مسرحية «عايشة13» إخراج سامي النصري المهرجان الوطني لمسرح التجريب: تونس على كرسي التحليل النفسي

المسرح صرخة المستضعفين، مساحة حرة للحالمين، المسرح صوت من لا صوت لهم وإرادة من اجبروا على الخنوع والخوف، على الرّكح تتجرد الشخصيات

من كل آلامها، يشربون حد الثمالة من شراب الحرية والحياة.; المسرح فضاء للتفكير ونداء أزلي للتغيير والانتصار لكرامة الإنسان وحرياته وحقوقه هكذا هو المسرح فعل مشاكس يعتبره سامي النصري وسيلته لينتصر الى شخوصه ومنهم يقدم المساحة للممثلين ليبدعوا وللشخصيات لتصبح حية تتحدث عن احلامها لا مجرد ورق منسي هكذا هي مسرحية «دازاين عائشة13» التي قدمت ضمن فعاليات مهرجان مسرح التجريب بمدنين، والمسرحية نص رياض السمعلي واخراج سامي النصري وتمثيل هاجر حمودة وميساء ساسي وفوزية بدر وأصالة نجار ونور قمري ومهذب الزميلي ومحمد شعبان ومحمد بوزيد وسينوغرافيا ايمان الصامت وموسيقى كريم لثليبي.
المسرح ينتصر للنساء وحقوقهنّ
يصنعن الألم ويمنحن الأمل، حالمات وقويات لكنهن منذ الولادة يتعرضن إلى العنف الأبوي والمجتمعي فقط لانهنّ إناث، إلى حكايات المرأة وآلامها يعود سامي النصري في مسرحيته «عايشة13» يترك للنسوة مساحة للتعبير فيتحدثن عن العنف الأبوي والعنف المجتمعي والعقلية الذكورية التي تنتصر للذكر وحقوقه على حساب الأنثى، في كل الشخصيات ستجدك تشارك أحداهن في ألم ما، الشخصيات كانت صادقة والممثلات حقيقيات أتقن الانتقال من شخصية إلى أخرى بكل تركيباتها النفسية والذهنية، فالمرور من العقل إلى الجنون تجربة صعبة أكد ممثل المسرحية أنها ليست مستحيلة على تونسيات شغفن بالركح شغف الأطفال باللعب، فلعبن بجدية وصدق، لعبن بكل حبهن للمسرح ليقدمن ليزرعن الروح في شخصياتهن الناطقة بوجع المراة وحكايتها.
في مصحة للأمراض النفسية تدور أحداث العمل، المكان في المسرحية أمكنة واحد ثابت هو فضاء المصحة وآخر متخيل حسب كل نزيلة، فهو البحر حينا لعاشقة البحر والحب وهو معامل الاسمنت وزنازين داعش للهاربة من تنظيم الدولة الإسلامية وهو غرفة مغلقة تسكنها الموسيقى الكلاسيكية وصور «فان غوغ» للكاتبة النسوية، فالمكان يرتبط بذكريات المرضى، يرتبط بالجانب العاقل فيهنّ ليتحوّل حسب الحالة النفسية المتناولة.
الشخصية الرئيسية «عائشة» تدور حولها الحكاية وفي النهاية يكتشف المتفرج أنها صانعة الحكاية منذ البداية هي المريضة النفسية التي تفوقت على الطبيب وإدارة المصحة وغادرت بعد إسقاطهم في هوة الجنون والشكّ، عايشة الشخصية أنموذج لنساء كثيرات امنّ بالحرية والكتابة، شغفن بالعلم والقراءة وتوغلن في الطب النفسي قراءة وممارسة حدّ الإصابة ببعض جنون.
«عائشة» تتعرض لعملية ابتزاز «تغادر مقابل الإمضاء على تنازل عن الارض لفائدة المصحة» عملية ابتزاز تدفع فيها الشخصية الكثير من الالم والحقن والتفكير لتنتصر في النهاية إرادة الحياة على الموت، شخصية عائشة تصبح قائدة ركب المرضى والمجانين، تحاول الإنصات الى حكاياتهنّ ومعالجتهنّ، تصبح قبلتهنّ للحكي والتخلص من أدران الألم والوجع، شخصية تنتقل بسلاسة من الجنون إلى العقل، تشعر المتفرج في بعض المشاهد انها مجنونة حقا لتعود الى العقل في مشاهد أخرى تثبت براعة الممثلة هاجر اليحياوي وقدرتها على التماهي مع شخصياتها المتعددة.
«دازاين عائشة13» هي النساء جميعهنّ، مسرحية تتجرد فيها الشخصيات من الخوف لتحكي حقائقها الصادمة، عمل يكشف مدى الألم النفسي الذي تعانيه النساء منذ الولادة، هنّ الأخت المتعرضة للتعنيف والزوجة المعنفة جسديا ونفسيا والأنثى المنبوذة لانّ العائلة تريد ذكرا و الأم العزباء المرفوضة من المجتمع والمغتصبة والبنت التي بيعت بدنانير باسم الزواج والاغتصاب والأم التي لفظها ابناؤها بعد تعب اعوام، والطبيبة النفسية التي تعيش بدورها فوضى نفسية بين العلمي والواقعي، لكل النساء أسرار وحكايات سببها الأول العنف العائلي والمجتمعي، عنف يؤدي إلى الجنون وارتفاع نسب البطالة والإدمان «ثلث الشباب التونسي يعاني من اضطرابات نفسية، وربعه يترك مقاعد الدراسة» كما تقول المسرحية «اذاكا القهر اش يعمل، اذاكا العنف اش يعمل، اذاكا الجهل والاستغلال والتسلط اش يعمل، اذاكا الانانية والعقلية، اذاكا البلاد اش تعمل» فاللوم هنا موجه للعائلة، للإفراد ثم الاسرة فالمجتمع والدولة فالكل يشترك في جريمة دفع المراة الى الجنون.
المسرح نقد وسؤال
المسرح فعل جماعي وعمل مجموعاتي، نجاح العمل المسرحي من عدمه يرتبط عادة بإرادة المجموعة وطريقتها في إيصال العمل الى برّ الأمان، وفي إطار المجموعة والعمل التشاركي يعمل سامي النصري منذ بداياته الاخراجية، فالمجموعة هي من يصنع النجاح لا الفرد، في مسرحية «عائشة13» تتحد المجموعة لتقدم عملا مسرحيا مسكونا بالألم النفسي، مسرحية تجبر متابعها على طرح الاسئلة والتفكير في قدراته العقلية وحالته النفسية، عمل يسكننك عنوة لتتساءل عن مواقفك تجاه النساء في مجتمعك وتجاه حقوقهنّ، فالمسرحية مشحونة بطاقة من الألم يجذب الجمهور إلى دائرته.
«عائشة 13» نص لرياض السمعلي، أتقن الحفر في عالم الطب النفسي من خلال الجمل الموجعة والحركات الموكلة للشخصيات وطريقة الكلام، نص تحدث عن براعة الحبيب شبيل وكرّمه في الحوار، نصّ اشار الى الخور الموجود في المؤسسات،صحبته موسيقى مميزة اذ حوّل كريم الثليبي الانفعالات النفسية وشعور الخوف والفرح الى نوتات موسيقية تتماهى مع الموضوع المطروح.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا