«وراء الشمس» لسيرين قنون وأشرف بلحاج مبارك في أيام قرطاج الكوريغرافية: الإعاقة ليست في الجسد بل في الروح

لئن كان «الراقصون هو رياضيي الله» كما قال انشتاين، فإن أشرف بلحاج مبارك تحرّك على الركح في خفة العدّائيين ورشاقة السبّاحين وقوة الملاكمين...

ليسافر بجمهور أيام قرطاج الكوريغرافية في رحلة من المتعة الخالصة على متن لغة الجسد التي لا حدود لها ولها حواجز. لقد كان الرقص هو المنطلق والمنتهى، كما كان الجسد الراقص هو الخصم والحكم في سرد حكاية «وراء الشمس».
في مزج بين الرقص والمسرح، قدم عرض «وراء الشمس» تجليات فائقة الجماليات عن الرقص المسرحي في كوريغرافيا وأداء لأشرف بلحاج مبارك، ودراماتولوجيا وإخراج ومساعدة في الكوريغرافيا بإمضاء سيرين قنون وإنتاج مسرح الحمراء.
جمالية عالية ودلالات رمزية عميقة
على الركح القاتم الإضاءة، كان الجسد الجالس أرضا مغطى الرأس والوجه بضمادة طبية بيضاء اللون ... شيئا فشيئا يحاول هذا الجسد النهوض لكنه يتعثر بخيوط من الحبال تشل حركة يديه إلى جانب ضمادته الطويلة التي تعيق حركته. بعد تعثر وتبعثر، تنجح محاولات البطل في التخلص من هذه الأغلال. لكنه سرعان ما يقع سجين نوع آخر من القيود. فما بعد الضمادة على الرأس، استعان بعكاز طبي وكأن عطبا أصاب رجله !
من قيد إلى آخر، أوقع الراقص أشرف بلحاج مبارك نفسه في أسر سلسلة من العوائق تضيق عليه الحصار في كل مرة، فينتفض جسده ألما وارتباكا وتشتتا ... وكلما يشتد الألم إلاّ وتختنق الروح وتتعطل أسباب الحياة.
بكثير من الإبداع اشتغلت المخرجة سيرين قنون على رمزية العكاز الطبي وأجادته توظيفه فنيا وجماليا على خشبة العرض المسرحي الراقص. فقد انطلقت من الوظيفة الطبيعية للعكاز بما هو أداة تساعد المريض على المشي لترمز إلى أبعاده المعنوية، فكل منا يحتاج إلى العكاز/ السند في حياته سيما عند مرورنا بأزمة أو خيبة أو تجربة جديدة. وفي عرض «وراء الشمس» استحال العكاز إلى ساق ثالثة تؤازر البطل في حركاته وخطواته بل وأصبح بمثابة الرفيقة والحبيبة التي تؤنسه في وحدته وتبدد وحدته وانكساره...
على طريقته، أحسن الكوريغرافي أشرف بلحاج مبارك التحرك على هذا العكاز والرقص بساق واحدة على امتداد حوالي نصف ساعة من مدة العرض التي قاربت الساعة من الزمن. جاء هذا التمكن من تقنية المشي والرقص على العكاز بعد ثلاثة أشهر من التدرب المجتهد والتمرين الصارم. وفي هذا السياق أفادت مخرجة العرض سيرين قنون في تصريح لـ «المغرب»بالقول: «لقد كانت مثابرة الفنان أشرف بلحاج مبارك من أجل التماسك على رجل واحدة فوق الوصف حتى إنه تمت الاستعانة بفيديوهات مصورة عن طائر «الفلامنقو» الذي يقف على ساق واحدة ومع ذلك فهو يرمز للاستقرار والاتزان النفسي. وفي النهاية، جاءت النتيجة مرضية وأبدع بطل العرض حد الإقناع والإبهار في الرقص دون استعمال ساقيه الاثنتين».
وعن فكرة التعاون بينها وبين الكوريغرافي أشرف بلحاج مبارك رفي عرض مسرحي راقص، أوضحت سيرين قنون أنها قد التقت هذا الفنان من خلال التدريبات التي يحتضنها فضاء الحمراء فشدها انضباطه وحرفيته ورغبته الدائمة في البحث والتطوير... فجاءت فكرة «وراء الشمس» للتطرق إلى معاناة الفنان بسبب الحجر وغلق المسارح وللتذكير بنضاله من أجل الدفاع عن فنه وهويته وحريته...
الجسد الراقص ... جسد حر
في لوحات كوريغرافية مبهرة وتجليات راقصة مبدعة، تصبّب جسد أشرف بلحاج مبارك عرقا ونزف ألما للتعبير عن حجم عذابه ومعاناته... لكن أبدا لم يكن الألم جسديا، كما لم تكن الإعاقة عضوية فليست الضمادة ولا العكاز سوى حلول وهمية لمحاولة مداواة الجرح والتغلب على العجز. لقد كانت الروح هي المريضة والفؤاد هو العليل والنفس هي السقيمة وليس ألم الجسد سوى تداع لكل هذه المكبلات الروحية والمعنوية والنفسية.
بفضل انتفاضة الجسد الراقص وطاقته الجبارة في كسر الأغلال والقيود، عثر هذا الفنان على دوائه بنفسه واخترع علاجه بمفرده من خلال التحرر من كل التضييقات والهواجس وتحرير النفس والجسد من كل الأعباء والإكراهات.
بكثير من الإيحاء والذكاء، جمع عرض «وراء الشمس» على مستوى السينوغرافيا والمتممات الركحية بين عالمين مختلفين : المرض من خلال توظيف العكاز والضمادة والبحر عبر استعمال شباك الصيد وحذاء الغوص. وكأننّا بالبحر هو صورة مصغّرة عن باطن الإنسان في اكتئابه وتردده وثورته وجموحه...
في نهاية العرض، رفض أشرف بلحاج مبارك الهزيمة والانكسار واختار الانتصار والانعتاق ، وهو ما ترجمه تخليه عن العكاز وانتعال حذاء الغوص في استعارة رمزية إلى الأجنحة التي تشير إلى التحليق والانطلاق في اقتفاء آثار الأمل والحلم... ولو «وراء الشمس» !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا