«انوات» لآمال المختار ومحمد القاضي: بـوح الذاكــرة المعطوبــة

تجربة روائية مختلفة، إضافة أخرى إلى الموسوعة الروائية التونسية، رؤية ابداعية تقوم على ادب الرسائل

تجمع الثنائي محمد القاضي وامال المختار في رواية «انوات» المكتوبة بقلمين.
«انوات» صادرة عن دار محمد علي للنشر، ثنائية الفكرة والقلم وهي من الحجم المتوسط جاءت في 134صفحة، للرواية ثلاث مقدمات اولى مقطع لهنري ميللر وثانية من قصيد «الرمادي» لمحمود درويش وثالثة من قصيد «لاجدران للزنزانة» لدرويش، كذلك ثلاث نهايات مختلفة ومنها» حبيبيتي ، كما ان الثورة تنتهي حين تصبح الدولة فان لامل يكف ان يكون حين يتحقق، لذلك بدل أن تكوني نهاية شوقي فضلت ان تظلي املي الدائم وحلمي المستمر باللقاء بوما ما ..فهل اقول الى اللقاء ؟ ام اقول وداعا ؟» مع اضافة (تونس : سبتمبر 2015.. نوفمبر 2017 : امال مختار – محمد القاضي)
رحلة الذاكرة والمكان
«الصمت الذي يحيط بي يدفعني الى اعادة رسمك، وكم مرة خيل اليّ انني افتح درج اوراقي واقلب ما فيه من محفوظات لا ادري كم سنة مرّت عليها» ومن باب الذاكرة المثقوبة تنساب صورة المرأة المعشوقة تدريجيا لتبدأ في ازالة الغشاوة على ذاكرة عاشقها ومعه تتضح الصور للقارئ ليعرف انّ الشخصيات الرئيسية هما امراة ورجل يتبادلان الرسائل، هي تعيش في بيتها منعزلة في غار الملح وهو في مكان مغلق ليس بالسجن لانه توجد فيه حواسيب وقاعة للجلوس ومع تقدم الرسائل يعرف القارئ انه فاقد للذاكرة بعد حادث سيارة و يقيم باحدى المصحات بمدينة عين دراهم ومن خلال الرسائل يريد التذكر « انا اعرف ان ذاكرتك قوية، وانك قادرة على تصحيح ما تلعثم في ذاكرتي من صور متداخلة».
المكان امكنة، ثابت ومتحول، الامكنة الثابتة هي بيت المرأة «بتول» كما جاء في اول رسالة، ثم تتعدد مسمياتها «اليسار» و«ماريان» و«اعتماد» و«جلنار» حسب ماتجود به ذاكرة الرجل «ادم» المقيم بالمصحة، اما المتحول فهي جزر «المالديف» هل كنت انت حقا التي صاحبتني الى جزر المالديف؟» ومدينة ليون «ضحكت واستغربت لانك طوال سنوات عشقنا في ليون كنت كثيرا ما تديم النظر في قدمي» واسبانيا وبحيرة الشيطان «حدّثنا الدليل عن اسطورة مازال الناس يتناقلونها عن تلك البحيرة التي تتحول مياهها الى اللون الداكن في العواصف والاساطير، ويقولون انها كانت تعرف ببحيرة الشيطان» والمسرح والفندق الصغير في عين دراهم، الامكنة الكثيرة التي زاراها العاشقان يستحضرانها من خلال الرسائل فتكون الفرحلة في الزمان والمكان ايضا، رحلة جغرافيا تقوم بها ذاكرة شبه معطوبة واخرى معزولة عن الناس والعالم.
بين الرواية والواقع تشابه
من بوح القلب تكون الرحلة في رحاب قصة حبّ تجمع ممثلة مسرحية وصاحب دار للنشر وناظم شعر، الرسائل المتبادلة على البريد الالكتروني هي دليل القارئ ليتتبع قصة الحب ومنها يقترب اكثر ليتعرف على الشخصيات، في الرواية اليسا وادم هما الشخصيتين الرئيسيتين وفي فلكهما تدور بقية الشخصيات مثل الممرضة والطبيب و ساعي البردي وصاحبي المقهى، هما صانعا الاحداث عبر عملية الاستحضار والتذكّر، فبرسائلها تدغدغ ذاكرته المطموسة وتحاول ان تذكيره بقصتهما ومنها تفاصيل حياته وهويته الحقيقية حتى يسترجع ذاكرته في الصفحات الاخيرة للرواية، وحين يصبح زمن السرد الحاضر تتراجع الرسائل والحوارات ليسلط القصّ اكثر على وجع الذات المغتربة.
في «انوات» تكون اللغة الجميلة المفعمة بمشاعر الحب ميزة الكتابة، رواية في شكل مجموعة من الرسائل تبوح فيها كل شخصية بما تخزنه في خبايا الذاكرة وادراج الروح من شغف وعشق وتستحضر لحظات اللقاء وقصة الحبّ الجامحة ومنها يقع التطرق الى مواضيع اجتماعية مثل مؤسسة الزواج، فشلها او نجاحها ومواضيع تهم مهنية على غرار وضعية الفنان المسرحي فبين الرواية والواقع تشابه كثير فكم من فنانة مسرحية لمع بريقها في فترة ما وبمجرد أفول نجم الشهرة نسيت وركنت في رفوف الذاكرة.
وكم من محب للنشر ومؤمن بقيمة الكتاب مع اول ازمة مالية اغلق دار النشر فتناساه الاصدقاء والكتاب وبحثوا عن ناشر جديد، في الرواية ومع قصص الحب هناك الكثير من الوجع الذي تتناقله الشخصيات، وجع الانا والمجموعة، وحديث عن اغتراب الذات الفنية وسط مجموعة تسمة «وطن» وباسلوب بسيط وممتع يتفنن الثنائي امال المختار ومحمد القاضي في دغدغة روح القارئ وذاكرته ليبحث عن ذاته وسط الرسائل والكتابات.
• من الرواية:
«لقد انفضوا كلهم من حولي بعد ان لعقوا قدمي جمالي واقتاتوا من فتات موائدي، خبا نجمي وانطفأت انوار شهرتي وتبددت ثروتي فلم يبق الا هذا المنزل وراتب شهري غامض يصلني في بداية كل شهر اعيش به».
«هل انت ادم ام تراك روحي المتشظية التي عادت اليّ عبر رسائلك،فبتّ مثل مراهقة احمل قلبي دافقا بين كفي كجمرة اتلقفها من كفّ الى كفّ كي لا احترق، ينما يلتهب الحريق الحقيقي بين جنبي وفي احشائي»
«اليسا الغالية، كنت عندما اخلو الى الحاسوب لأكتب اليك اشعر بسعادة غامرة، اراك امامي تدعينني اليك، تمدين يديك لاستقبالي، اما الان فالشعور المستبد بي وانا اكتب اليك هو شعور اليتم، لكأنني رضيع تقرر امّه فجأة ان تفطمه قبل الاوان، لكأنني طفل اضاع طريق العودة الى البيت».
«عزيزتي اليسا تتداخل الالوان، ولا يبقى الا الرمادي، ذلك اللون الباهت، لون السماء البعيدة، ولون الافق النائي، لون الاحلام المخذولة، في ذلك اللون الرمادي كنت اقضي الساعات، غير مدرك شيئا عن نفسي ولا عمّن حولي، الرمادي كفني ومسقط رأسي والرمادي رحم الموت ومولد النهايات».
«أيها الحبيب الفريد ادم، حدثتك طويلا عن رايي في مؤسسة الزواج التي اعتبرها فاشية تسحق حقوق الفرد انسانا وتستعبده وتحرمه من حريته الذاتية لصالح المجموعة سواء كان هذا الفرد ذكرا ام انثى».
«تذّكرت مخطوطات شعرك التي كنت تقرؤها لي في مكتبتك بمنزلك اثناء تلك الليالي التي قضيناها نرسم حلمنا المشترك، حاولت اقناعك بنشر تلك القصائد غير انك كنت ترفض بشدة وتقول «هذا الشعر لك وحدك، ولا اريد جمهورا غيرك»
«اتذكر لما كنت تقول لي: اقبلي ادوارا في المسلسلات التلفزيونية فهي التي ستجعلك اكثر شهرة وثراء بعكس المسرح الذي قل جمهوره، وفي حماستي كنت ادافع عن المسرح الذي اخذتني اليه الصدفة في ليون، لقد انقذني المسرح من الاكتئاب»

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا