مسرحية «الروبة» لحمادي الوهايبي ضمن مهرجان مسرح التجريب: المحاماة بين الفساد والنزاهة.. الكلّ متهم والجميع بريء؟

المسرح جرأة والجرأة تضع صناع العرض امام مآزق عديدة وانتقادات متعددة، المسرح تشريح وتجريح، والى عوالم المحاماة والقضاء

ومحاولة الدخول الى ذاك العالم «التابوه» عبر ملفات الفساد والوصولية والانتهازية يحمل المخرج حمادي الوهايبي الجمهور في عرضه الجديد «الروبة».
«الروبة» عمل مسرحي جريء، قدمه ممثلون مهرة مسكوا جيدا بتفاصيل وتركيبة شخصياتهم، من اخراج حمادي الوهايبي وانتاج مركز الفنون الركحية والدرامية بالقيروان، قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان مسرح التجريب بمدنين وهو من تمثيل نور الدين الهمامي ومحمد شوقي خوجة وسهام بوقرة وعواطف العبيدي وخلود بديدة ولطفي مساهلي وتقني انارة غسان جاوحده.
الروبة :رمزية الاسم وعبء الفساد والنزاهة
دولة ينخرها الفساد، فساد المحامين والقضاة والإعلاميين والأمنيين والنواب، دولة موازية داخل الدولة الرسمية، مافيات، رشاوى كلها تبوح بها الشخصيات على الركح في مسرحية الروبة.
«الروبة» تلك العباءة السوداء المقدسة، من «عبء المسؤولية» جاء اسمها، في المسرحية تكون عباءة للرشوة والمحسوبية والوصولية، «الروبة» السوداء لباس المحامين والقضاة دخل المخرج حمادي الوهايبي إلى ما تحتها، فضّ عنها القدسية وحمل الجمهور لاستكشاف ما تخفيه تلك الهالة السوداء فكانت الحقائق موجعة ومخيفة.
حقائق تدمير الأوطان ونخر قيم الجمهورية وخيانة القسم «اقسم بالله العظيم أن أقول الحقيقة» ذاك الذي يقوله طالب المحاماة في أول تخرجه وانطلاقه في ممارسة المهنة، القسم الميثاق الذي يصبح تدريجيا حبل للتسلق في سلم الرشوة وتكديس الثروة كما هو في المسرحية.
«الروبة» عمل مسرحي تشريحي، من مجلس النواب الذي يضم داخله قرابة 50ممن ينتسبون لمهنة المحاماة انطلقت فكرة العمل، فالمسرحي ابن بيئته هو صوت ابناء شعبه وفنه مطيته للنقد، كذلك هي المسرحية تشرح على الرّكح ظاهرة الفساد وتغلغلها في مفاصل الدولة من خلال مهنتي المحاماة والقضاء، مهن قدسية وتسطر مصير الإنسان، ومنها نقد للإعلاميين والصحفيين والمتسلقين وكل الباحثين عن ملاليم من كعكة كبرى تسمى «الوطن».
في صراع الشخص والشخصية
ستة أجساد تتحرك كجسد واحد، كان الممثلون عماد المسرحية، تقمص للشخصيات إلى حد التجانس معها، شخصيات مركبة، مرعبة، مختلفة ومميزة، كذلك هم الممثلون الذين اختيروا بدقة لتلك الشخصيات التي قدّموها بكل الشغف للمسرح وللبحث عن الحقيقة.
الشخصيات مركّبة، تتأرجح بين الفساد والنزاهة، ذاك الخيط الرفيع بين الحق والباطل كما السّراط تمشي فوقه حينا تتهاوى يمينا فيكون الحوار شرسا عنيفا عن ملفات الفساد وكيف يستثمر المحامين علاقاتهم وموكّليهم لتهريب أموالهم وتكوين الثورة، ومرات يتهادون يسارا فيسقطون في خانة النزاهة ويعيدون استحضار القسم ميثاق شرف المهنة ويحاولون تقديم ملفات للاعلام والرأي العام علّهم ينقذون الوطن.
تتأرجح الشخصيات في الحدث كما المكان، فالمكان واحد متعدد، في النص مكان الأحداث «قبو» المحكمة لكن في الحوار يصبح المكان أمكنة، فهو حينا قاعة المرافعات، ومرة مكان الإيقاف والسجن، وثالث بلاتوه إعلامي من إحدى التلفزات الخاصة ورابعا منزل إحدى المحاميات وحينا مكتب الطبيب النفسي، كلّ الأمكنة تسكن الشخصيات، كلها تجذبهم إليها ليبوحوا بالخوف والأسرار التي يخفونها.
الزمن كذلك متفرّع، ثابت وقت الخوف ومتحرر وقت الاستحضار والتذكّر، زمن الأحداث هو «الآن» هذه «الآن» اللحظة التي بنيت عليها أحداث عرض مسرحي كامل بحركات شخوصه ومشاكلها وقصصها وحكاياتها وكأننا بكاتب نص العمل أوقف عجلة الزمن في «اللحظة» ليستطيع تشريح شخوصه وأحداثه أكثر.
المكان والزمان تبدع الشخصيات في إيصالهما إلى المتفرج، شخصيات كتبت بدقة، مركبة وتفكيك شيفراتها صعب، أربعة محامين وقاضية وموقوف دفعتهم الصدفة «حادث انفجار المحكمة» ليجتمعوا في مكان واحد، لكل شخصية مميزاتها ولكل منها تفاصيل نفسية واسرار مخفية تخرج تدريجيا مع سجع الكلمات ووحشة الخوف والمكان.
كل الشخصيات تدور في فلك الحقيقة والخوف، جميعها متصلة ومنفصلة في الوقت ذاته، خيوط متداخلة ومصالح متصلة وأفكار متضاربة هي ما يجمعها، كلهم تحركهم شخصية الموقوف «خميس» (محمد شوقي خوجة)أنموذج عن إنسان ولد خارج إطار الزواج، منذ طفولته يشكّك في نسبه، في رجولته، في صدقه، وجميعها تفاصيل تؤهله ليكون الساعد الأيمن والعقل المدبر للمحامية فاطمة «الفرس» كما تنعت في العمل، انموذج عن امرأة ذكية، شعارها «الغاية تبرر الوسيلة»، شخصية مضطربة تبحث عن الجاه والسلطة وتحاول رشّ بعض النزاهة على عملها، فاطمة هدفها الدخول الى مجلس النواب «الحصانة لازمة، يلزم نربح الانتخابات وندخل المجلس».
في العمل تعيش صراعا مع «زينب» المحامية الشابة «الكرونيكوز» (خلود بديدة) التي تعلمت من الاعلام «المهذار» دون ايجاد معلومة، وينافسها محام هادئ الطباع (لطفي مساهلي)، ينجز عمله ويغادر القاعة، الهدوء ينعكس على ملامح الشخصية وطريقة التقديم، هو عينة عن الكثير من التونسيين العاملين بصمت دون الحصول على جزاء،كل هذه الشخصيات تتصارع في الخفاء لتفصل بينها مطرقة «خديجة» القاضية (عواطف العبيدي).
خديجة المضطربة، خديجة التي تحاول تطبيق القانون بشدة،تؤمن بعدالة القضاء ونزاهته وحياده، شخصية معقدة ومركبة استطاعت عواطف العبيدي الدخول الى جوفها قلبا وفكرا فكانت على الركح شامخة كما القاضية تجمع بين الضعف والقوة، قوة امرأة فرضت ذاتها في مجال صعب وضعف زوجة تريد تحقيق العدالة وزوجها اشهر «كناتري» في تونس، كل هذه العلاقات المتشابكة تنعكس نفسيا على الشخصيات فتضحك وتبكي، تبتسم وتنفعل في اللحظة ذاتها.
والجامع بين الشخصيات واكثرها تأثيرا في الجمهور شخصية «التوهامي جاب الله» (نور الدين الهمامي)، المحامي الانتهازي والاب الرائع، ازدواجية في الشخصية نجح الممثل في الولوج الى عوالمها النفسية، تارة يستحضر مخزون الطفولة الصعب من خوف ورائحة الموت والعدم وطورا يكشّر عن أنياب المحامي ذي الصولات والجولات، شخصية التوهامي يكرهها المتفرج ويتعاطف معها في اللحظة ذاتها، ممثل صادق اقنع جمهور مدنين في ايصاله لانفعالات الشخصية الفكرية والنفسية وعلى الركح لا تشاهد ممثلا يقدم شخصية بل ترى ممثلا يحمل عبء المهنة ووزر التعليم، يخوض جولات المرافعات ويكسب أصعب القضايا، صدق يكاد يصبح يقينا، «التوهامي» هو تونس بازدواجيتها، هو الساسة والمسؤولون بانفصام في بين الخطاب والفعل، هو الصراع الذي تعيشه الرئاسات الثلاث بطريقة خفية، تردد التوهامي بين الفساد والنزاهة هو لوحة عن تونس وماتعيشه من فساد ربما استشرى في كل المجالات الحيوية كما يقول عرض «الروبة».
المسرح ينزعج كلما خاض في الممنوع
المسرح فعل مشاكس، هو ممارسة لفعل الحياة والحفر في التابوهات والممنوعات ومحاولة تشريحها والبحث فيها بطريقة علمية واجتماعية وفنية، والبحث في المواضيع التي تزعج المتلقي وتحفر فيه مشاعر القلق وتسكنه بالسؤال هو مشروع المخرج حمادي الوهايبي في اعماله الثلاث الاخيرة، انطلق من البحث عن حقيقة المومسات وعرىّ الارواح المسكونة بالوجع بعد اغلاق مجموعة من المواخير في تونس، ثمّ تساءل عن التراث اليهودي وعلاقة المسلمين باليهود في تونس ونبش في الذاكرة الجماعية لسكان هذا الوطن المصغر في «جويف» ليمر الى موضوع يعدّ من التابوهات وهو فساد القضاة والمحامين، بعمل جريء دخل الوهايبي والممثلون عالما شرسا وشاكس «الفساد» بكل جرأة في عمل «الروبة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا