يريد تفكيك الوحدات» ليصبح عنوانا لغضب شعبي متراكم منذ عقود، سكان قابس يطالبون بحقهم في بيئة سليمة، وبحقهم في الصحة والحياة، ويربطون معاناتهم بالتلوث الناجم عن النشاط الصناعي للمجمع الكيميائي، في وقت تؤكد فيه المعطيات الرسمية أن السلطات نفسها تعتبر الملف البيئي في الجهة قضية تستوجب المعالجة، وقد شهدت قابس خلال الأشهر الماضية احتجاجات ومسيرات وإضرابات، في حين بقي السؤال الأساسي مطروحا، لماذا لم تتحول كل اللجان والتقارير والتوصيات إلى حل نهائي؟ لكن الشعار لا يلغي ضرورة طرح سؤال آخر، ما الذي يعنيه عمليا تفكيك الوحدات؟.
فالفرق كبير بين تفكيك الوحدات الملوثة، وتفكيك جزء منها وإعادة تأهيلها ونقل النشاط إلى موقع آخر أو إعادة بناء صناعة تحويل الفسفاط وفق معايير بيئية حديثة، والفرق ليس تقنيا فقط، بل اقتصادي واجتماعي واستراتيجي. لقد قامت صناعة تحويل الفسفاط في تونس على خلق قيمة مضافة محلية بدل الاكتفاء باستخراج المادة الأولية وبيعها في شكل خام، وقد تطورت وحدات تحويل الفسفاط في قابس منذ سبعينيات القرن الماضي لتشمل إنتاج الحامض الفسفوري والأسمدة وغيرها من المنتجات.
ومن هنا، فإن التفكيك الكلي للوحدات، إذا كان يعني عمليا التخلي عن صناعة تحويل الفسفاط، لا يمكن اختزاله في قرار بيئي، إنه خيار اقتصادي وتنموي له تبعاته على التشغيل والصادرات، وعلى الموارد العمومية، وعلى مستقبل صناعة الفسفاط بأكملها. وقد يكون التخلص من التلوث ضرورة لا جدال فيها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطريق الوحيد إليه هو التخلي عن الصناعة نفسها. وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين التلوث والصناعة.
فالمشكلة ليست في أن تونس تحول الفسفاط، وإنما في أن الصناعة التي تقوم بهذا التحويل يجب أن تكون قادرة على العمل وفق شروط بيئية صارمة وعلى الحد إلى أدنى ممكن من الانبعاثات والمخلفات وعلى معالجة النفايات الصناعية وحماية المحيط وضمان سلامة السكان، إن الهدف المنطقي ليس المفاضلة بين قابس نظيفة بلا صناعة وقابس صناعية ملوثة، بل البحث عن قابس صناعية نظيفة.
وهذه ليست مسألة تونسية فقط، فإشكالية الصناعات الثقيلة والملوثة مطروحة في مختلف دول العالم، حيث تواجه الدول معضلة الانتقال من الصناعات التقليدية ذات الكلفة البيئية المرتفعة إلى صناعات أكثر نظافة دون تدمير النسيج الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بها. وفي كل الحالات، فإن إغلاق مصنع أو تفكيك وحدة لا يلغي بالضرورة الكلفة، فقد تنتقل الكلفة من البيئة إلى التشغيل، ومن الاستثمار إلى المالية العمومية ومن الصناعة إلى الاقتصاد المحلي. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس، هل نريد البيئة أم التنمية؟ بل: ما هي التنمية التي نريدها؟ وما هي البيئة التي نريد حمايتها؟ وما هو الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه للوصول إلى هذه المعادلة؟
فقابس دفعت بالفعل ثمنا بيئيا وإنسانيا واقتصاديا كبيرا وفق ما تطرحه تقارير وخبراء ومنظمات بيئية منذ سنوات، كما أن استمرار الأزمة نفسها يحمل كلفة اقتصادية، لكن في المقابل، فإن تفكيك الوحدات له أيضا ثمن. وثمن التفكيك لا يتعلق فقط بكلفة تفكيك الوحدات بل بكلفة فقدان النشاط الاقتصادي وبالخسائر التي قد تلحق بسلسلة الإنتاج وبمستقبل تحويل الفسفاط في تونس. وإذا كان الخيار هو التخلي كليا عن تحويل الفسفاط، فإن تونس قد تجد نفسها أمام نموذج مختلف، استخراج الفسفاط وبيعه خاما أي العودة إلى اقتصاد يقوم بدرجة أكبر على تصدير المادة الأولية بدل تحويلها محليا.
وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها، هل نعالج مشكلة التلوث بالعودة إلى اقتصاد استخراجي، أم نبني صناعة تحويلية نظيفة؟ فالعودة إلى تصدير الفسفاط الخام قد تخفف بعض الأعباء الصناعية في مناطق التحويل، لكنها تعني في المقابل التخلي عن جزء من القيمة المضافة التي يمكن أن تنتجها تونس من مواردها الطبيعية، ومن ثم فإن أي قرار بالتفكيك الكلي لا بد أن يجيب بوضوح عن سؤال البديل، ماذا سنفعل بالفسفاط؟ وكيف سنعوض القيمة الاقتصادية المفقودة؟ وما هي المشاريع التي ستخلق القيمة المضافة والتشغيل في الجهة وفي البلاد؟
ثم هناك خيار آخر يطرح نفسه، نقل المجمع أو الوحدات إلى منطقة صناعية جديدة. قد يبدو هذا الخيار في ظاهره حلا، لكنه لا يصبح حلا بمجرد تغيير الموقع لأننا نقلنا المشكلة من قابس إلى مكان آخر. وتجربة صفاقس تقدم في الذاكرة مثالا على أن نقل الصناعات الملوثة لا يكفي وحده إذا لم تتغير طريقة الإنتاج ومعالجة المخلفات وحماية المحيط.
وهنا تظهر ضرورة الخيار الثالث، الإصلاح الجذري، فالإصلاح لا يعني إبقاء الوحدات على حالها ثم انتظار نتائج مختلفة. ولا يعني تشغيل وحدات ملوثة تحت عنوان الحفاظ على الإنتاج، الإصلاح الحقيقي يعني تدقيقا فنيا مستقلا في كل وحدة وتحديد مصادر التلوث وتحديد ما يمكن إصلاحه وما لم يعد قابلا للإصلاح، ثم وضع برنامج استثماري واضح لإعادة التأهيل والتجديد.
وهو تقريبا ما كشفته تصريحات رئيس الجمهورية خلال زيارته إلى الجهة، إذ أكد أن الوحدات الملوثة لن يتم تشغيلها، وأن التشغيل سيقتصر على الوحدات التي تم إصلاحها، بما يسمح للأهالي بالعيش في محيط سليم، لكن بين هذا الطرح والطرح الذي يرفع شعار التفكيك الكلي، مسافة كبيرة. وهذه المسافة لا يمكن التقليص منها بالخطاب السياسي وحده، إنها تحتاج إلى معالجة سياسية كاملة للملف.
والمعالجة السياسية هنا لا تعني تسييس الأزمة أو استغلال الاحتجاجات، وإنما تعني الاعتراف بأن القرار المتعلق بمستقبل المجمع الكيميائي وصناعة تحويل الفسفاط هو في النهاية قرار سياسي، لأنه يحدد نموذجا اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا لمستقبل جهة ولجزء مهم من الاقتصاد الوطني. ولهذا فإن المطلوب هو حوار اجتماعي ومجتمعي واسع ينطلق أولا من حقيقة لا يمكن تجاهلها، "الشعب يريد تفكيك الوحدات".
هذا المطلب يجب أن يسمع وأن يكون نقطة انطلاق للنقاش لكن في المقابل، من حق الشعب أيضا أن يعرف الحقيقة كاملة. ما هي كلفة التفكيك؟ وما هي كلفة الإصلاح؟ وما هي كلفة نقل النشاط؟ وما هي كلفة استمرار الوضع الحالي؟ وما هي الكلفة الصحية والبيئية؟ وما هي الكلفة الاقتصادية والاستثمارات المطلوبة لبناء صناعة نظيفة؟، فلا يمكن أن يطلب من سكان قابس قبول استمرار وحدات ملوثة دون أن تقدم لهم الدولة ضمانات حقيقية، كما لا يمكن اتخاذ قرار بالتفكيك الكلي دون مصارحتهم .
فالتلوث له ثمن، لكن التفكيك له ثمن أيضا والإصلاح له ثمن والانتقال إلى صناعة نظيفة له ثمن، أما استمرار الوضع الحالي، فله ثمنه كذلك، وربما يكون أكثر كلفة، فالقضية في النهاية ليست البيئة أم التنمية؟ وإنما هي أي بيئة وأي تنمية وأي صناعة؟ وبأي كلفة ولمن؟ أما الإجابة الحقيقية، يجب أن تكون عبر المصارحة والحوار ووضع خطة واضحة وقرار سياسي، لأن قابس تريد أن تتنفس وتعمل وتحقق التنمية في الوقت نفسه.