اختتام ليالي المتحف بسوسة.. «فلاقة» نصر الدين الشبلي: حين تدق طبول الحياة بأياد تونسية

اختتمت الدورة الخامسة من ليالي المتحف بسوسة، اختتام جد مختلف عماده الة الطبلة واغاني الذاكرة وحديث الشجن بالموسيقى عمن قدموا دماءهم فداء لهذا الوطن لتكون تونس حرة، في متحف سوسة كانت الطبلة سيدة المكان امام قوتها وجبروتها صمتت كل الالات تماما كصمت الجبناء امام دماء الشهداء.

في اختتام ليالي المتحف وامام جمهور غفير التقى عشاق الحياة بعرض «فلاقة» لصاحبه نصر الدين الشبلي، فلاقة عرض تونسي يغوص في التراث قدمه مخرجه في صورة جد مميزة، ابهرت الجمهور وانعشته باغاني الاجداد.

الموسيقى ذاكرة حية ابدا
احتفى نصر الدين الشبلي بالطبلة والفلاقة بطريقة مميزة، بالأغاني التونسية التي تخلد لشهداء الوطن تغنت الة الطبلة بالدماء الطاهرة والأرواح الثائرة الرافضة للظلم والجبروت.
«الخمسة اللي لحقوا بالجرة ملك الموت يراجي» تلك الاغنية التي تتحدث عن القائد والشهيد محمد علي الدغباجي له ولرفاقه كانت التحية من ابن تونس العاشق للموسيقى ولآلة الطبلة التي كرّمها لتكون سيدة المقام .
صوت الموج يعاند الطبلة، في فضاء جد جميل، بين اسوار متحف سوسة اين تحفظ ذاكرة المكان والتاريخ هناك حيث اتحدت النغمات الثائرة مع موسيقى الطبيعة وصوت الموج وصمت الحجارة كانت المتعة.
يتقدم نصر الدين الشبلي الى الركح يحمل الطبل الكبير يلبسه كفارس يلبس سلاحه وبإشارات يديه تبدأ المجموعة الموسيقية في النقر على الطبول فتتمازج الاصوات وتختلط وكأنها تصرخ باسم الحرية وتخلّد لأسماء شهداء تونس.
«فلاقة» عرض تونسي لشاب تونسي اختار الايقاع اختصاصا ، اشتغل على الفن الشعبي التونسي وانكب على الذاكرة الشعبية لتقديمها حتى لا تندثر وحتى لا تنسى، عمل على موروث تونسي ومن خلاله قدم عرضا مميزا استطاع من خلاله افتكاك التانيت البرنزي في ايام قرطاج الموسيقية ليؤكد ان الفن التونسي والكلمة التونسية تشد الانتباه وتقنع الاذن موسيقيا وفلاقة رمز للموسيقى المميزة.

على الركح يتوزع العازفون بطريقة مميزة هم كالجند امام قائدهم، في الصف الاول عازفو الطبلة والدربوكة وهما الآلات الأساسية في العرض وفي الصف الثاني عازفي الالات الالكترونية والات النفخ، البداية كانت مع مقطوعة لدقائق مع الطبلة فقط، يحرك نصر الدين الالات والنغمات كما يريد بيمناه يرسم اشارات وكانها الشيفرات السرية التي يعتمدها الفلاقة في تنقلاتهم، نقرات البندير كانت كاصوات من سكنوا الجبل للدفاع عن تونس.

البداية كانت مع اغنية «فلق يا فلاق» اغنية تتحدث عمن صعدوا الجبل لافتداء الوطن «فلق يا فلاق يا طالع الجبال، نادي يا رفاق ماني براني، نا فلاق زماني، صوّب عليّ خاينا، صوّب عليّ سارقنا»، اغنية تكون فيها موسيقى الطبلة كصوت الرصاص ورائحة البارود.

ثم مجموعة من الاغاني منها «عيني رات خيال» وصياد صيودة» والخمسة اللي لحقوا بالجرة» وجميعها تتغنى بالشهادة لباجل الموت، اغان تعدد خصال الفلاق وتتغنى بجرأته كما جرأة نصر الدين الشبلي الذي عول على الطبلة في عرضه وجعلها سيدة المكان والعرض وكسبت الرهان لتبدو اجمل وتبدو كفارسة تعاند الموت. ولجمهور سوسة اهدى نصر الدين الشبلي اغنية «ام الزين الجمالية» وهي اغنية من تراث الجهة عمل عليها ليلة العرض فقط كهدية لمن يسكونون ضيوف الفلاقة.

فلاقة تجربة مخالفة تستحق الدعم
«فلاقة» لنصر الدين الشبلي، ليس مجرد عرض فرجوي بل مشروع عمل عليه استاذ العلوم الموسيقية صحبة اربعين عنصرا ومجموعة من الفنانين لنبش الغبار عن جزء من الموروث التونسي وتقديمه الى الجمهور.
فلاقة دامت مدة الاشتغال عليه اربعة اعوام قبل تقديمه ضمن فعاليات ايام قرطاج الموسيقية، ثم المراهنة عليه في الاحتفال بعيد الجمهورية ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي ثم عرض في مهرجان الحمامات الدولي قبل عرض اختتام ليالي متحف سوسة.
«فلاقة « وهو عرض موسيقي فرجوي يدوم ساعة وأربعين دقيقة، يضم حوالي أربعين عنصرا من عازفين ومؤدّين وراقصن وممثلين من خيرة الطاقات بالبلاد التونسية. يسعى من خلال هذا المشروع الفنّي إلى إحياء الذاكرة الشعبية والمحافظة على الموروث الموسيقي التونسي بأغان وإيقاعات تخاطب أحاسيس المتلقّي وتوقظ فيه مشاعر الفرحة وتحثه على الدّفاع عن ثقافته والتشبث بها وذلك باستعمال تقنيات مسرحيّة وركحية تخدم عوامل الفرجة الحية.

فلاقة مشروع قام اساسا على البحث في الموروث التونسي واشار نصر الدين الشبلي انه لازال يبحث في التراث فلكل جهة خصوصياتها ولكل الة مميزاتها ولاتزال رحلة البحث متواصلة لتقديم جزء من اغاني المنسيين وكشف الغبار عن ذاكرة تآكلت.
«فلاقة» في سوسة لم يقدم كما في قرطاج والحمامات لعدة اسباب تقنية، عن العرض غابت projection للشريط القصير الذي يصور نصر الدين والفلاق، ايضا صور الممثل الذي جسد دور الفلاق مع اغنية «عيني رات خيال» والسبب تقني ومادي لان ادراة المهرجان لم تستطع توفير écran LCD ليكون العرض كاملا، كما غابت الرقصات الكوريغرافية عن العرض لان الركح في متحف سوسة جد صغيرا، ورغم ذلك تفاعل الجمهور مع العرض واستمتع بسحر الاغاني التراثية وسحر المكان.

فلاقة انموذج عن العروض التونسية المميزة وعينة عن ابداع الشباب التونسي الذي اخذ على عاتقه مهمة الصعود بالاغنية التونسية والتراثية خاصة وتقديمها الى الاخر كما هي ، شبوب امن بالموسيقى التونسية وانكب على البحث في خصوصياتها ليقدم عروضا بمواصفات دولية اساسها التراث والاشتغال على الكلمة التونسية.

نصر الدين الشبلي بعرض فلاقة ونضال اليحياوي بعرض حلفاوين شعبي وفاخر حكيمة بعرض ساكسوفانز ومشروع برقو08 اختلفت فيهم الالات المستعملة ولكن جميعهم اشتركوا في الحلم ان يكون للتراث التونسي مكانته وقدرته على منافسة اللبنانيين والمصريين والغرب أيضا هم شباب امن بتونس وتراثها وقدموا عروض مميزة تستحق الدعم اكثر، وتستحق ان تقدم كاملة في كل المناطق لتصل رسالة للفنان ولا يضيع جهده وتعبه فليس كل التونسيين قادرين على مواكبة عروض مهرجان قرطاج او الحمامات ومن حق المتفرج ومن حق نصر الدين الشبلي ان يلتقي المتفرج في تونس بالعرض كما قدمه صاحبه اول مرة.
«فلاقة» لنصر الدين الشبلي ثورة موسيقية قوامها الة الطبلة والالات الايقاعية هي صرخة ليلتفت كبار المسؤولين الى شباب تونسي مبدع يصنع مجده بالموسيقى.

.ليالي المتحف تظاهرة فريدة جمهورها مميز
اختتمت الدورة الخامسة لتظاهرة ليالي المتحف بسوسة، تظاهرة هدفها الاساسي اضفاء لمسة فنية واحياء المتحف من صمته حتى لا يكون مجرد حجارة او فضاء تاريخ لا حياة فيه، ليالي المتحف تسمح للمتفرج باكتشاف فضاء جديد ومعرفة جزئياته وتاريخه وتفاصيله مع الاستمتاع بعروض فنية خاصة.

الدورة الخامسة كانت مميزة افتتحت بعطور محمد علي كمون اين فاحت عطور الجنوب التونسي وعطور الشمال في انتظار اكتمال شذى بقية العطور والاختتام كان مع «فلاقة» نصر الدين الشبلي عرض او مخبر عمل فيه صاحبه على الطبلة واغانيس التراث وبينها كان للجمهورلا لقاء مع مجموعة من العروض المميزة منها على سبيل الذكر كلثوميات سنية بن عبد الله تلك الفنانة التونسية صاحبة الصوت الجهوري الجميل امتعت الجمهور بعرض رحل بهم الى زمن جميل لحنه ساحر وكلمته اروع، سنية بن عبد الله غنت عدة اغان لام كلثوم وامتعت جمهورها.

ومن العروض المميزة في ليالي المتحف حفل سفيان الزايدي الذي اطرب الحضور باغاني الهادي الجويني وعلي الرياحي وقدم مجموعة من الاغني التونسية الحلوة كلمة ولحنا، كما قدم اغنيته الجديدة « بنيةسي حمودة» من كلمات والحان الفنان محمد الجبالي، سفيان الزايدي حقق نجاح جماهيري في قصر هلال وكذلك في سوسة، فنان يقدم الاغنية التونسية وكسب ثقة جمهوره لصدقه في الاداء.
ليالي المتحف تظاهرة فريدة اغلب جمهورها من العائلات وكذلك العروض الخاصة، تظاهرة تستحق مزيدا من الدعم لانها الاكثر نجاحا جماهيريا واعلاميا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا