مسرحية «في انتظار جودو» لـ صموئيل بيكيت، انتظار طويل لشخص سيأتي، أو يفترض أنه سيأتي، ليمنح اللحظة السياسية معناها ويمنح التشتت شكله الجامع. غير أن جودو لا يصل، وما يبقى هو الانتظار ذاته، الذي يخشى أن يتحول إلى نمط اشتغال لدى طيف واسع من الفاعلين في المشهد السياسي.
ما يبعث عن هذه الخشية هو ما يحمله لنا الحاضر و الماضي القريب، وما كشفه من ان البحث عن «وجه مجمع» هو هاجس لدى طيف واسع من الفاعلين السياسين في البلاد، الذين ورغم تعدد المبادرات بينهم و تكاثر اللقاءات و رفعهم لشعارات الوحدة، ظلوا يتقاسمون افتراض صامت وهو من سيكون “الوجه المجمّع”؟. أي من منهم هو أو هي الشخصية القادرة على اختزال التباينات، وإدارة التناقضات، ومنح المعارضة عنوانا واحدا وزخما سياسي، تراهن على ان يتحقق حينما يقع تنزيل المشروع الجامع من من الأعلى اي من اسم الزعيم(ة) أو القائد(ة) الذي سيمثل الرمز السياسي.
هنا الاشكال ، البحث عن الرمز قبل العقد السياسي، أي قبل البرنامج أو الأرضية المشتركة، اذ هكذا تحوّل الفعل السياسي في البلاد خلال السنوات الفارطة إلى حالة ترقب دائم، ونقاش مستمر حول من يكون الأقدر على تجميع الصفوف قدر الإمكان، من بين أسماء قديمة عبير موسي، نجيب الشابي، لطفي المرايحي، منذر الزنايدي، وغيرها من الأسماء التي طرحت كمرشحين محتملين للتجميع، سواء كأفراد أو عبر كياناتهم وأحزابهم، واليوم يعاد طرح التصور ذاته، ولكن بعبارات جديدة تسوق للبحث عن وجه جديد وإطار جديد يأمل ألا يعيد إنتاج أخطاء الماضي.
هنا يتضح تصور يقوم على الانتظار والبحث، وهو تصور يمنح انطباعا زائفا بالحركة في المشهد السياسي، مشاورات، اتصالات، نقاشات حول المشروع والهيكلة والأولويات وكيفية إدارة الخلافات. غير أن هذا الحراك الظاهري يخفي حقيقة مغايرة، وهي ترسيخ الانتظار عوضا عن الوقوف والتقييم ومراجعة الخيار.
هل من المجدي أن تراهن المعارضة على شخصية جامعة تحمّلها ما لا تحتمل، ثم تنقلب عليها حين تنكشف حدود قدرتها أمام تعقيدات المشهد السياسي، الم تتكرر هذه الدورة أكثر من مرة، عود بعدها إلى نقطة الصفر، وإلى رحلة بحث جديدة عن “المجمّع” المنتظر، وكأن الانتظار ذاته أصبح هاجس الفاعلين السياسيين و مبتغاهم الضمني، كما في النص المسرحي.
ففي المسرحية الانتظار هو البطل الفعلي، لا جودو. هناك، كان الانتظار عبثيا بلا أفق، لكنه منح العرض شرعيته الجمالية، إذ تحوّل الفراغ إلى معنى، وأعيد إنتاج القلق الإنساني في صورة حوار دائري لا يفضي إلى نتيجة. المسرح يحتمل هذا اللعب على الحافة، لأن قيمته في السؤال لا في الجواب، وفي الإيحاء لا في الحسم. لكن في السياسة، الأمر مختلف جذريا.
ففي السياسة، الزمن – أي الانتظار – مورد نادر، لا تقنية سردية ولا عنصرا جماليا، بل كلفة واقعية تتجلى في فراغ الفضاءات العمومية، وجمود الفعل السياسي، وتكلسه، بما يفقد السياسة والسياسيين قدرتهم على إنتاج أثر ملموس. حين يتحول الانتظار إلى نمط اشتغال، يصبح ترسيخا للعجز، ويتحول الفعل السياسي نفسه إلى عبء بدل أن يكون أداة تغيير.
هذا ما يخشى أن تقع فيه معارضة باتت مسكونة بهاجس “الوجه المجمّع”، تنفق أيامها وجهدها في انتظار يبدو أنه تحوّل إلى استراتيجية ضمنية لعملها، أو إلى الرهان الأسهل لتجاوز تعثرها في ترسيخ أرضية تنظيمية صلبة، وتحديد آليات قرار شفافة، وإرساء ثقة متبادلة بين مكوناتها. ذلك التعثر قد يكون هو ما يدفعها إلى المراهنة على لحظة مناسبة وشخص مناسب يعالج كل الإشكالات بعصا سحرية.
والحال أن الأزمة ليست في غياب وجه جامع، بل في غياب استعداد جماعي للقبول بقواعد اشتغال مشتركة، أو في الخشية من تحمّل الكلفة السياسية لهذا التقارب. لذلك يُبحث عن شخصية ذات رصيد رمزي لتكون الواجهة، في رهان غير معلن على تجميد المبادرة إلى حين ظهور عنصر خارجي يُحدث الرجة أو القطيعة المطلوبة.
في المسرحية لا يأتي جودو وفي الواقع لا نعلم ان كانت المعارضة قد تجد بطلها الجامع وان كانت في حاجة إليه ولانتظاره أصلا