التونسيون ومعضلة التميّز
- بقلم زياد كريشان
- 15:00 02/07/2026
- 5069 عدد المشاهدات
أينما نولي وجوهنا اليوم نرى تونسيات وتونسيين متميزات ومتميزين
في مختلف القطاعات والميادين: دراسيا وعلميا وأكاديميا وفكريا وثقافيا ومهنيا واقتصاديا ورياضيا... ولكن مازال التميّز جزرا معزولة ولم يتحول بعد إلى سلوك جماعي مستدام.
ونقصد هنا بالتميز بعدا أقوى وأشمل من التفوق أو النجاح.. فالمتميز متفوق وناجح بلا جدال ولكن المتفوق والناجح ليس دائما متميزا..
فالتلميذ المتميز ليس ذلك الذي يحصل على 20/20 في الرياضيات مثلا بل هو الذي تمكن من تجاوز الاتقان الشكلي للمعادلات الرياضية إلى تفهم منطقها وإلى التشبع بالثقافة الرياضية في طرق التفكير والبرهنة والاستدلال..،
لا شك أن عناصر عديدة ومعقدة تفسّر بروز التميز الجماعي من غيابه عند مختلف شعوب الدنيا ولكن ثمة عنصر يبدو لنا أنه قد هيكل بشكل كبير مفهوم التميز عندنا دولة ومجتمعا وأسرا وأفرادا.
لقد استقر في أذهاننا منذ عقود بل منذ قرون أن التميّز حالة استثنائية وأنه لا يتاح إلا لنخبة النخبة في كل قطاع وميدان، وقد ورثنا هذا التصور من ثقافتنا الكلاسيكية التي تهيكل المجتمع وفق تميّز هرمي في الأسفل العامة أو العوام والمقصود هنا هو الأغلبية ثم الخاصة وفي أعلى الهرم خاصة الخاصة أي ما نصطلح عليه اليوم بنخبة النخبة...
هذا المخيال القديم نجده في عمق تصور عقل دولة الاستقلال لدورها في تنمية وتطوير المجتمع، التميّز هو حكر على الأقلية وينبغي فقط «النهوض» بمستوى «العامة» عبر حدّ أدنى من التعليم ومن التهذيب الاجتماعي..
ويكفي هنا أن نذكر بأن جواب الدولة على مسألة ضعف مستوى المدرسة التونسية كان في أواسط ثمانينات القرن الماضي (وتحديدا سنة (1983) بإحداث المعاهد النموذجية بدءا بالعاصمة ثم تعميمها إلى كل ولايات الجمهورية، وهذه الاعداديات والمعاهد النموذجية تضم حوالي 2٪ من مجموع التلاميذ المعنيين من قبل الدولة بالتميز أما البقية فتُرك أمرهم للصدفة ولنوعية المدرسة والامكانيات المادية للأولياء وخاصة للرأس المال الرمزي للعائلات...
ونحن نلاحظ في كل سنة التفاوتات الجهوية والاجتماعية المجحفة ونكتفي بتسجيل النسب دون أن نعتبر وأن تعترف أن اخفاق التلاميذ في التميّز هنا هو نتيجة سياسات عمومية متعاقبة ومتضامنة لتكريس منظومة تربوية شديدة الانتقاء ضعيفة المردود...
ما قلناه على التميز المدرسي يصح على كل القطاعات والميادين ولكن دور المدرسة هو مربط الفرس لأنها المؤسسة الوحيدة المسؤولة على التكوين الأصلي لعموم التونسيات والتونسيين..
ليس المطلوب أن يحصل كل تونسي على جائزة نوبل في الفيزياء أو الطب أو الأدب وأن يحرز كل لاعب على الكرة الذهبية وأن يصبح اقتصادنا هو الأقوى عالميا.. المطلوب هو أن يكون المعدل العام للتونسيات والتونسيين في كل الميادين عاليا، وهذا لا يحتاج إلى استثمارات ضخمة لا قبل لنا بها.. يحتاج منا فقط أن نغير بصفة جذرية نظرتنا للنجاح والتميز..فلا عبرة بإنجاب لاعب في مستوى ميسي أو حتى الملك بيلي إذا كان منتخبك ضعيفا حتى في قارته..التميز الفردي محمود ولكن الأهم منه أولا وشرط استدامته ثانيا هو التميز الجماعي لا فقط داخل الحدود الوطنية بل في خضم المنافسة العالمية المحتدة والعنيفة أحيانا..
إن التحولات المتسارعة، تكنولوجيا بفضل لذكاء الاصطناعي والروبته وعلميا واقتصاديا معرفيا تفرض علينا جميعا إعداد أجيالنا القادمة لهذه المعارك الناعمة حيث لا بقاء فيها إلا للمتميز ذي القدرة على التأقلم السريع وعلى المبادرات الخلاقة.. وما دون ذلك فهو انتحار جماعي بطيء..فقط لا غير.