«حس من الأجبال» في الكاف: «مائدة يوغرطة» تغني للإنسان ضد النسيان

بين جبل وجبل، حكايات يرويها الغيم ويرددها الصدى لتبلغ المدى. ما أجمل أن تنبعث من الجبال موسيقى تهدهدها الريح لتهتز لها الأرض والسماء

طربا سيما أن يكون هذا الجبل «مائدة يوغرطة» الشاهقة في علوها وتاريخها والتي تعتبر واحدة من أهم عجائب تونس الطبيعية.
في تظاهرة «حس من الأجبال» التي تتواصل طيلة أيام 22 و23 و24 سبتمبر 2022، ستكون مائدة يوغرطة بقلعة سنان من ولاية الكاف ركحا للموسيقى الإلكترونية ومركزا للتخييم...
متعة مع الموسيقى الإلكترونية وفسحة في الطبيعة
في كبرياء وشموخ وغموض ساحر تلوح «مائدة يوغرطة» من بعيد كالقلعة المنيعة الملتفة حول ذاكرتها وأسرارها ... وليس الصعود إلى قمتها ليس بالأمر السهل بل هو مغامرة شيقة في التسلق على درجات السلم الصخري الضيق والعسير من أجل الوصول إلى المائدة المنبسطة في امتداد شاسع كان يوما ما عامرا بالفلاحة والعمران والسكان.
ومن أجل نفض الغبار عن مائدة يوغرطة والترويج للكاف وجهة للسياحة الثقافية وإحياء موروث مدينة الكاف، تراهن تظاهرة «حس من الأجبال» على «جعل الكاف وجهة للاستثمارات المحلية والوطنية والدولية ووجهة للسياحتين الداخلية والخارجية من خلال تنظيم ندوات وتظاهرات ثقافية وسياحية ورياضية، تتمحور جميعها حول تثمين التراث التاريخي والثقافي والطبيعي للجهة».
وقد أفاد مؤسس ومدير تظاهرة «حس من الأجبال» رمزي الجبابلي أنّ « منطقة الكاف تعجّ بتراث طبيعي وغابي وتاريخي مهم للغاية، على غرار مائدة يوغرطة التي تم إدراجها مؤخرا في القائمة الأولية للتراث العالمي لليونسكو. وإن فكرة تنظيم حدث موسيقي ستساهم بالتأكيد في الإشعاع السياحي والثقافي للمنطقة كما تؤثر إيجابيا في الاقتصاد المحلي».
تقترح تظاهرة «حس من الأجبال» على جمهورها فسحة مع الموسيقى الإلكترونية في حضرة مائدة يوغرطة بإمضاء فنانين تونسيين وأجانب مشهورين، تنتظم كل يوم من الساعة 12 ظهرا إلى الساعة 22 مساء. كما تهدي التظاهرة جمهورها وضيوفها فرصة ثمينة لممارسة «رياضة اليوقا» وزيارة عديد المواقع والمعالم المجاورة.
وقد حرص المنظمون على توفير كل الظروف المريحة لضيوف «حس من الأجبال» من خلال ضمان الإعاشة وتوفير الإقامة في الفنادق وبيوت الضيافة والمنازل التي وضعها الأهالي على ذمة المهرجان بالإضافة إلى إمكانية التخييم في الموقع مع توفير الحراسة. كما سيتم تخصيص مركز طبي مجهز بإشراف الحماية المدنية والأطباء المتطوعين.
وتسعى تظاهرة «حس من الأجيال» إلى أن يتجاوز مجرد الحدث البسيط المحدود في الزمان ينتهي بانتهاء مدته بل إنه يخضع لإستراتيجية كاملة ويشكل قاطرة للتنمية لتكون الثقافة بما فيها المهرجانات قوة دفع للصناعات الثقافية والسياحة والاقتصاد.
«مائدة يوغرطة» وقائمة اليونسكو
هي مغامرة طريفة تقترحها تظاهرة «حس من الأجبال» في دورتها الأولى حتى تجعل من الكاف وجهة للسياحة الثقافية إنصافا لمدينة تصافح الريح من علياء جبالها وتقبّل خد الشمس في شروقها وغروبها ولكنها تعاني من الإهمال والتجاهل لتاريخها العريق ومعالمها الفريدة من نوعها على غرار مائدة يوغرطة .
وعلى ارتفاع أكثر من 1170 مترا عن سطح الأرض، ومساحة تمتد لـ 80 هكتارا تتربع «مائدة يوغرطة» على عرش المكان والزمان على شكل طاولة مستديرة ومن هنا اتخذت تسمية «مائدة». واقترنت باسم «يوغرطة» نسبة إلى قائد مملكة نوميديا الذّي احتمى بهذه الصخرة طيلة عام من قبضة الرومان. وعبر التاريخ ظلت «مائدة يوغرطة» ملجأ المقاتلين والثائرين للاحتماء والاختباء وهي العصيّة على الخيول والجيوش. وقد وصفت في كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري كما يلي:«وبالقرب منها على مسيرة يوم قلعة سنان وهي قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال، ليس في رأسها ماء إلا المطر، بها خمس مواجل نقش في حجر، وهو جبل يقصر سهم العقار عن الوصول إليه، ويرتقي إليها من سلم نقر في حجر طوله مائة وتسعون درجة، بأسفلها قصبة بها عين ماء، وبها فواكه وثمار».
واستثمارا لخصوصياتها الطبيعية وأبعادها الحضارية ووظائفها التاريخية كان ترشيح «مائدة يوغرطة» للتسجيل ضمن لائحة التراث العالمي منذ سبتمبر 2017 . وقد لقيت هذه البادرة ترحاب أهالي الكاف خصوصا أبناء «قلعة سنان» تلك القرية التي ورثت ذاكرة المكان والزمان وصدحت طويلا بضرورةتثمين«مائدة يوغرطة» وانتشالها من التجاهل والإهمال.
ولكن إلى اليوم لا يزال الملف يراوح مكانه ولا تزال المائدة تغرق في عزلتها لولا حرص المثقفين في الجهة على التعريف بتراثهم وتاريخهم من خلال زيارات وبرامج فنية يقوم بها مركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف ومؤسس مهرجان «سيكا جاز» رمزي الجبابلي الذي يطلق اليوم تظاهرة «حس من الأجبال» ليروي قصة جبل أكبر من الجبل وأقرب إلى الأسطورة الخالدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا