من‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والرياضة‭:‬ كيف‭ ‬يتسلل‭ ‬الاحباط‭ ‬؟

من يقف أمام المشهد التونسي اليوم، بكل تفاصيله وأزماته، قد يجد في المعنى
الذي ورد في كتاب «ما وراء الخير والشر» لفريدريش نيتشه، والذي يتحدث عن الهاوية التي تحدق فيمن حدق بها، ما يمكن استعارته كمدخل لفهم هذا الثقل الذي أصاب البلاد والعباد، وكبل الأرواح. فمن أطال الانغماس أو مراقبة الأزمات سوف يتسلل إلى أعماقه أثرها ويصبح جزءا منه. هذا الأثر هو الشعور بالإحباط الذي يتسرب إلى الفضاء العام ويسيطر عليه، لينسج ما قد يكون في ظاهره خيوطا منفصلة: الأحكام القضائية وما تثيره من أسئلة، والتجاذب بين البرلمان والحكومة، والصمت والغضب الذي أعقب مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم. لكنها حين تجمع تولد شعورا بانكسار الأمل وتآكل الثقة، يتجدد مع كل حدث، مهما كان صغيرا. إذ لم تعد الأزمات في تونس تعرف بما كانت عليه من قبل: أزمة اقتصادية ومالية، أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع عبرت عن نفسها بنسب المشاركة في الانتخابات المتتالية، أزمة سلطة تبحث عن كيفية إدارة نفسها، وهي اليوم أزمة آفاق ومستقبل، أزمة يفقد فيها المجتمع التونسي ثقته بنفسه وبقدرته على إنتاج المعنى وتخيل المستقبل. أزمة تتسلل إلى كل المستويات: السلطة ومجالها، القضاء وأحكامه، الرياضة ونتائجها. وما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها أنها بلا صخب ولا ضجيج، تمر لتعيد تشكيل كل شيء، من مجال السلطة التي لم تعد اليوم في مواجهة مع معارضيها فقط، بل تواجه نفسها وتواجه امتدادها في مجال الحكم ومؤسساته. مواجهة انطلقت بنقد رأس السلطة التنفيذية للإدارة وحكومته، وامتدت لتشمل اليوم قرار كتلة «لينتصر الشعب» بمقاطعة الحكومة داخل البرلمان والامتناع عن مناقشة أو تمرير مشاريع القوانين المحالة من قبل السلطة التنفيذية على البرلمان، لتكون عناصر أزمة عنوانها قدرة السلطة على أن تحافظ على حد أدنى من الانسجام داخل مجالها السياسي. حد أدنى يسمح لها بإدارة الحكم والمجال السياسي ومسك زمام المبادرة، للحفاظ على ثقة الشارع فيها وفي مشروعها ومسارها السياسي. ومن مؤشرات هذه الأزمة أيضا نسبة المشاركة المسجلة في الانتخابات التشريعية الجزئية بدائرة الكبارية نهاية الأسبوع الفارط، حيث كانت نسبة الاصوات المصرح بها للمرشحين الخمسة دون 4 ٪ من قائمة المسجلين وهي أقل نسبة مشاركة إن تعلق الأمر بانتخابات جزئية أو انتخابات تشريعية. يضاف إلى ذلك اتجاه متزايد لإدارة الخلافات السياسية عبر المسار القضائي، إذ جاءت الأحكام الصادرة في ملفات شملت سهام بن سدرين وخالد الكريشي لتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد هو، في الأصل، شديد التركيب. وليس المقصود هنا الخوض في سلامة الأحكام القضائية أو تقييم وجاهتها القانونية، فذلك يبقى من اختصاص القضاء، وإنما رصد تداعيات هذا النهج القائم على معالجة ملفات سياسية بمنطق قضائي صرف. نهج يجعل من الفعل السياسي نفسه موضوع مساءلة جزائية، وهو ما يرسخ انطباعا لدى المجتمع بأسره بأن السياسة باتت مجرمة، وبالتالي ينسحب من المجال العام الذي لم يعد فضاء للتنافس. وهذه الأزمة أول متضرر فيها هي السلطة نفسها، التي يبدو أنها غفلت عن أن السلطة والحكم لا يقومان بالقانون أو الأجهزة والمؤسسات، ولا على الخوف واستنزاف الدولة والمجتمع، بل يقومان على الثقة، وعلى الاقتناع، وعلى إدارة الاختلاف، وعلى إنتاج المبادرة، وعلى تجديد المشروعية السياسية، وعلى حماية الأمل، وإن كان أمل تقديم أداء جيد في مسابقات دولية. مشاركتنا في كأس العالم الأخيرة، التي غادرناها مبكرا بثاني أسوأ أداء في الدور الأول، حيث حل المنتخب في الترتيب 47 متقدما فقط على منتخب العراق. أداء خلف خيبة أمل وغضبا، وكانت كل هزيمة تلامس أعمق وعينا الجمعي. فالمنتخب الوطني في مخيالنا المشترك حمل شحنة رمزية مكثفة معه، وكانت كل نتيجة سلبية هزيمة رمزية لنا جميعا، أفرادا ومجتمعا ودولة. هزائم كان أثرها أشد لأن أداء المنتخب كان الأسوأ في تاريخ المشاركات، ولأن كل المنتخبات الإفريقية المشاركة في هذه النسخة ترشحت إلى الدور 32، حتى تلك التي تشارك لأول مرة. ولدت إحباطا ولامبالاة، وكشفت عن إنهاك المجتمع وإرهاقه وتطبيعه مع غياب النتائج في السياسة والاقتصاد والرياضة، وفقدان للأمل. وهذا هو الخطر لو كنا نعلم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115