من تنظيم الجمعية التونسية للتربية والثقافة ودار الكتب الوطنية: صـالح القرمادي... خلود ملحمة الألفاظ «الحيّة»

هو من نظم الشعر كما يحلو له لا كما تقتضي القواعد والبحور، وهو من كتب دون خضوع إلى القوالب التقليدية والكليشيهات المتداولة...

لقد أمسك الراحل صالح القرمادي بقلم حر ومجدد مستعيرا من الحياة فرحتها وجنونها وقلقها و»خبزها الطري»... لتختال الألفاظ الحيّة في شعره وقصصه وترجمته... عصية عن الموت وأكبر من النسيان.
تنظّم الجمعيّة التّونسيّة للتّربية و الثقافة للسنة الرّابعة على التّوالي ملتقى توفيق بكّار للتّربية والثّقافة والإبداع بالشراكة مع دار الكتب الوطنيّة وتهتم ندوة هذه السنة بـ:»صالح القرمادي والحداثة» وذلك يوم السبت 10 أفريل 2021 انطلاقا من التاسعة والنصف بقاعة الطاهر الحداد بدار الكتب الوطنيّة، وبحضور عائلة الراحل صالح القرمادي.
الأكاديمي الرّائد والمثقف الملتزم
ربما كانت كتابات ومؤلفات الراحل صالح القرمادي ستعرف العزلة والإهمال والنسيان أو لن تجد ما تستحقه من مكانة وحظوة لولا أن تلقفّها الناقد الفذّ توفيق بكّار بكل اهتمام وحب، فانطلق في سبر أغوار تجربة أدبية وإنسانية متفردة في لغتها ورائدة في مجالها... وقد جمعت بين الكاتب والناقد صداقة في الحياة وتقاطع في دروب المعرفة والتفكير. وفي هذا السياق أفاد رئيس الجمعية التونسية للتربية والثقافة رضا كشتبان «المغرب» بما يلي:» نلتقي للمرة الرابعة، مع آل التربية والثقافة والإبداع، في ظل روح بكار الراعية لهذه الجمعية منذ تأسيسها. فقد أرشدنا حيّا بحكمته إلى مسالك الحداثة المتأصّلة في عمق هويتنا الثقافيّ؛ فنظّمنا بناء على اقتراحه الدورة الأولى؛ ولم يسعفه القدر بحضوره معنا، والإدلاء بشهادته. فجعلنا الدورة الثانية إكراما وتخليدا له، والثالثة لأقرب طلبته منه،  وهو حسين الواد. وها نحن نواصل الدرب معه مع صديقه ورفيقه صالح القرمادي. فقد كانا متلازمين بالمعنى التامّ والكامل للصداقة الصادقة والرفقة المناضلة، لا يختلفان في الجوهر، ويتكاملان في المهمّة الحضارية كما يكتمل المزاج الهادئ بالمزاج المتّقد، وكما تتكامل أحكام اللغة بإجرائها في عوالم الثقافة والأدب». 
مؤسس «الألسنية» في الجامعة التونسية
في الجامعة التونسية، كان حضور صالح القرمادي فارقا حيث قام بتأسيس «قسم الألسنية»، كما أدلى بدلوه في الحياة الثقافية بتأسيس مجلة «التجديد» إلى جانب نخبة من المثقفين والمفكرين ... وعن أدواره الأكاديمية والعلمية ومواقفه السياسية والنقابية، يقول الأستاذ رضا كشتبان :»لم يكن القرمادي في الجامعة والثقافة التونسية حدثا عاديا. فقد كان، بذهنه الوقاد، وثقافته الواسعة، وروحه المتطلعة، الأب الأول والرائد الحقيقيّ للدراسات اللغويّة الحديثة، بفضل الروح التي نفثها في الجيل الثاني من الجامعيّين ومن المثقّفين، روح تجمع بين الثورة على الأوضاع والمحافظة على الذات، بين التجديد العلميّ والإبداع الأدبيّ، بين الالتزام السياسيّ والنقابيّ والحرص على استقرار المؤسّسات ودوامها. 
بعد أربعة عقود من وفاته المفاجئة، لم تنس الأجيال وجهه الضاحك، ونظرته الهازئة المداعبة والجدية الصارمة؛ ولم ينس طلبته تركيزه لقسم الألسنيّة بمركز البحوث ولا تأسيسه لشهادة الألسنيّة؛ ولم ينس النقابيّون ولا السياسيّون مواقفه، ولا مطمحه إلى تونس الحرية والعدالة والتقّم؛ ولم ينس الشارع الثقافي قصائده وكتاباته المنفتحة على ألسنة الآخر؛ ولم ينس مريدوه شغفه بلهجاتها واهتمامه بها، ولا عمله على المحافظة على لسان معياريّ عربيّ مشترك يحفظ ماضيها، وبربطه بمستقبل زاهر وموافق للعصر. كيف ننسى رجلا بدأ مسيرته بابن رشد، رمز الحداثة، وانتهت حياته وهو يدرّب النشء على تقنيّات الترجمة، آلة التفاعل بين الشعوب لأجل ثقافة إنسانيّة بحقّ».
سيتحدث في ندوة «صالح القرمادي والحداثة» عن هذا الأكاديمي والمثقف الراحل كثيرون ممن عاصروه وممن اهتموا بسيرته وآثاره على غرار زينب التوجاني ومحمد الشاوش وهاجر ليلى الهيلة ونورالدين عزيزة ومحمد عجينة وهشام سكيك وصلاح الدين الشريف وهشام الريفي ونجا المهداوي... إلى جانب قراءات شعرية من إلقاء سوف عبيد وزهرة الحواشي.
ولعلّ من أروع ما كتب صالح القرمادي بأسلوب من طراز خاص القصيد التالي من ديوان «اللحمة الحيّة» :
النّشرة الجويّة
الجِسمُ ثَقيلُ الوطْأَة
وَالقلبُ شَديدُ الاضطراب
وَالنَّفْسُ في هُبُوب
لاَ شَرقيَّة ولا غَـربيّة
والضَّمِيرُ في أَنين
منَ اليَسَارِ الى اليَمين
حَسَبَ إرادَةِ المُذيعين
وَ دَرَجَةُ البَلاَدَةِ في ارْتفَاع
سجّلَت في عقْرِ الصُّدُور فَكَانتْ
لاَ تُعَدُّ وَ لاَ تُطَاق
كَغُصَّةِ الغَارقِ يَتبعُهَا اختِنَاق
وَأَمَّا طَقسُ الغَدِ فَفي استِقرار
ثُمَّ تَنزِلُ أَمطَار نَاريَّة تُنبِتُ لَهَا أشجَار وَحشيّة
يَقْبَعُ عَليهَا المَصيرُ في التهَاب
وَ أَمَّا البَحرُ فَدَعوَة مُتحرِّكَة الى الهَيجَــان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا