تظاهرة سوسة جوهرة الشعر: «هبلة» فنية فهنا نحن نحيا كما نحن نشاء


«أيها المارون بين الكلمات العابرة، منكم السيف ومنا دمنا، منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا، منكم قنبلة الغاز ومنا المطر، وعلينا ما عليكم من سماء وهواء، فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا، وعلينا ، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء وعلينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء” على صوت درويش وكلماته من قصيد “ايها المارون”

وفي مكان تاريخي مميز هو متحف سوسة كان الموعد مع القصيد في تظاهرة بعنوان “سوسة جوهرة الشعر».

سوسة جوهرة الشعر تظاهرة احتفت بالقصيد بطريقة مخالفة، فالشعر في المتحف كان اجمل لأنه اتحد مع جل الفنون اذ سانده الرقص والمسرح والموسيقى لتكون التظاهرة متكاملة قدمت الشعر بطريقة جديدة، ونظمت التظاهرة المندوبية الجهوية للثقافة بسوسة بالشراكة مع فرع الاتحاد الكتاب سوسة وصالون الزوراء الأدبي ونادي الابداع الأدبي، تظاهرة قرأ فيها كل من يوسف رزوقة وآسيا الشارني وفرج عمر الازرق وسامية العين وأشرف القرقني وسالم الشرفي وفاطمة كرومة والشاعران بلقاسم عبد اللطيف ونجيب الذيبي مع مرافقة موسيقية لعازف الكلارينات خيري ديدش والكمان مهدي تفيفحة ورسم توفيق الفرجاني و اخراج الصادق عمار.

هنا حضر موت...الشعر والجمال
في فضاء المتحف الاثري بسوسة بين الحجارة والفسيفساء الناطقة بتاريخ «حضر موت» كان اللقاء مع عالم القافية والرويّ، اخراج جد مختلفا عما عهده جمهور الشعر في تونس، داخل المتحف انتفت الصورة التقليدية للقراءة الشعرية وصحبتها في تظاهرة سوسة جوهرة الشعر الموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية لاخراج الشعر والقراءات الشعرية من النمطية المقلقة.

يستقبل الزوار تماثيل بشرية تبدو وكانها حقيقية لحد التساؤل «اين كانت هذه التماثيل لم ارها وقد زرت المتحف قبلا»وفي الحقيقة «بالي» جلال دومة بعضهم أوكلت له مهمة تقليد التماثيل في اللباس والحركة حد التماهي مع التمثال الجامد وان كانت شرايينه تخفق حياة وحبورا.

في سوسة جوهرة الشعر كان الوطن تونس هو رمز اللقاء فكل الشعراء قرأوا لتونس الحب والحياة، تونس الوطن الصغير الذي يريدونه خاليا من الارهاب والعنف وكل القصائد تقريبا نادت بالسلم والسلام وتغنت بالمرأة التونسية المثابرة.
في متحف سوسة اخرج العرض الشعري ليشد انتباه المتفرج فلا تعرف من اين يقرأ الشاعر، هاهو فوق المدارج وآخر الى جانب الشبابيك المطلة على البحر وثالث توسط الركح وقرأ ورقص مع الراقصين ورابعة تربعت وسط الجمهور، في جوهرة الشعر لكل شاعر طريقته ومكانه المختلف عن الاخر لإثراء المكان وإمتاع المتفرج.

البداية كانت مع امرأة تونسية عشقت الحرف وكتب عدة قصائد الشاعرة اسيا الشارني افتتحت التظاهرة بقصيد عن الوطن وامام موسيقى كمنجة مهدي تفيفحة الهادئة ونسمات الرياح الخفيفة قرأت الشارني:

من جنان العمر سلت وتحدّرت، في جرابي حيرة وامكنة
منذ مجيئي وانا امرأة بالأزاهير تبسط روحها
تحيي قوافل العجز المدججة بالرّحيل
انا لست راحلة، ربما قدري داكن جدا
ما انا الا مدّاحة الماء انتهي مطرا على القلوب وربما انتهي جيشا يردّ العاديات
انا التراب اهديك نصفي الذي اسميه البلد، مبارك عليك هذا النصف الجسد
مبارك عليك هذا التراب الذي اسميه البلد...

لتونس ايضا قرأ عمر فرج و الشاعر الشعبي نجيب الذيبي والشاعر المصري احمد عبد الحليم موسى فالتراب والوطن وتونس حضروا في تظاهرة سوسة جوهرة الشعر وحيوا الوطن بالقافية والروي والكلمة المميزة والمؤثرة كلمات كنصال السيوف أحيانا.

مهدي تفيفحة وخيري دودش مبدعان مميزان

هي شدو الحياة ولغة الانسانية لغتها مفهومة ولا تستحق ترجمة ، لغة عالمية وانسانية، انسيابية تغمرك لتشعر انك بخير وانك اكثر جمالا، موسيقى الكمنجة للمبدع مهدي تفيفحة زادت التظاهرة بهاء، مهدي تفيفحة عازف كمنجة من مدينة سوسة عازف له سحره الخاص وطريقته المميزة في العزف.

لأنامله وقع رذاذ المطر على زهرة تكاد تموت عطشا، لعزفه سر وخصوصية، مهدي تفيفحة ساحر الكمان كما يسمونه في سوسة هو اصيل مدينة سوسة متحصل على الاستاذية في الموسيقى و العلوم الموسيقية ويزاول دراسته كطالب سنة أولى ماجستير في الموسيقى والعلوم الموسيقية في المعهد العالي للموسيقى بسوسة ومتحصل على ديبلوم موسيقى عربية، منذ النعومة انطلق شغفه بالموسيقى فمعانقته للكمان يبدو كعناق طفل صغير للعبة يعشقها لتكون النغمات اجمل واكثر سحرا، ثم كان مع فرقة ارابسك مع الفنان الطاهر القيزاني منذ سن الرابعة عشرة تقريبا الى الان ومهدي تفيفحة أيضا تلميذ فتحي بوسنينة ورياض بن عمر وابراهيم الحناشي، عازف موسيقاه متميزة أثبت في كل العروض التي شارك بها انه يسير على خطى الفنانين العالميين وهو المغرم بالعازف الالماني David Gerette، عرض جوهرة الشعر محطة في مسيرة مهدي تفيفحة فهو الذي امتع الجمهور في عرض تميورث بموسيقاه الساحرة التي أخجلت القمر وهو الذي استمتع بعزفه من حضر عروض « ابيض واسود بالالوان» و «كلمة واحدة» والعرض المميز الاخير في مهرجان سوسة الدولي «طرباند» وللاشارة فللعازف العديد من المشاركات خارج تونس وعلى سبيل الذكر المغرب وبوخاريست والجزائر ورومانيا، مهدي تفيفحة احد اعضاء مجموعة « ALIANZA التي يسعون من خلالها الى توحيد موسيقات العالم اثبت انه مبدع تونسي مختلف يسير بخطى حثيثة لترك بصمته في عالم المعشوقة الكمنجة.

في متحف سوسة امتع مهدي تفيفحة جمهوره وأمام عشاق الكلمة كانت المزاوجة الجميلة بين نغمات الة الكلارينات والكمان، موسيقى خيري ديدش ومهدي تفيفحة كانت مميزة، عازف الكلارينات كان عزفه ساحرا أمام صمت الكل عزف «موطني» عزف وقف له الجميع احتراما لهيبة الالة وهيبة النشيد، خيري دودش هو الاخر وبعزفه الفريد على الكلارينات والساكسوفون كتب أسطرا من الجمال والحب في تظاهرة سوسة عاصمة الشعر واكد ان تونس حقا ولادة ففي كل ركن هناك مبدع ينتظر الفرصة ليحلق بالجميع في عالم سرمدي جميل، مبدع حين تسنح له الفرصة يقدم اجمل الموسيقات والنغمات.

امام عشاق الكلمة وامام قصائد تغنت بالوطن وبالمرأة والحب ابدع العازفان مهدي تفيفحة وخيري دودش ليقدما خير انموذج عن العازف التونسي الحالم بموسيقى مغايرة وطريقة عزف مختلفة.

للغة الجسد تفردها
تحركت الاجساد واختلفت الحركات والرسائل، تباينت الرقصات وطريقة الاداء ضمن فعاليات الدورة الاولى لتظاهرة سوسة جوهرة الشعر كان للغة الجسد حضورها، «بالي» جلال دومة و«بالي» رضا رزيق صنعا المتعة وقدما مجموعة من اللوحات توزعت على كامل الفضاء فاينما ولّيت وجهك وجدت راقصا او راقصة يؤدي رقصته متماهيا مع الكلمات والموسيقى.

في متحف سوسة تحدت الاجساد الفضاء وحطمت صمت الحجارة للتغنى بالجسد بلغته الصامته ورسائله المشفرة، اكثر من عشرين راقصا امتعوا الحضور وكتبوا بأجسادهم اجمل اللوحات ، لوحات تتغنى بالسلم والحياة، لكل قصيدة لوحة خاصة بها رقصات عصرية على ايقاعات الطبلة ورقصات على موسيقى الكمان والساكسوفون، رقصات تحدت صمت المكان وأضفت الفرجة على الدورة الاولى لتظاهرة سوسة عاصمة الشعر.

في سوسة عاصمة الشعر توفرت كل عوالم الفرجة منذ المدخل وطريقة تزيين الطاولات بالشموع والحرام التونسي وكيفية توزيع الكراسي ليبدو الفضاء حميميا مميزا ومن معالم الجمال الفنون التشكيلية فللقصيد وقعه على الروح وللكلمة سطوتها على النفس عبر عنها الفنان توفيق الفرجاوي بالرسم وبالوان رسم بالمقلوب لوحتان جميلتان جسدتا كل ماقيل في السهرة الشعرية بالالوان رسم توفيق الفرجاوي الوطن بخضرته وسمائه الزرقاء وبعض سواد يخيم على اللوحة ورسم الفرحة عبر الوان زاهية واشكال متباينة، توفيق الفرجاوي تونسي ابدع في اختزال العديد من القصائد واللوحات الراقصة والنوتات الموسيقية باللون على لوحة كبيرة ستحفظ كل جزئيات التظاهرة.

تظاهرة سوسة جوهرة الشعر في دورتها الاولى «هبلة فنية» اخرجت الشعر من روتينيته تظاهرة يمكن ان تكون اجمل بمراجعة بعض الجزئيات خاصة اللوحات الراقصة لان المتفرج لم يشاهدها كلها لتشتت الراقصين ففي اللوحة ذاتها يوجد اكثر من راقص في عدة فضاءات مختلفة، كما يمكن مراجعة بعض الاسماء المقترحة لتتحقق المتعة وتكون سوسة عاصمة للشعر فعلا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا