كأس العالم يعود الى امريكا بعد 22 سنة: من العولمة إلى غلق الحدود

22 سنة مرت منذ احتضان أمريكا للدورة 15 من

كأس العالم لكرة القدم التي انتقلت من لعبة شعبية إلى سوق رعاية وبث يتجاوز حجمه اليوم 300 مليار دولار سنويا. وهي اليوم وبعد عقدين تعود الى امريكا الشمالية، لكن هذه المرة ليس بزخم الانتصار في الحرب البادرة وسردية هيمنة العولمة السياسة والاقتصاد التي سوقت لحرية حركة الأفراد والسلع ورأسمال، بل سياسات أمنية حدودية حمائية، طالت الوفود الرسمية والجمهور والحكام.

فان امتازت دورة 1994 بروح عصرها وحلمت دلالات سياسية تنتصر للعولمة التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية فان هذه الدورة الثالثة والعشرون تطبعت بخصال هذه المرحلة من الشعبوية والسياسات التمييزية والنزعات القومية الانعزالية، لتغلق الحدود امام حرية الحركة وتفرض إجراءات امنية مشددة كان يعتقد قبل أشهر أنها تظل مقتصرة على الجماهير خاصة من الدول التي وضعتها إدارة ترامب على قائمة منع الدخول.
لكن مع الاقتراب من موعد انطلاق البطولة اتضح ان هذه الاجراءات الحدودية الامنية تطال وفودا ومنتخبات واطار تحكيمي، والقاسم المشترك بين هؤلاء انتمائهم لدول الجنوب العالمي، على غرار المنتخب الايراني والوفد المرافق له الذي منع من الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية ومنح له تصريح بالدخول صالح لمدة 24 ساعة، ليجد المنتخب ووفده مضطرين الى الانتقال من مقر اقامتهم في المكسيك إلى الولايات المتحدة يوم المباراة ومغادرتها بانتهائها.
تقييد الاقامة والدخول لم يقتصر على الفريق الايراني بل طال الحكم الصومالي عمر عبد القادر عرتان الذي منع من الدخول الى الاراضي الامريكية رغم انه يحمل تأشيرة وتكيف من الفيفا بإدارة مباريات في هذه النسخة، لكنه وجد نفسه هدف لاجراءات امنية مشددة في المطار قبل اعلامه بانه ممنوع من الدخول اثر تحقيق امني.
هذه الاجراءات الامنية التي تستهدف دول الجنوب العالمي، طالت ايضا المنتخب السينغالي والاوزبكي، فكلا الفريقين خضعا الى تفتيش امني دقيق، استخدمت فيه اليات الكشف عن المعادن والكلاب البوليسية والتفتيش اليدوي، سواء عند مدرج الطائرة او اثر النزول من الحافلة، وغيرها من الاحداث المشابهة التي تفرض اليوم سؤال عن مناخ هذه النسخة وعن شروط نجاحها لا التنظيمية فقط بل الرمزية والجماهرية والرياضية؟
ففي الايام القليلة الفارطة لم ينشغل الراي العام الرياضي ووسائل الاعلام بالتنظيم وبالملاعب والاستعدادات اللوجستية الضخمة بقدر ما انشغل الجميع بهذه الاحداث التي تحمل حمولة رمزية كبيرة، وتوحي بان الدفاع سياسي وعنصري، وهو ما يمس جوهر كاس العالم والفلسفة التي تسوق لها الفيفا اليوم بطولة عالمية مفتوحة تضمن فيها دولة الاستضافة حرية التنقل والوصول.
فلسفة نجحت خلال العقود الثلاثة الماضية في تحويل كاس العالم الى اكبر تظاهرة رياضية على وجه الارض تقوم على سردية سياسية وثقافية تقدم البطولة على انها حدث كوني جامع تتلاشى امامه الحدود، فالجميع لديه الفرصة لان يكون جزءا من الاحتفال العالمي، لكن الوقائع التي سبقت انطلاق هذه النسخة تشير الى بداية تفكك هذه السردية والتسويق.

فالعالم القديم الذي احتضن 9 نسخا من كأس العالم لم يعد قائما. اذ تغيير الشيء الكثير، ففي 1994 كانت الولايات المتحدة البلد المستضيف للبطولة تقدم نفسها كمركز للنظام الدولي الجديد وقاطرة العولمة الاقتصادية والثقافية، ا اما اليوم فقد تغيرت السياسات والمزاح في العالم، شعبوية وخطاب الكراهية للاخر وخاصة المهاجرين.
مناخ انعكاس اليوم على الترتيبات الامريكية لاحتضان البطولة وإخضاعها لمنطق الفرز الجيوسياسي والامني الذي استهدف دول الجنوب العالمي، لنكون امام بطولة مختلفة كليا عما سبقها، فإن لم يغب النقد السياسي للبطولات السابقة إلا أن هذه الدورة تمتاز بنقد يتعلق بحرية الوصول والمشاركة التي قيدتها ادارة ترامب باجراءات تميزية.
اجراءات يبدو انها سترسخ هذه النسخة في الذاكرة كما رسخ مونديال 1994 ، ولكن الاختلاف ان الصورة ستكون سلبية، فالتاريخ لا يذكر البطولات فقط من خلال نتائجها الرياضية، بل من خلال ما تعكسه من روح عصرها. واذا كان مونديال 1994 قد دخل الذاكرة باعتباره مونديال العولمة والانفتاح، فان مونديال 2026 يتجه منذ الان ليكون مونديال الحدود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115