ودولة الاحتلال، صواريخ إيرانية تسقط على الأراضي المحتلة وردّ الاحتلال بعمليات جوية، ليرتفع منسوب التوتر في المنطقة قبل تدخل أمريكي ضغط من أجل وقف التصعيد ومنع انهيار الهدنة وانزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
لكن بعيداً عن ضجيج التصريحات والمشهدية السياسية، لم تكن الأحداث العسكرية ليوم أمس تهدف إلى استئناف الحرب، بل إلى ضبط قواعد الاشتباك وإعلان من له اليد العليا في صياغة النظام الإقليمي الجديد، إيران أم دولة الاحتلال التي تناور اليوم عسكرياً وسياسياً وتتمسك بحربها على لبنان لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى الانهيار.
إذ إن لبنان هي الساحة الرئيسية لإعادة صياغة المشهد الإقليمي، فاحتلال يرفض أن تشمل الهدنة أعماله العسكرية في لبنان، وتمسك إيراني بوقف كلي وشامل لها، ليستمر الوضع أسابيع قبل أن تقرر طهران الخروج من المأزق الاستراتيجي الذي وضعت نفسها فيه في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان لترسيخ مبدأ فصل الجبهات والعمل على أن يكون ذلك دائماً.
فصل لا يمكن لإيران أن تقبل به، فهذا أشد خطورة عليها من استئناف العمليات العسكرية ضدها. لذلك سعت إلى أن توجه رسائل عسكرية وسياسية واضحة ومباشرة، من خلال ضربات صاروخية لا تهدف إلى دفع المنطقة إلى حرب شاملة ولا استئناف الحرب مع الاحتلال. فطهران تدرك حدود القوة وحدود المخاطرة في اللحظة الراهنة. لكنها أرادت توجيه رسالة واضحة مفادها أن لبنان ليس ساحة منفصلة، وأنه جزء من المعادلة والهدنة. أي إن العمليات العسكرية الإيرانية أرادت أن تعلن، بشكل أدق، عن إعادة ربط الجبهة اللبنانية بالجبهة الإيرانية، وبالتالي فهي جزء من التوازنات الإقليمية الأوسع.
ولا تقتصر الرسائل على وحدة الجبهات، بل أيضاً تحمل بعداً عسكرياً، فبعد أشهر من الحرب والاستهداف المباشر لقدراتها العسكرية، أرادت طهران أيضاً أن تثبت أن منظومتها الصاروخية ما زالت قادرة على العمل، وأن قدرتها على اتخاذ قرار توجيه الضربات لم تُشلّ، إذ إنها لم تخرج من معادلات الردع والصراع. وهذا ما كشفته طبيعة الأهداف وعدد الصواريخ التي لم يكن الهدف من إطلاقها تحقيق تدمير واسع، بل إثبات أن القدرة على الرد ما زالت قائمة.
هاتان الرسالتان ليستا موجهتين فقط إلى الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية، بل أيضاً إلى الحلفاء. وإيران التي بنت نفوذها الإقليمي على صورة الحليف القادر على الحماية والدعم، لا يمكنها اليوم أن تقف دون حركة أمام استمرار استهداف أبرز وأهم حلفائها. لذلك حملت الضربة مضموناً سياسياً يهدف إلى الحفاظ على شبكة التحالفات والنفوذ الإيراني في المنطقة.
وهو ما تلقفته إسرائيل التي أعلنت، إثر استكمال ردها العسكري، أنها أوقفت عملياتها ضد إيران، لكنها تتمسك بمواصلة العمل العسكري داخل لبنان، وأنها وإن لم تكن تبحث عن مواجهة إقليمية واسعة مع إيران، فإنها لن تصمت إن استُهدفت مجدداً، وهذا قد يكون أهم تطور، أي طبيعة الرد الإسرائيلي.
إذ لم يكن هناك خطاب تصعيدي ولا حشد للقوات والحلفاء، بل احتواء سريع للتطورات ورفض للصدام مع الحليف الأمريكي الذي اختار هذه المرة عدم تفعيل آلياته الدفاعية لإسقاط الصواريخ الإيرانية. وهذا من العناصر الحاسمة في المشهد التي سمحت لإدارة ترامب بالتدخل السريع لاحتواء التصعيد ومنع انهيار المفاوضات أو التفاهمات القائمة.
لهذا فإن ما جرى لا يختزل في كونه مواجهة عسكرية حربية بقدر ما هي مواجهة سياسية يبحث كل طرف فيها عن فرض إرادته على المنطقة، من خلال فرض قواعد جديدة تختزل اليوم في بند "وحدة أو فصل الجبهات". فهذا هو رهان أطراف الصراع اليوم، والهدف الفعلي خلف دخان الصواريخ والطائرات.