من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي ووزير الاقتصاد سمير عبد الحفيظ ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر تمسك السلطة بخطاب الدولة الاجتماعية ودورها كفاعل اجتماعي حامي يعيد توزيع الموارد ويدعم الفئات الهشة، جنبا إلى جنب مع خطاب تحميل قوى مضادة ولوبيات مسؤولية التعطيل وتفقير التونسيين.
خطاب تقدمه السلطة على لسان الرئيس تجدد فيه التعبير عن طموحها الاجتماعي، وإن كان ذلك على مستوى الخطاب الذي يصطدم كل مرة بواقع الأساس اليوم: تقاطع أزمة بنيوية لم تعالج بأزمة ظرفية نتجت عن تطورات خارجية، الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط، والتي تقترب من استكمال أسبوعها الرابع، ومعه دخلت السوق الدولية للطاقة والأغذية في صدمة هيكلية مصغرة، عبرت عن نفسها بارتفاع أسعار النفط بـ50 بالمئة وارتفاع أسعار الأسمدة وبعض المدخلات الفلاحية بـ60 بالمئة.
هذه الصدمة التي ارتفعت الأصوات لتحذر منها ومن الركود الذي يصيب الاقتصاد العالمي، باتت اليوم واقع ومعطى ضاغط يعيد ترتيب أولويات الدولة والحكومات ومدى قدرتها على التكيف السريع وامتصاص هذه الصدمات وتقليص اثرها على المستهلكين والسوق. وتونس، وإن كان الخطاب الرسمي يبتعد كليا عن الاشارة إلى انعكاسات الحرب الاقتصادية والمالية، إلا أنها اليوم معنية بشكل مباشر بارتفاع أسعار النفط والحبوب واضطراب سلاسل التوريد، وهي امام خيارات محدودة لا تتعلق فقط بإدارة الأزمة بل بتحديد من سيتحمل كلفتها، وكيف سيتم توزيع أعبائها بين الدولة والمجتمع.
هذه الأزمة الظرفية اليوم ستدفع السلطة التونسية إلى اتخاذ أحد الخيارين في علاقة بتحمل كلفة العبء المالي لارتفاع الأسعار، وهي اما أن تتحملها المالية العمومية أو أن ترحلها إلى المستهلكين كليا أو جزئيا. وهنا قد يكون العنصر المحدد لاتخاذ أي خيار هو تحديد أفق الحرب وأزمة الأسواق الناجمة عنها، أي قراءة المشهد المركب لمعرفة إن كنا أمام حرب قصيرة تنتهي بسرعة لتجعل من أزمة الأسواق صدمة ظرفية عابرة، بنهايتها تتراجع الأسعار، أم أمام حرب قد تستمر أسابيع أو أشهر تعيد رسم قواعد السوق العالمية للطاقة والغذاء.
إذ هنا، وبعيدا عن الخطاب الرسمي المتمسك بالدولة الاجتماعية ودورها في حماية الفئات الهشة ولعب دور الحامي الاجتماعي، فإن واقع المالية العمومية التونسية سيؤثر بشكل أو بآخر في قدرة الدولة على أن تتحمل هي العبء المالي والتكلفة. وأفضل سيناريو بالنسبة لها، أي للسلطة وللمالية العمومية، أن تنتهي الحرب في وقت سريع لا يتجاوز أسابيع محدودة. في هذا السيناريو، يمكن للحكومة أن تمتص الصدمة عبر أدوات من بينها اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، وهذا نظريا قد يكون خيارا مكلفا، أي أن تقترض بنسب فائدة مرتفعة في ظل المخاطر والتصنيف الائتماني لتونس وغياب اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يدفع الحكومة إلى إعادة توجيه نفقاتها المقررة في قانون المالية، أي سحب تمويلات واعتمادات مخصصة بالأساس للاستثمار وتوجيهها إلى نفقات الدعم لامتصاص الصدمة ومنع تأثر المستهلكين بها. وهذا خيار قد يكون الأقرب إن انتهت الحرب وغلق مضيق هرمز في مدى زمني قصير يمنح الحكومة هامش للتدخل ومعالجة الارتفاع الظرفي للأسعار دون تغيير عميق في سياساتها، أي أن تعيد الحكومة تحريك الاعتمادات لسد العجز وضمان تثبيت الأسعار، خاصة أسعار المحروقات والطاقة.
هذا الخيار ممكن، ولكن له ثمنه. الثمن الأول والمباشر هو تباطؤ الاستثمار، وهذه نتيجة حتمية لتوجيه نفقات الاستثمار العمومي إلى الدعم للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما قد تدافع عنه السلطة وتتحجج بأنه الخيار الأنسب. لكن هذا يظل رهين قدرة الدولة التونسية وماليتها العمومية على تحمل عبء مالي إضافي وعلى إدارة الاختلالات الهيكلية المالية العميقة ومنع انفجارها.
فالخطاب الاجتماعي الذي تقدمه السلطة مقيد بواقعها المالي والاقتصادي، الذي يعلم جزء واسع من التونسيين والفاعلين في السلطة ومراكز القرار بحجم أزمته وحدوده، التي قد نصلها سريعا إن واجهنا السيناريو الثاني، وهو امتداد الحرب لأسابيع وأشهر إضافية تنعكس على السوق الدولية باستقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة. فالخطر هنا ليس أن يفقد منطق امتصاص الصدمة نجاعته، بل أن تعجز المالية العمومية عن تحمل التكلفة دون مخاطر عالية.
مخاطر قد تجبر الحكومة والسلطة على تعديل سياساتها لتقاسم العبء وإعادة توزيع الكلفة، فالخطر هنا من استمرار الحرب لفترة أطول واستقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة هو ان حاجيات تمويل نفقات الدعم قد تنمو بنسبة تقترب من المئة بالمئة، وهو ما قد يضيق الخيارات امام اللسلطة التي تدرك حدود المالية العمومية وقدرتها على تحمل الكلفة والعبء المالي دون أن ينعكس ذلك على نسبة العجز والدين العمومي بطريقة غير معهودة نحتاج إلى سنوات للتعافي منها.
هنا قد تجد الحكومة نفسها مدفوعة اما إلى ترحيل كامل العبء او جزء منه على المواطنين من خلال الرفع التدريجي للأسعار وتقليص الدعم وهو ما قد يرفع نسبة التوتر في الشارع الذي يعاني من ارتفاع الأسعار واهتراء المقدرة الشرائية، توتر يمكن ان تحتويه السلطة وان تحوي المخاطر الممكنة عبر اصلاحات اجتماعية كبرى تجمع بين دعم موجه للفئات الهشة وتحرير تدريجي للأسعار مع المرافقة عبر سياسات تعويض (تحويلات نقدية، برامج حماية اجتماعية) لتتقاسم الكلفة.
خيار وإن كان نظريا هو الأسلم إن استمرت الحرب لأشهر، إلا أنه سيضع السلطة أمام أزمة تناقض الخطاب الذي وضعت فيه نفسها حينما سوقت للشارع خطاب يتجاهل حقيقة الوضع المالي الصعب ويحمل المسؤولية للآخر، وتجنبت مصارحته بواقع الامر ومحدودية هوامش المناورة. واقع يجعلها اليوم أمام خطر أن تدفع بسبب سياقات خارجية إلى أن تختار بين الكلفة الاجتماعية المباشرة أو الكلفة المالية، والتي وإن كانت مؤجلة إلا أنها باهظة وتمثل خطرا على المستقبل.
واقع وإن كان مخيفا اليوم، إلا أنه أيضا يمنحنا فرصة لفتح نقاش عمومي جدي عن الدولة الاجتماعية،
13:14
Yahya
وعن السياسات العمومية، وإدارة الأزمة الهيكلية، والخيارات المتاحة أمامنا كتونسيين لبناء مستقبل مشترك نساهم فيه جميعا.