مسيرة احتجاجية اجتماعية: كسـر الجــدار مع الشـارع

الخبر نهاية الأسبوع الفارط كان المسيرة الاحتجاجية

التي شهدتها شوارع العاصمة التونسية، خبر للوهلة الأولى قد يكون فاترا لا يحمل الجديد، ففي الأشهر الستة الماضية عاشت شوارع العاصمة على وقع مسيرات احتجاجية بوتيرة أسبوعية تقريبا، بشعارات متشابهة بل والوجوه ايضا.

لكن مسيرة السبت الفارط تجاوزت سابقاتها، اذ لم تكن مجرد تحرك احتجاجي يضاف الى رزنامة الغضب السياسي المتنامي في البلاد، بل هي وإن بشكل نسبي غير ناضج ومكتمل بعد، أحدثت شرخا في الجدار الفاصل بين النخبة السياسية والحقوقية التونسية والشارع غير المنتمي أو المنتظم في هياكل من احزاب او منظمات او جمعيات، أي عامة التونسيين مما لا نشاط سياسي او نقابي أو حقوقي لهم.

في المسيرة التي دعت إليها مجموعات شبابية، نجحت جزئيا في زعزعة الجدار النفسي والسياسي الذي بسطت أركانه خلال السنوات الخمسة الفارطة، وعزل النخبة التونسية عن قواعدها التي باتت تنفر من العمل السياسي ومن الاهتمام به بل وفقدت ثقتها في مؤسسات الدولة ونهبها، والأمر هنا لا يقتصر على طبقة دون أخرى، فحالة العزوف والانسحاب من المجال العام هي حالة عابرة للطبقات وللاجيال.

اذ ان خيبات الأمل التي تراكمت خلال عشرية الانتقال الديمقراطي وحالة الاحباط والقنوط التي غذاها الاستقطاب والصراع السياسي أفقدت جزء من التونسيين إيمانهم بامكانية تغيير واقعهم عبر العمل السياسي، فانكفئوا على ذواتهم ومشاغلهم اليومية، يراقبون صراع السلطة وخصومها منقسمين هنا بين تأييد نهج السلطة وبين تعاطف مع المعارضة أغلبية صامته لا تبدى اية تفاعل سياسي مع الأحداث والمتغيرات مكتفية بلحظات من الغضب الذي ينفجر وسرعان ما يقع احتواءه.

أغلبية تسجل حضورها في تقارير الحراك الاجتماعي الصادر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبر تحركات مهنية، بيئة، اجتماعية لم تجد لها موقعا في تحركات المعارضة الحقوقية والسياسية التي رسخت الفصيل بين الجانبين، فصل لم يقع تجاوزها بعد ولكن انطلقت المحاولات وكانت مسيرة السبت الفارط التي رفعت بشكل صريح ومكثف شعارات اجتماعية اقتصادية.

مسيرة احتجاجية جابت شوارع العاصمة انطلاقا من منطقة باب الخضراء جابت أسواقها الشعبية اين رددت شعاراتها وابرزها الشعار المركزي للمسيرة «شعب جيعان وحبس شبعان»، شعار مثقل الرمزية والدلالة موجه بالأساس إلى التونسيين لا الى السلطة، يعلن عن رفع النخبة للمطالب الاجتماعية والتحرك من اجلها اي عودتها الى حاضنتها الشعبية وقواعدها.

إذ كشفت الميرة عن ادراك الداعمين والمنظمين لها ان الابقاء على الجانب الحقوقي والسياسي على أهميتهما، كمركز للصراع مع السلطة يعزلها عن الشارع ومطالبه الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما استوجب منهم تعديل تمشيهم ونقل مركز ثقل تحركهم من السياسي إلى الدفاع عن ظروف العيش الكريم، بهدف اختراق الجدار واستعادة ثقة الشارع.

هنا تكمن أهمية مسيرة السبت لا في عدد المشاركين فيها ولا في هويتهم، فهي أي المسيرة وان عرفت مشاركة محدودة لعموم التونسيين من شرائح تأثرت سلبا بغلاء المعيشة والوضع الاقتصادي عامة، إلا أن أهميتها تكمن في الأساس في تحول مركز الثقل اولا اي في قدرة معارضي السلطة على تنظيم تحرك احتجاجي اجتماعي يرفع شعارات ومطالب ملموسة تجد لها صدى لدى التونسيين. أي قدرتها على انتاج شرعية اجتماعية وسياسية جديدة يمكنها أن تكسر الجدار الفاصل بين الفضائين.

شرعية لم تنتج ولم تمنح بعد، اذ ان محاولات المعارضة لازالت في مراحلها الأولى وبالتالي الحسم بنجاحها من عدم سابق لأوانه، ولكن ما هو جائز الآن وهنا هو قراءة المؤشرات الاولية التي تقول جزئيا بأن مسيرة السبت اخترقت حواجز غير مرئية وشرخت الجدار، وهذا ما يكشفه الحضور اللافت وإن كان العدد محدود لفئات من التونسيين غير المؤطرين سياسيا وتنظيميا يبدو أن مشاركتهم كانت بدافع اجتماعي احتجاجي.

هذا هو المؤشر الهام والحدث في مسيرة السبت، وهو مؤشر يعلن عن فرص وإمكانيات سياسية للمعارضة التي باتت خلال سنواتها الخمس الماضية أشبه بفضاء مغلق أو طائفة تتحدث الى نفسها ون نفسها، دون قدرة على استقطاب من خارجها، لكنها اليوم نجحت في الاختراق وان ما يزال محدود ولم يصبح حالة شعبية واسعة بزخم يمكنه أن يغير موازين القوى كما أنها لا تتوفر اليوم على شروط الاستدامة.

فالمشاركة الظرفية والجزئية لعدد من التونسيين من غير الناشطين أو المنتظمين، لا تعني عودة الثقة في المعارضة او في طيف منها، ولا تعنى استعادة ايمان التونسيين بإمكانية التغيير سياسيا، ولا بانتصار أي سردية سواء كانت للمعارضة أو للسلطة، ففي كلا الأمرين لا تحمل اي منهما إجابات ينتظرها التونسيين عن كيفية تجاوز أزمتهم الاقتصادية والاجتماعية عن تحسين واقع معاشهم. أسئلة هي مصدر غضبهم اليوم.

غضب يرتفع منسوبه في الشارع تدريجيا، ويبدو أن السلطة تدرك ذلك، تمام إدراكها بمحدودية ادواتها وعدم قدرتها على الاستجابة للانتظارات والمطالب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تصبح لاحقا محرك للاحتجاج الاجتماعي، وهو الخطر الذي يهدد السلطة، خاصة أن تقاطع بالاحتجاج السياسي الحقوقي.

السلطة لا تخشى من التحركات الاحتجاجية السياسية والحقوقية لانها تعتبرها تحركات نخبوية معزولة في فضاءات مغلقة وانت كانت في الشوارع، ولا تخشي من انفجارات غضب محدودة فقد خبرتها خلال هذه السنوات من عقارب في صفاقس الى قابس وغيرها من المدن والأحياء التي عرفت لحظات غضب سرعان ما مرت. ما يثير قلق السلطة وخوفها هو تقطاع هذه الاحتجاجات. فالتقاطع يفتح إمكانيات لتوسّع الاحتجاج افقيا في المدن والأحياء ويرسم أفقا سياسيا له، وهذا قد يفسر لماذا استهدف انصار السلطة مسيرة السبت بردود فعل سلبية حادة عنيفة بلغت حد التشويه والهجوم على المشاركين والمنظمين.

خوف لا يعني ان المسيرة كسرت الجدار او انها اعادة ترتيب خارطة الاحتجاج وعناوينها، فالأمر لا يتم من خلال مسيرة واحدة، بل بتراكم يعيد انتاج السردية والشرعية، وهذه هي المعضلة التي سيكون على معارضي السلطة ايجاد معادلة لحلها

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115