الكسكسي والصيد بالشرفية في التراث العالمي لليونسكو: موروث حيّ لا يموت ورمزية ثقافية متفردة

إلى حدود سنة 2018 كانت تونس غائبة تماما عن قائمة التراث العالمي غير المادي، وبفضل مهارات فخار سجنان

التحقت بلادنا بقائمة اليونسكو، لتفتخر اليوم بتسجيل ثلاثة عناصر أخرى من هذا التراث الحي. ففي سنة 2019 تم إدراج عنصر نخيل التمر (المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات) في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. أما في سنة 2020 فقد نجحت تونس في تسجيل عنصرين اثنين في وقت واحد لدى اليونسكو، وهما الصيد بالشرفية بجزر قرقنة (ولاية صفاقس) والكسكسي باعتباره عنصرا تراثيا مشتركا مع المغرب والجزائر وموريتانيا.
بمناسبة تسجيل عنصري الكسكسي وطرق الصيد بالشرفية بجزر قرقنة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية بمنظمة اليونسكو، نظمت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، أول أمس، بمدينة الثقافة يوما ترويجيا وتحسيسيا لتثمين هذا المكسب. وقد كان الحضور على موعد مع معرض صور فوتوغرافية وورشات حية وأفلام وثائقية للتعريف بهذا التراث اللامادي الذي بلغ الشهرة العالمية.
الكسسكي تراث عالمي يوّحد المغرب العربي
لئن وصف «ابن خلدون»   الأمازيغ بأنهم «يلبسون البرنس ويحلقون الرؤوس ويأكلون الكسكس»، فإن طبق الكسكسي اليوم كان جسر لقاء وعلم وحدة جمع تحت رايته بلدان المغرب العربي الكبير في سباقها نحو اليونسكو لتسجيل «المهارات والخبرات والممارسات المتعلقة بإنتاج واستهلاك الكسكسي» في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. بفضل جهود خبراء التراث في تونس والمغرب وموريتانيا والجزائر أصبح اليوم الكسكسي تراثا إنسانيا عالميا، أما غياب ليبيا عن القائمة ففسره سفير تونس الدائم لدى اليونسكو بعدم انضواء هذا البلد تحت معاهدة اليونسكو والباب مفتوح أمامها للالتحاق بالقائمة في حال التحاقها بالمعاهدة.
ولئن يختلف إعداد الكسكسي بين البلدان المغاربية الأربعة وحتى بين الجهات التونسية في حدّ ذاتها، فإن رمزيته الكبرى تكمن في أنه الطبق المميز في الأيام العادية ووجبة الضيافة المثلى في الأفراح كما في الأتراح.
تختلف مكوّنات الكسكسي باختلاف النظم الإيكولوجية في مجتمعه ، فتختلف نكهته وتتنوع مكوناته - بين سهل أو جبل، واحة و صحراء... مما يجعله مرآة لثقافة شعوبه وبلدانه.
الصيد بالشرفية: تقنية وحرفة وطقوس
طالما استهوت تقنية الصيد بالشرفية في جزيرة قرقنة الإعجاب والفضول وهي التي تجود بألذ أنواع الأسماك دون استنزاف الثروة البحرية، وقد قيل فيها من الشعر ما يلي :
صيد السمك في البحر ليه رياسة
نصبو الشرافي مع الغزل دمّاسة
والشرفية بحصيرها وجريدها مقاديّة
فيها الدراين في البحر مرميّة
يسرح فيها الحوت ويزورها بسياسة
من جزر قرقنة الساحرة إلى قائمة اليونسكو ومن المحلية إلى العالمية، أصبح الصيد بالشرفية في قرقنة عنصرا مسجلا من عناصر التراث الإنساني بفضل اجتهاد خبراء المعهد الوطني للتراث على رأسهم الباحث عماد بن صولة الذي أهدى هذا النجاح إلى رفيقه وزميله في العمل الراحل فريد خشارم. وقد حظي ملف الشرفية بتنويه وإعجاب اليونسكو باعتباره ملفا نموذجيا وفقا لتصريح مدير المعهد الوطني للتراث فوزي محفوظ.
تمثّل الشّرفيّة مصيدة ذات انتصاب دائم في البحر والتي تعتمد على استغلال شروط الطوبوعرافيا تحت المائيّة والتضاريس البحريّة والموارد الطبيعيّة سواء على اليابسة أو في البحر.
يقترن إنشاء هذا النوع من مصائد الأسماك بممارسات طقوسية ذات طابع وقائي مثل قراءة سور الفاتحة من القرآن وإقامة الصلاة عند بدء العمل والامتناع عن تثبيتها يوم الأربعاء الّذي يحمل بعدا تشاؤميّا أو يوم الجمعة يوم صلاة الجماعة.
كما يمثل نصب الشرفية مناسبة احتفالية في أجواء وديّة للعائلة والجيران، تتميّز بالمشاركة في تناول طبق من الكسكسي مع «القديد» والزّبيب والبيض المسلوق في رمزية للخصوبة.
من التهديدات التي تتربص بتقنية الصيد بالشرفية في قرقنة وتهدد استمرارها في الزمن والمكان هي: التلوث بسبب التسربات النفطية للمصانع المجاورة، وإدخال مادة البلاستيك في النشاط البحري بدل المواد الطبيعية ... و تكاثر سرطان البحر المعروف بـ «السلطعون الأزرق» الذي يتسبّب في إتلاف محصول الأسماك.
في اختتام اليوم الترويجي والتحسيسي بمناسبة إدراج الكسكسي والصيد بالشرفية في قائمة اليونسكو تم تكريم كل الأطراف التي ساهمت في تحقيق هذا النجاح من الخبراء والجمعيات والمسؤولين... على أمل اللقاء مجددا للاحتفاء بترشيح «الخط العربي» و«الهريسة» إلى قائمة التراث العالمي غير المادي لليونسكو.
مدير المعهد الوطني للتراث فوزي محفوظ:
ندعو إلى بعث مركز وطني للتراث اللامادي
في قائمة الجرد الوطني للتراث الثقافي اللامادي القابلة للتحيين، تم تعداد 32 عنصرا من هذا التراث الحيّ اعتمادا على سبعة أصناف ، وهي : التقاليد الشفويّة وأشكال التعبير الشفويّ، الفنون وتقاليد أداء العروض، الممارسات الاجتماعيّة والطقوس والاحتفالات، الثقافة الغذائية التقليدية، الألعاب الشعبيّة التراثيّة، المعارف والممارسات المتّصلة بالطّبيعة والكون، المهارات المرتبطة بالحرف التقليديّة.
في كلمته بمناسبة اليوم الترويجي لتسجيل عنصري الكسكسي والصيد بالشرفية ، دعا مدير المعهد الوطني للتراث فوزي محفوظ إلى بعث مركز وطني للتراث اللامادي يسهر على تثمين هذا التراث وصونه والترويج لخصوصياته الفريدة من نوعها....

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا