في التسويق لإنجازاته عبر منصته تروث سوشيال، فهو ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان يوم الخميس الفارط، نشر عدة تدوينات لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد تعليقات ظرفية على تطورات ميدانية في الشرق الأوسط، سواء في علاقة بالملف اللبناني أو المفاوضات مع إيران.
فما تحمله تدوينات ترامب على منصة Truth Social هو خطاب سياسي للرجل الأول في أمريكا يكشف عن تحوّل تدريجي في إدراك واشنطن لطبيعة انخراطها في الشرق الأوسط، وكيف باتت تبحث عن مخارج من «ورطة الاستنزاف» لكن دون التخلي عن خطاب النصر والإنجازات، فالرئيس الأمريكي وهو يعلن عن وقف إطلاق النار في لبنان بحث عن تأسيس سردية النجاح والفوز، بالتشديد على أنه من توصل إلى “اتفاق بعد محادثات ممتازة” في علاقة بلبنان وأن “أشياء جيدة تحدث” في إشارة إلى مسار المفاوضات مع إيران.
هذا الخطاب الأمريكي الذي يسوق لسردية الإنجاز، يكشف في خلفيته التي تقبع في ظلال ما لم يقل أن الإدارة الأمريكية باتت تدرك حاجتها الملحّة إلى كبح مسار تصعيدي للأزمات في الشرق الأوسط انزلقت إليه منذ فيفري بدفع من حليفها الأول في المنطقة إسرائيل، التي باتت توجه إليها هي الأخرى رسائل مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فبعد يوم من نشر تدوينة إعلان وقف إطلاق النار نشر الرئيس الأمريكي تدوينات جديدة حملت رسائل سياسية لإسرائيل بلهجة نُظر إليها على أنها حادة، إذ إن ترامب دوّن في منصته “كفى، تعني كفى انتهى الأمر”، وأنه من اتفاق وقف إطلاق النار يمنع إسرائيل من القيام بأي عمليات عسكرية في لبنان، قبل أن يضيف تدوينة جديدة يشرح فيها أن القيود المفروضة على حليفه تتعلق بالعمليات الهجومية لا عمليات الدفاع عن النفس.
هذه التدوينات حملت مؤشرات صريحة عن سابقة في السياسات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب في علاقة بحليفه الرئيسي في المنطقة، وهو وضع حدًا لدعم أمريكا غير المشروط لحكومة الاحتلال، فالرئيس ترامب ووفق ما التقط من تدويناته في علاقة بإسرائيل وعملياتها العسكرية في لبنان أعلن عن ما يمكن اعتباره محاولة ضبط للسلوك العملياتي للحليف بعد أن كان في السابق يقدم دعمه غير المشروط وغير المحدد. وهذا يعني أنه وضع قيدًا تكتيكيًا هدفه احتواء التصعيد الإسرائيلي في المنطقة لا إنهاء طموحاتها أو تفوقها الأمني.
فما يرغب فيه ترامب من حليفه الإسرائيلي اليوم هو الانضباط وعدم التصعيد في لبنان لتجنب أي تأثير سلبي على مسار المفاوضات مع إيران، المنتظر استئنافها خلال الساعات القادمة، فالرئيس الأمريكي ورغم تمسكه بخطاب يقوم على نبرة مزدوجة تجاه إيران، فهو من جانب يشدد على أنه قدم مقترح اتفاق عادل ومنصف لإيران، وأنه يرغب في الوصول للاتفاق، ولكن من جانب آخر يواصل نشر تهديدات صريحة ضد إيران من قبيل أنه سيقوم بـ“تحييد البنية التحتية للطاقة بالكامل” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
هذه الازدواجية سواء في النبرة بين التفاؤل والتهديد والترغيب والوعيد، أو في التصعيد الخطابي والتفاوض عبر قنوات عدة يكشفان أن الإدارة الأمريكية تسعى اليوم إلى أن تحقق منجزًا سياسيًا، أي الوصول إلى اتفاق مع إيران ينهي الحرب ويمنح الرئيس ترامب مكاسب أو نقاط يمكنه أن يسوقها في الداخل على أنها نصر وفوز أمريكي في الحرب، أي أنه يريد أن ينتقل بخطاب الإنجاز العسكري الذي دأب عليه منذ بداية الحرب إلى إنجاز سياسي ضمن سردية موجهة اليوم بالأساس إلى الداخل الأمريكي قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وهنا تكشف تدوينات ترامب خلال الأيام الثلاثة الماضية عن الخيط الناظم بينها، وهو البحث عن مخرج من ورطة الاستنزاف في الشرق الأوسط لتقليل الخسائر في الداخل الأمريكي. فالهدنتان، هدنة الأسبوعين أو هدنة الأيام العشرة، التي قدمها ترامب كإنجاز ليستا سوى أداة لوقف النزيف الأمريكي في المنطقة، وإن اقتضى الأمر منه أن يضغط على إسرائيل لمنعها من التسبب في توسيع الحرب، إذ إن كل الخطوات الأمريكية اليوم تهدف إلى تحقيق معادلة وحيدة وهي استعادة التوازن في المنطقة بأقل كلفة سياسية وعسكرية.
هذا البحث عن مخرج بكلفة دنيا تكمن إشكاليته لا في الخروج بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الخروج، فالإدارة الأمريكية تسعى إلى حل يحافظ على بنية النظام الإقليمي كما هي: دعم إسرائيل، الضغط على إيران، ومنع الانفجار دون معالجة جذوره. أي أنها تحاول تقليل الكلفة دون تغيير قواعد اللعبة أو استيعاب المتغيرات الإقليمية والتوازنات الجديدة التي فرضتها حرب الأربعين يوما.
فما تكشفه الوقائع الميدانية للحرب أو المفاوضات أن هذه القواعد تعد هي نفسها وليست فقط غير مستقرة. فإيران التي رغم الضغوط وحجم خسائرها في الحربين أثبتت قدرتها على الصمود وعلى إيجاد توازن ردع لم ينتج عن قوتها العسكرية بل عن قدرتها على التعطيل، أي إدخال كامل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، سواء عبر أوراقها البحرية أو امتداداتها الإقليمية، وبهذا حققت هدفًا استراتيجيًا لها وهو أن تجعل تجاوزها أو تجاهلها في ترتيب توازنات المنطقة أمرًا غير ممكن ولا مستدامًا. فإما أن تكون ليس فقط جزءًا من المعادلة بل من رسمها أو أنها ستعطل أي إمكانية للخروج الآمن لأمريكا من ورطتها وبالتالي تجرها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد وبتكلفة اقتصادية وأمنية عالية.
في المقابل، لا أمريكا ولا إسرائيل قادرتان على فرض خياراتهما على إيران التي كسبت من الحرب أضعاف ما حققه عدواها وخاصة إسرائيل التي رسخت اليوم لدى الإدارة الأمريكية إدراكًا سياسيًا بأن منح الاحتلال حرية التحرك المطلقة في المنطقة سيؤدي إلى أعباء على واشنطن وسياستها، وبالتالي فإنه يجب اليوم ومستقبلا تقييد حركتها في الإقليم وضمان أن تنسجم مع المصالح الأمريكية، وهذا ما كشفه الانتقال الأمريكي من موقع الداعم إلى موقع ضابط الإيقاع في الملف اللبناني ومن خلفه ملف إعادة ترتيب توازنات المنطقة.
وليس هذا فقط هو المهم في خطاب ترامب، بل الأهم هو التحول العميق الذي كشفته التدوينات، وإن كنا في بداية تبلوره، فالولايات المتحدة تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة رسم سياساتها في الشرق الأوسط. فهي وإن لم تكن لا تريد إدماج إيران في نظام إقليمي تهيمن عليه أمريكا (وهي تلتقي في هذا مع طهران) فهي مضطرة إلى الاعتراف بإيران كفاعل رئيسي في المنطقة لا يمكن تجاوزه. لذلك تجد نفسها مضطرة إلى تقييد تحركات حليفها إسرائيل ضمن سقف يمنع انفجار المنطقة.
لكن هذه الرغبة والتصور الأمريكي في الخروج من حرب الاستنزاف دون دفع ثمن التحول الاستراتيجي، أي دون إعادة توزيع النفوذ، يكشف عن حدود الاستراتيجية الأمريكية اليوم، التي قد تنجح في فرض هدنات أو تأجيل الانفجارات، لكنها ستجد صعوبة في إنتاج استقرار مستدام. فأمريكا خاضت حربها ضد إيران من أجل هدف استراتيجي وحيد وهو احتواء الأخيرة ومنعها من أن تشكل أي تهديد أمني أو استراتيجي لإسرائيل ولأمريكا ومصالحها في الشرق الأوسط الجديد.
شرق أوسطي تتزعمه إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة بدعم أمريكي في ظل غياب أي مقاومة أو بيئة معادية، لكن الحرب انتهت اليوم بأن قادت أمريكا والاحتلال إلى البحث عن تقليل الخسائر لا حسم الصراعات التي يراد أن يعاد تدويرها بأدوات أقل كلفة، وهذا بات غير ممكن فلكل مغامرة سياسية وعسكرية ثمن يدفعه الطرف الذي عجز عن تحقيق أهدافه.
لكن هذه الرغبة والتصور الأمريكي في الخروج من حرب الاستنزاف دون دفع ثمن التحول الاستراتيجي، أي دون إعادة توزيع النفوذ، يكشف عن حدود الاستراتيجية الأمريكية اليوم، التي قد تنجح في فرض هدنات أو تأجيل الانفجارات، لكنها ستجد صعوبة في إنتاج استقرار مستدام. فأمريكا خاضت حربها ضد إيران من أجل هدف استراتيجي وحيد وهو احتواء الأخيرة ومنعها من أن تشكل أي تهديد أمني أو استراتيجي لإسرائيل ولأمريكا ومصالحها في الشرق الأوسط الجديد.
شرق أوسطي تتزعمه إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة بدعم أمريكي في ظل غياب أي مقاومة أو بيئة معادية، لكن الحرب انتهت اليوم بأن قادت أمريكا والاحتلال إلى البحث عن تقليل الخسائر لا حسم الصراعات التي يراد أن يعاد تدويرها بأدوات أقل كلفة، وهذا بات غير ممكن فلكل مغامرة سياسية وعسكرية ثمن يدفعه الطرف الذي عجز عن تحقيق أهدافه