ترامب وتراجع الامبراطورية الأمريكية

يبدو أن عنواننا يتضمن مفارقة غريبة اذ كيف نربط

بين ترامب الذي يعبّر اليوم بشكل فجّ على الهيمنة الأمريكية على العالم (الحلفاء والخصوم على حدّ سواء) وبين التراجع الأمريكي؟!

ثم لِمَ الحديث عن «التراجع» بدلا من المفهوم المتداول في عدة أدبيات سياسية «الانهيار»؟ وهل الامبراطورية الأمريكية مهددة بالانهيار في يوم ما أم فقط بالتراجع؟

لنبدأ من هذا التساؤل الثاني لأن الاجابة عنه ستعيننا على بسط عناصر المفارقة المشار إليها سابقا.

كل امبراطوريات العصور القديمة وبعض امبراطوريات العصر الحديث شهدت مراحل ثلاث: الصعود فالذروة ثم الانهيار ولم تتمكن هذه الامبراطوريات من المحافظة على الحدّ الأدنى من القوة التي تضمن لها شروط الديمومة بدأ بامبراطوريات بلباد الرافدين والفراعنة والفرس والرومان، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق بالكامل على بعض الامبراطوريات في العصور الحديثة..

لا شك أن امبراطوريات مثل البرتغال واسبانيا والخلافة العثمانية قد انهارت بصفة شبه كلية بعد هيمنتها على أجزاء هامة من المعمورة، ولكن امبراطوريات أخرى تراجع نفوذها دون أن تنهار بالكامل ومثال ذلك بريطانيا وفرنسا الذين كادا أن يقتسما العالم كليا ثم تراجع نفوذهما تدريجيا بداية من الحرب العالمية الأولى ولكنهما لم ينهارا بل انتقلا من وضع القوة العظمى الى قوى متوسطة لم تفقد تماما وزنها في التوازنات الدولية الراهنة، ونفس الأمر يقال عن الاتحاد السفياتي الذي كان القوة العالمية الثانية على امتداد نصف قرن ثم تفكك ووهن ولكنه استعاد شيئا من قوته عند وريثه الأساسي روسيا كما أن هنالك تجربة فريدة في العالم وهي الصين التي كانت الى حدود بداية القرن التاسع عشر القوة الاقتصادية الأولى في العالم من حيث حجم ناتجها الداخلي الخام ثم انهارت وتم استعمارها من قبل الامبراطوريات الصاعدة كبريطانيا العظمى واليابان ولكنها لم تندثر كلية وعادت منذ عقود الى ركح العالم وأضحت اليوم بلا منازع القوة العالمية الثانية اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا كما أنها قوة عسكرية لا يستهان بها.

كل هذا يجعلنا لا نطمئن بالمرة الى مفهوم الانهيار (L’effondrement) فيما يتعلق بمصير الامبراطورية الأمريكية على الأقل على مدى العقود القادمة ولكن الملاحط منذ مطلع هذا القرت هو التراجع النسبي لأمريكا لا لكونها ضعفت اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا وعسكريا بل العكس هو الحاصل ولكن بمفعول صعود قوى جديدة على ركح الساحة الدولية بنسق أرفع وباتساع أكبر كذلك ونحن هنا لا نتحدث فقط على الصين ولكن على كل القوى الاقليمية الصاعدة في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية وجلّ هذه القوى ( التي تسمى اليوم بالجنوب الكلي (Le Sud Global) لا تعترف بالريادة الأمريكية وتريد منافسة الدول الغربية الكبرى والمتوسطة في كل شيء: تجاريا وصناعيا وعلميا وتكنولوجيا وعسكريا أيضا.. هذا العالم متعدد الأقطاب والذي لا تمثل فيه كل الدول الغربية سوى العشر ديمغرافيا هو الذي دشن موضوعيا مرحلة التراجع النسبي للامبراطورية الأمريكية والهام للدول الكبرى الأوروبية.

قوة الامبراطورية الأمريكية تتأتى من معطيات شتى ولعل من أهمها اليوم هو محورية عملتها (الدولار) في الحركة الاقتصادية والمالية العالمية فرغم كونها أقل من سدس التجارة العالمية الا أن الدولار يمثل حوالي 60 ٪ من المبادلات المالية العالمية ونفس النسبة من مخزون العملة في كل دول العالم وبعده يأتي اليورو بحوالي 20 ٪.

ورغم كل محاولات دول الجنوب الكلي وعلى رأسها الصين للحد من هذه الهيمنة الغربية ولدفع التبادل بعملات دول الجنوب لكن التفوق الغربي عامة والأمريكي خاصة بقي في نفس المستوى في هذا الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

هنالك تراجع نسبي بحكم التقدم اللافت للأقطاب الجديدة ولكن هذا التراجع لم يتحول بعد الى بداية الانهيار.

كنا أشرنا في مناسبات سابقة الى الدراسة التي قامت بها قلدمان ساكس (Goldman Sachs) في ديسمبر 2022 حول الأوزان الاقتصادية لدول العالم في أفق 2075. وملخص هذه الدراسة هو الصعود المستمر لاقتصاديات دول الجنوب على حساب الدول الغربية.

ويكفي هنا أن نقارن بين ترتيب الدول العشرة الأولى ما بين سنتي 2022 و2075 انرى حجم التحول الهائل في مشهد العالم.

ففي سنة 2022 الترتيب هو كالتالي: الولايات المتحدة - الصين - اليابان - ألمانيا - الهند - بريطانيا - فرنسا - الكندا - روسيا - ايطاليا...

أما وفق تقديرات سنة 2075 فسيكون الترتيب على النحو التالي: الصين - الهند - الولايات المتحدة - اندونيسيا - نيجيريا - الباكستان - مصر - البرازيل - ألمانيا - بريطانيا..

ووفق نفس هذه التوقعات سيكون الناتج الاجمالي المحلي لثالوث الطليعة بالتريليون دولاتر: 57 للصين و 52٫5 للهند و51٫5 للولايات المتحدة ولكن الصين ستمثل حينها أكثر من ثلاثة أضعاف سكان الولايات المتحدة والهند أكثر من أربعة أضعاف، أي أن الرفاه الاقتصادي ومستوى دخل الفرد سيكون بعد حوالي نصف قرن أرفع بكثير في الدول الغربية وفي بعض الدول الثرية منه في الأقطاب الكبرى للجنوب الكلي...

فلو أخذنا الناتج المحلي بالنسبة للفرد الواحد سيكون ترتيب الدول الكبرى وفق تقديرات قلدمان ساكس لسنة 2075 وفق التالي باحتساب الألف دولار: الولايات المتحدة (132٫2) - العربية السعودية (120٫6) - استراليا (119٫4) - ألمانيا (111٫6) - بريطانيا (106٫6) - فرنسا (102٫8) - كوريا الجنوبية (101٫8) - ايطاليا (88٫0) - اليابان (87٫6).

أما مستوى دخل الفرد في الصين فسيكون 55٫4 وفي الهند 31٫3.

وهذا ما يسمح لنا بتنسيب الصورة الأولى فهنالك فعلا صعودا قويا لدول الجنوب ولكن الرفاهية الفردية والجماعية مازالت هند الدول الغربية في الأغلب الأعم.

نحن ولا شك أمام توقعات نمطية لا تأخذ بعين الاعتبار الانكسارات التي يمكن أن تحصل خلال العقود القادمة ولكنها تفيدنا مع ذلك بشيء هام: صعود هام لاقتصاديات الجنوب على مستوى الدول مع بقاء دول الشمال في مستوى رفاهية فردية وجماعية كبيرة وبالتالي يكون الحديث عن انهيار الغرب في المستوى المنظور غير دقيق بالمرة...نحن أمام تراجع نسبي يتعاظم ولا شكّ ولكن التحول النوعي بين الشمال والجنوب قد يكون خلال القرن القادم لا هذا القرن على الأرجح.

ومع هذا تثير كل الدراسات الجدية منذ أكثر من عقدين أن صناع القرار الأمريكي يخشون حصول هذا التراجع النسبي وهذا الصعود للأقطاب الجديدة لا باعتبار التطور الخطي الذي أشرنا إليه آنفا ولكن لاحتمال قيام تحالفات واسعة وقوية لدول الجنوب، تحالفات من شأنها أن تعجل بحصول التحول النوعي بين الشمال والجنوب وذلك عبر حروب غير كلاسيكية أهمها على الإطلاق حرب العملة وحرب التكنولوجيا وحرب الذكاء الاصطناعي وكل سياسات أمريكا منذ بداية هذا القرن تهدف إلى شنّ حروب مضادة والى إفشال كل تقارب استراتيجي بين أهم دول الجنوب، وما محاولات ترامب منذ البداية بالتودد النسبي لروسيا ولبوتين إلا سعيا لإبعاد موسكو من الارتماء النهائي في أحضان بيكين...ثمّ إن العقول الإستراتيجية التي تقف وراء ترامب تعتقد أن الاستعداد المطلق الأوروبي لروسيا هو خطأ فادح وخطر استراتيجي يهدد الهيمنة الأمريكية لأنه سيدفع حتما إلى تحالف مضرّ بالمصالح الآنية والمستقبلية للولايات المتحدة ويبدو أن الاعتقاد أمريكيا بأن أوروبا أضحت عبئا على أمريكا هو المهيمن الآن في الأوساط الحاكمة في واشنطن.

إن إظهار منطق القوة الغاشمة وشعار «أمريكا أوّلا» إنما ينطلقان من هذه الخشية الإستراتيجية لمحاصرة الأقطاب الصاعدة في الجنوب للهيمنة الأمريكية على كل مستوياتها وهذا ما قد يكون مفعوله عكسيا بتسريع التحالفات جنوب جنوب وخاصة، على المدى المتوسط، بتفكيك التحالفات الكلاسيكية بين أمريكا وأوروبا ككتلة واحدة.

لسنا ندري اليوم بالضبط مآلات ومستقبل سياسة ترامب وقدرتها على الاستدامة أمريكيا إلا أنها اليوم تستمر في عزل أمريكا لا فقط عن خصومها وأعدائها- فهذا حاصل- ولكن حتى عن حلفائها التقليديين، وهذا العزل – رغم مظاهر القوة- لن يوقف حتما التراجع بل قد يسرّع في وتيرته

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115