هرمز والاقتصاد العالمي: أمريكا لـم تعد قادرة على تحمل كلفة حربها على ايران

تشهد معادلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

تغيرات متكررة، فمن إسقاط النظام والقضاء التام على قدراته العسكرية في بداية الحرب، إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية والحد من خطرها على المنطقة لاحقا، ثم كبح جماح البرنامج النووي الإيراني وتعليقه مؤقتا، وها هي اليوم تتغير من جديد نحو دفع إيران إلى فتح مضيق هرمز واستعادة نسق الملاحة ما قبل الحرب.

هذا التغيير الذي كشف عنه خلال الأيام الأربعة الفارطة، جاء بعد فشل المقاربة الأمريكية السابقة التي تقوم على أن العقوبات القصوى، والحصار البحري، والضربات العسكرية المحدودة، ستدفع إيران إلى القبول بالشروط الأمريكية في علاقة بالملف النووي. رهان رفعته واشنطن عاليا وفرضت من أجل تحقيقه حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية، ولاحقا أعلنت عن مشروع «الحرية» بهدف استعادة الملاحة في المضيق. لكن تطورات الميدان أظهرت حدود هذه المقاربة التي بدأت في التفكك.

ففي مسعاها لتقديم المشهد باعتباره «تصعيدا مضبوط الإيقاع»، كشفت واشنطن أن صراعها مع إيران دخل مرحلة أكثر تعقيدا، ليس بسبب استئناف بعض العمليات العسكرية المحدودة نهاية الأسبوع الفارط، بل نتيجة التناقض المتصاعد صلب الخطاب الأمريكي. فالتدوينات والتصريحات الصادرة عن الرئيس ترامب خلال الأيام الأخيرة عكست ارتباكا واضحا بين منطقين: أحدهما يتحدث عن نجاح الردع الأمريكي واحتواء إيران وقرب الوصول إلى اتفاق بشروط أمريكية، والثاني يلوح بالتصعيد و»الرد الساحق» إذا استمرت إيران في مهاجمة الخليج والتضييق على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

هذه الازدواجية التي يتميز بها خطاب الرئيس ترامب لم تقتصر على كونها تباينا سياسيا أو مناورة بين إعلان نهاية الحرب وإمكانية استئنافها في أية لحظة، بل توسعت لتصبح أحد أهم عوامل الضغط المباشر على الأسواق العالمية، التي باتت اليوم، وبحكم الأمر الواقع، تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة مفتوحة على كل السيناريوهات، لا فقط بسبب الارتباك السياسي الأمريكي، بل لأن هذا الارتباك ترافق مع متغيرات ميدانية لافتة في طبيعة الحرب نفسها.

فالمواجهة بين أمريكا وإيران لم تعد تعتمد على الضربات الكبرى واسعة النطاق كما حدث في بداية الحرب، ولا على عمليات دقيقة موجهة في منتصفها، بل انتقلت إلى نمط الاستنزاف منخفض الكثافة، من الجانبين اللذين نزلا بثقلهما في ملف هرمز والملاحة فيه، سواء بفرض حصار بحري من قبل أمريكا واعتراض الناقلات التي لا تمتثل للتعليمات الأمريكية، وأهمها عدم التنسيق مع إيران، أو عبر الهجمات الإيرانية باستعمال الطائرات المسيرة، سواء لاستهداف السفن البحرية أو بعض دول المنطقة، أو الإعلان عن إنشاء هيئة جديدة لإدارة المضيق، بهدف الحفاظ على حالة عدم الاستقرار في المنطقة والضغط، من خلال ذلك، على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة.

مقاربة إيرانية نجحت في نقل الحرب إلى الاقتصاد والأسواق، وهو ما تبينه المؤشرات الاقتصادية المنشورة خلال الأيام الأخيرة، والتي تؤكد أن الأزمة تجاوزت البعد المضارباتي. إذ إن البيانات المنشورة من مؤسسات مالية وشركات طاقة دولية، وأبرزها شركة أرامكو السعودية، تؤكد أن السوق العالمي يعاني من نقص فعلي في الإمدادات النفطية، وإن كانت التقديرات متضاربة بين 200 مليون برميل، بمعدل 4 ملايين برميل يوميا خلال شهري مارس وأفريل، ومليار برميل وفق أرامكو. إلا أن النتيجة واحدة، وهي أن السوق الدولية باتت مهددة بنقص العرض إن استمر غلق المضيق المسؤول عن عبور خمس الإنتاج العالمي من النفط.

مضيق دفع إغلاقه وتعثر الملاحة فيه، ولو جزئيا، الاقتصادات الكبرى إلى اللجوء إلى مخزوناتها الاستراتيجية، التي تشير اليوم هذه المؤسسات إلى أن وتيرة السحب منها تتسارع بهدف احتواء صدمة الأسعار في السوق، الذي لن يستطيع الصمود طويلا في ظل انخفاض حاد في العرض والاحتياطات التجارية والاستراتيجية لدى الاقتصادات الصناعية الكبرى، بما في ذلك أمريكا، التي ورغم أنها من أهم المنتجين العالميين للنفط، إلا أن طبيعة سوقها تجعلها مهددة هي الأخرى بارتدادات عنيفة لنقص النفط في الأسواق.

ارتدادات، لفهمها، لا بد من الاستدلال بالمعطى الأكثر دلالة، والذي لا يتعلق بارتفاع الأسعار في الأسواق المالية، بل بطبيعة هذا الارتفاع نفسه. فالسوق تعيش اليوم انفصالا بين «السعر الورقي» في الأسواق المالية و»السعر الفعلي» داخل السوق الحقيقية للطاقة. أي أن أسعار العقود، ومنها الآجلة، التي تتراوح بين 110 و120 دولارا وفق رهانات سياسية وتوقعات مرتبطة بإمكانية التهدئة، هي أقل بكثير من سعر البيع الفعلي في الأسواق الفورية، التي ترتفع فيها الأسعار بأكثر من 50 دولارا مقارنة بسعر التداول المعلن، والسبب في ذلك هو ندرة الإمدادات الجاهزة، وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتعطل مسارات الشحن.

هذا الفارق يعكس انتقال الأزمة من مرحلة «تقلبات سعرية» إلى مرحلة «اختلال هيكلي» في توازن العرض والطلب العالمي، وهو ما يعد الخطر الأشد على الاقتصاد العالمي، الذي قد يواجه، بعد استنزاف الاقتصادات الكبرى مخزوناتها الاستراتيجية لتخفيف الضغط على السوق، انفجارا في الأسعار وانكشاف هشاشة النظام الطاقي العالمي أمام استراتيجية إيران في مضيق هرمز، أي حربا طويلة منخفضة التكلفة تستنزف الجميع.

استراتيجية إيرانية نجحت اليوم في دفع أمريكا إلى تغيير معادلة الحرب نحو فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة بنسق طبيعي فيه، لأن استمرار المواجهة يعني رفع الكلفة على الاقتصاد العالمي. أي إن إيران نجحت، عبر الاعتماد على سياسة النزيف البطيء، في رفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين، ونقل هذه الصدمة إلى قطاعات صناعية كاملة، من البتروكيماويات إلى النقل البحري والأسمدة والصناعات الثقيلة، التي تأثرت اليوم بشكل مباشر وكبير بتقلبات الأسعار وعدم استقرار الإمدادات.

لتكشف هذه التطورات أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراع في المنطقة، عنوانها الأبرز الطاقة، حيث بات النفط أداة ضغط جيوسياسية بيد إيران، التي نجحت في أن تكون قوة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وبالتالي امتلكت قوة التأثير على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، ورفعت من كلفة الحرب ضدها واستمرار استهدافها.

حرب بات العالم اليوم يصرخ لإنهائها، لا حبا في إيران، بل لأنه لم يعد قادرا على تحمل كلفتها

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115