أرشاق بـكاء البنية التونسية خوْفا على القَمرِ منَ الرّياحِ واُلْـمطَرِ (الدّاهِشُ واُلْـمُدْهِشُ وثقافَة «اُلْدّهْشُو - سيدْيا» / قتل اُلْدّهَشَة...)

• اشارة من جونيفار ماكيل هيكت :
« بوسع الحبّ أن يبدّل الموقف العَقْلي لإنسان ما من العَالم, يمكن أن تُؤدي ولادة طفل إلى مَشاعِر دينيّة استثنائية ليس لأنّها أمْرٌ حسنٌ فحسبْ بل لأنها ليْست مَفْهومة أيضا . من أين أتى هذا الكائن البشري ُالْـمُــنَــمْنَــمْ؟ تقْنيا صَنعناه بما يُساوي تِسْعة شهور من

الخبز(...) والسّلْطَةِ وشرائح لحْــم الخَروف ..» هكذا ورد الأمر «كتاب تاريخ الشك»
• اشارة مَرحة من البار انشتاين :
« استمعوا إذن إلى نسائكم الطيّبات الحَذرات والوَطنيات أيضا, تذكروا أن «الكابيتول» عاصمة السيطرة الرومانية كان قد أنقذتها قَوْقأة اوزاتها الوفية ذات يوم . «كهذا ورد في كتاب « العالم كما أراه».

(1)

للحبّ تاريخ , نِسابة طويلة المدى, ضاربةٌ هيّ جذُورها في المجهولِ البشري كما هو الشأن بالنسبة للصداقة والعُنف . كما «للحماقة» والغَباء «والبَغاء» تاريخ وتاريخٌ «مقدّس» إذ كل «شيء قابل للتّبْجيل والتّقديس» كما يقول علماء اجتماع الأديان. قال الكاتب التركي أرهان باموق في حوار معه بعنوان «تدفعنا الشياطين», قال «عندما قرأت فوكنر (..) انتابني التيه كما لو أني عثرت على نص مقدس» ورد ت الحكاية في كتاب «بيت حافل بالمجانين» ترجمه أحمد شافعي. الأضداد تتنادى,ويلتقي «الايمان». و«الكُفران» في «الذات الواحدة». دون أن يدعو ذلك عموم العقول الغافلة إلى الدهْشَة و فعلا « قليلة هي العقول القادرة على سحر جيل كامل بالروعة والمزاج الرّهيف وان تضع أمامه المرآة من خلال وسيلة مبهمة ألا وهي الفن» هكذا قال ألبار انشتاين في تحيّة منه الى العظيم برنار شو.

(2)
يبدو لي, نعم هكذا يبدو لي دون «اعتقاد جازم» أو «عقيدة نافية» لسواها من العقائد أو هي مُتَجاهلة لأي اُحتمال من الإحتمالات أنّ كل مانعيشُ في حَاضِرِ حَضَارَةِ «الإنسان المرَقمن» و«اُلْـمُترنَتِ» و«المجوْجَل» إنْ محليّا أو كَوْنيّا يدعونا, كل حادث وحديث ومُستحدث بكل إلْـحاحٍ نحنُ البشر الى «الحيرة» و«الشكّ» و«التّساؤل» و«الدّهْشَة» و«محاورَة» كل منْ ومَا في الكَوْنِ و الأكوان في زمن ازداد فيه تمزّق هذا «الكائن الذي لا تحتمل خفّته» والـمُمَزّقِ فعلا هو أصْلا في أصل نطفة طين كينونته ممزق هو الإنسان بين المرئي واللاّمرئي بين السمائي والأرضي , بين الملائكي والشيطاني... ومع ذلك يبدو أننا فقدنا المقدرة والكفاءة على الإنْدهاش والإدْهاش فتناسلت الذهنيات الوثوقية و المواقف الدغمائية من الذات ومن الآخر ومن الممكن والمستحيل, الى الحد الذي باتت معه الثقافات الكبرى في العالم , ثقافات تنافي و «تعَانُــف» وليست ثقافات تعاقد عاطفي

و «تعانق» والأغرب والأدْهى والأنكى أن «العنف النّظري» الـمُمَهّد لكل أشكال العنف الأخرى إنّـما يصدُر عن «عقول مُفكرة», «مُتدبرة» و«نيّرة - مستنيرة» في أغلب الأحيان ويكفى أن نطّلع فقط على سبيل المثال على ما جادت به المطابع الفرنسية منذ جانفي2016 كما كتاب ايماويل طود:

«سوسيولوجبا أزمة دينية: من هي شارلي ؟» أو كتاب رفائيل ليوجييي «أسطورة الأسْلَمة» لنُدْرك دون ذكاء فائق الرّهافة مدى تقهقر وانحطاط «العقل» في «استعمالاته» المصلحيّة ضيّقة الأفق ... المبنية إن سرا أو علنا على تمجيد مرضي للذات الحضارية وتبخيس مُـجْحف في حقّ الآخر الحضاري كما لو أنه توجد «حضارة صافية» و«ديانة صافية» و«هوية صافية» وليست وليدة «سيمياء» أخلاط «وكيمياء تفاعلية» بين الذوات.

« تهجين « طويل وحوار تـِجاري ولغوي وحربي أيضا بين شعوب المسكونة الكونية . لقد ورد في الفقرة الأخيرة من كتاب « منابع الذات: تكوّن الهوية الحديثة «لشارل تايلر»:

« الأمل أراه - كما يقول - مُتضمنا في المذهب التوحيدي اليهودي- المسيحي ...» كما لو أن ليس للإنسانية في آمالها وآلامها تاريخ مشتركا وان ثمة في الحاضر الحضاري من يريد باسم شكل ما من أشكال «التديّن», ثمة من يريد « تحيين الجنّة » على الأرض

«الآن وهنا» بنَفي كلي لمن «لا يعتقد» مثل «عقيدته» ولا يتـَمَذْهب بمذهبه .. وزَهد غفلة باُسم ما يمكن لي تسميته «تحين السّعادة على غير العادة», نسي لزمن طويل واقعة «انطاع نسله», نسى «مكر التاريخ»... فجف بالتدرج تدفّقه الدّيمغرافي وحين نهض من

«غفوة سعادته» أدرك خطر «الإنفجار الديمغرافي» الزاحف عليه من هنا وهناك «باسم ديانه مضادة لديانته الدّنيوية»... ذلك حال «الرجل الأبيض الأروبي» واخوته ... وتلك بعض دوافع «حروب الإبادة الجماعية» التي يقوم بها «العقل الحربي» والإنسان المسلّح هنا وهناك في الجغرافيات ذوات التواريخ الحزينه حين ثارتْ ثارات «الطرف الآخر الجحيمي» الذي جاء يطلب الثأر «لمقدسّه « الذي لا يعترف بغير الجنة الأخروية « التي لا عين رأت ..» وكم هو بليغ كتاب «تاريـخ جهنّم» لجورج مينوا .

(3)
فهل حقا أن «الحروب الدينية» دينية .. خالصة ؟ أم أن «العقل المصرفي» بذكائه الإجرامي الارتزاقي / المارسوناري هو من يشبّك بين أبناء الوطن الواحد ... والديانة الواحدة ليفتح له «طريقا ملكيا» في أوطان هي لسواه ليفتتها ويُفَتْــفِتَ و«حدتها الوطنية» بأيدي المحسوبين من أهلها ...؟ وهل ثمة أخطر من عقلية «الإستملال ( الملة )» و «الإستحلال».
( النّحلة) الديني لتحليل احتلال الشّعوب حين تخوّظها «الأيادي الخفية» حروبا أهلية .. هي الوحيدة المستفيدة منها في كل الحالات وذلك بتحريك «مكبوتها الحضاري» ومخزونها «اللاّعقلاني» في الإعتقاد أو السلوك ... وتقتل فيها حتى الطاقة والمقدرة على «التساؤل» و«الشك» و«الحيرة» و«الإندهاش». آه الإندهاش. كم هي بسيطة ومعبرة ملاحظة الكونتيسة «دي جنليس» حين قولها: «أننا نندهش من ذلك الذي نراه إلا نادرا وليس من ذلك الذي أصبْح من بحكم المألوف مألوفا». أليست «العنف المقدس» أصبح من حكم المألوف..؟ أليست « جرائم الإبادة الجماعية» أصبحت من حكم المألوف ؟ أليست حيل « لصوص الله «من حكم المألوف ؟ أليست أكاذيب معظم الساسة من حكم المألوف ؟ أليس الكذب على الأنبياء و الرسل والمتصوفة والزهاد من حكم المألوف ..؟

(4)
هل أندهش أو لا أنْدهش من مثل هذه الأطنان من «السرديات» التى تتوزّع المساحات الشاسعة من عقول الشباب العربي المسلم في العالم ... والمستسلم لمن يمكن تسميتهم «سماسرة السراب الأصفر الجرادي».
وان كان للألوان الأخرى سماسرة سرابها .

لقد ورد في كتاب «القُبل واُلْـمُعانقة» للمحدث أحمد بن محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي ( القرن 3 للهجرة / 9 للميلاد) الواقعة السردية التالية : «جاء أعرابي إلى النبي(صلى الله عليه وسلم ) فقال: يا رسول الله إني أسلمت فأرني شيئا أزدَدْ به يقينا ,قال ( النبي): ما تريد ؟ قال الأعرابي :أدع تلك الشجرة فلتأتك . قال (النبي) : اذهب إليها فأدعها . قال الأعرابي ( للشجرة ) : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت الشجرة فقطعت عروقها ثم أقبلت تجرّ عروقها وفروعها حتى أتت النبي صلى الله عليه وسلم , فقالت السلام عليك يا رسول الله .فقال الأعرابي : حسبي فمرها فلترجع فرجعت فدلت عروقها في ذلك المكان ثم استوت كما كانت , فقال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ورجليه ( وزاد) ائذن لي أن أسجد لك قال (النبي صلى الله عليه وسلم ) : لا يسجد أحدٌ لأحدٍ , ولو كنت آمر أحدا أن يسْجد لأحدٍ لأمرت المرأة تسْجد لزوجها تعْظيما لحقّه» .

(5)
آه .. لا رغبة لي في الإندهاش لأن الأمر «دهّشني» بالمعني الشوارعي الشاعرالتونسي للكلمة بمعنى «أتعبني وهدّني» :كم ينسي الرجال الفحول أن معجزة نبيهم ثقافية ... وليست خرافية في الأصل ؟ كم ينسى الرجال أنهم أبناء أمهات ؟ وإخوة أخوات ؟ وأزواج زوجات ..؟ لم تعد عندي طاقة على « الإندهاش» رغم احترامي لأفلاطون ومعرفتي بما قال في «محاورة ثيتاتوس» ان العلامة الحقيقية لدى الفيلسوف انما هي الاحساس بالإندهاش . الإندهاش الذي هو علامة صحية في العرف الفلسفي يعتبر «عقابا ربانيا» في

عرف سواه اذ يقول قتلة التعجب والمندهش «أدهشه الله « بمعنى نزع من قلبه «برد اليقين», التسمية الأخرى للقذف به في «الجحيم». اننا فعلا نعيش حضارة « اُلْدّهْشُو- سيدْيا »/ قتل اُلْدّهَشَة.../ والدهشو- فوبيا (الخوف المرضي), و«الفيلوسو- فوبيا» ( الخوف المرضي من الفلسفة والتفلسف . والخوف المرضي من الحب ذاته «فيلو- فوبيا» وكل ذلك يعود - في الظاهر - الى الخوف المرضي من الله « طيو- فوبيا « أو الرّبّو- فُوبيا». وهو ما يفسر بيداغوجيا « المراقبة والمعاقبة» حتى عقول « الفلاسفة العفْويين» و« الفيلسوفات العفويات» أقصد الأطفال في اندهاشهم بالأشياء من ذواتهم والعالم . تذّكرتُ الآن «باُندهاش» وبهجة وهبتني جرعة فرح مُرقصة، تذّكرت بـُكاء البُــنيّة اُلْتُونسيّة «فرح» خَوْفا على القَمَرِ... منَ الرّياحِ واُلْـمَطَرِ ذات ليلة تونسية عاصفة ماطرة .... المجد للأطفال والمطر ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا