عرض «الموجيرة» لرحيم بحريني في فضاء POLARIS بحمام الأنف: المسرح صرخة ضدّ كل الثوابت

هل يصبح الضحية جلادا؟ هل أن جلاد الأمس ضحية اليوم؟ كيف تتم المصالحة وما تأثير الثورات والحروب على المجتمعات؟، أين تتموقع المرأة في الافكار التحررية

أهي صاحبة الفعل أم هي مفعول به؟ واسئلة اخرى تطرح بجراة ودقة في عرض «الموجيرة» اخراج من رحيم بحريني.

«الموجيرة» عن نص اصلي للكاتب عبد الوهاب الجملي، هي تطويع لعوالم الجملي الى عوالم رحيم بحريني، تجربة مسرحية مختلفة ومشهدية بديلة قدمت في فضاء ثقافي وليد هو «بولاريس» بحمام الانف فكانت المسرحية التي قدمها الثنائي سيف الدين زقام وسنية زرق عيونه بمثابة الصرخة ضدّ كل الثوابت.

المسرح يكشف عن قبح المجتمع
تتغير المبادئ، تتغير الأفكار، تتغير الحروب وتختلف أسباب الثورات وحدها المرأة العاشقة تظل في مكانها وفية تنتظر حبيبها الموعود، المرأة كما أعمدة البيت يصعب هدمها أو تغيير مكانها تشبه تماما وتد خيمة شيخ القبيلة في الصحراء شامخة تعاند الريح، في «الموجيرة» الكل يتغير حسب الظرفية والمكان فقط المرأة ثابتة على الحب والانتظار.
الظلام الدامس يضع المتفرج عاريا أمام قبحه، شعاع ضوء خافت يأتي من ركن ما، صوت حشرجة دفينة مكتومة في مكان ما، تختلط الأفكار والأسئلة أهي صوت داخلي دفين يريد الخروج وسط العتمة أم هو صوت الآخرين نسمعه جليا كأنه حشرجات الموت والخوف، في العمل يدخل المخرج المتفرج في اللعبة فيعتمد على الظلمة كثيرا ليعرّى المتفرج ويجعله يسائل ذاته قليلا كما تساءل «الموجيرة» حبيبها.

الضوء في المسرحية شخصية ثابتة تدفع بالأحداث وتكون عنوان المرور من مشهد إلى آخر، في «الموجيرة» يسائل المخرج معنى الحب والوفاء، الخيانة والبقاء على العهد، الحب والخديعة، الرقة والظلم والبياض والسواد ثنائيات عديدة يعيشها الانسان وتحاول سنية زرق عيونه تجسيدها على الركح بتلقائية وشغف طفلة إلى الركح، من أثاث الغرفة يصنع ديكور العمل، ممثل ثان لا يتكلم أنينه فقط يصنع موسيقى العرض المسرحي، حوار بين امرأة ورجل مكمّم الفم لكن المرأة تتحدث بلسانه في الكثير من الأحيان وتوصل للمتفرج ما يريد البوح به، أمام ثنائية الضعف والقوة يضعك رحيم بحريني جمهور عرضه المسرحي.
«الموجيرة» امرأة تروي قصتها، تحدث الجمهور عن الرجل الذي احبته لكنه يغادر ارض الوطن ويتركها بتعلة إتمام دراسته الجامعية، تنظره بشوق العاشقين، يذبل الجسد لكن الروح تبقى جذوة لهب مشتعلة تنتظر عشقا سيأتي من الهناك، وبعد تسعة أعوام يعود ليقابلها بالبرود ونكران الماضي، صدمة النكران تحولها من عاشقة إلى راغبة في الانتقام، صدمة

نفسية تحولها من وضع الضحية إلى الجلاد، فتربطه وتعذبه تدريجيا بعدد سنوات الحب والانتظار.

القصة تبدو تبدو بسيطة لكن طريقة الطرح كانت جد عميقة نقلت مدى قوة المرأة حين تحبّ وقوتها حين تخسر، فذاك الكائن الرقيق قادر على التحول إلى وحش كاسر متى كسر قلبه وجرحت مشاعره وكل المتناقضات النفسية تمّ التعبير عنها بتماه كلي بين لعبة الضوء والموسيقى وحركات الممثلة وأدائها.

المراة كما الوطن: تهبان الحياة والموت
الصراع صراعات، صراع لأجل الحب وآخر لأجل العلم وثالث للسلطة ورابع للحرب، في «الموجيرة» تختلف أطراف الصراع التي يستشفها المتفرج من قصة المرأة العاشقة، في العمل الكثير من الدلالات على الحروب والثورات، حديث عن الحرب الباردة والحرب البولشيفية وتأثير تلك الحروب على «الهنا» وسكان المنطقة التونسية، في العمل إشارات عن أفكار الوطنية والتحرر التي سكنت الشباب في فترة ما، أفكار صدمت بجدار السلطة فتلاشى بعضها تماما كتلاشي جسد الحبيبة سنوات الانتظار والانكسار.
في اطار الترميز اختار المخرج ان يكون «وطن» هو اسم الشخصية المحورية، وللاسم رمزيته فهو الأرض والانتماء في العمل الكثير من الدلالات والإشارات، فالوطن يدفع أبناءه مرّة و يشجعهم ليحلموا فتجدهم يكملون الدراسة بالخارج وبمجرد العودة بالشهادة العلمية يكون مآلهم الزنزانة تماما كبطل القصة نراه مكبلا بالأغلال مكمم الفم، تنزف دماؤه وجلاده «وطنه» يستمتع بعذاباته.

الوطن بتناقضاته يشبه المرأة كثيرا فهي المحبة كما تحب البلاد أبناءها وهي المتجبرة والقاسية متى أحست بإنكار أبنائها لها، المرأة والوطن كلتاهما أنثى تتشاركان في ثنائية الحياة والموت فالمرأة تهب الحياة والوطن يهب الموت في الكثير من الأحيان وبين حياة وموت تكون أحداث اللقاء والفراق والحب والحرب.
تتصاعد الأحداث والانتقادات من قصة حب وعتاب امرأة لرجل تتفرع الحكاية فيجد المتفرج نفسه أمام نقد للعديد من العادات المجتمعية الخاطئة، نقد للسيطرة الذكورية ولتسطيح المرأة وتشييئها، في المسرحية «الهي» القائمة بالفعل والناطقة بالنص وكانّ إخراس «الهو» مقصود كفعل تحرري تخوضه الأنثى لتخرج من سيطرته وسطوته وقسوة المجتمع الذي يريد حصر المرأة في ركن مهمل ويختزنها فقط في جسدها الغضّ، في «الموجيرة» تعرية لقبح المجتمع وسآمته وقتامته من خلال نقد شبكة العلاقات الصدئة والقيم البالية والأفكار المرهقة للروح والفكرة، وضع للإصبع على أسباب الداء وإشارة أن هنا تكمن العلة فأنقذوا هذا الوطن العليل.
في الموجيرة المرأة هي القائمة بالفعل، هي المتحدثة بالقصة والساردة للأحداث، محاولة لاسترجاع القوة والحفاظ على البقاء هي دعوة للسؤال عن العلاقة بين الجلاد والضحية؟ وهل أن جلاد الأمس ضحية اليوم؟ هل تمكن الثورات تصنع جلادين جددا؟ وكيف يمكن المصالحة هل بالصفح؟ أم بممارسة نفس العذاب على ضحية الراهن؟ وبين اخذ ورد يكون جسد الممثل سيف الدين زقام وثيقة مفتوحة لكتابة التاريخ وسيمفونية عذابات يسمع انينها الكلّ، هي دعوة للوقوف أمام اسئلة الثورات ومحاولة إيجاد الإجابات قبل الانطلاق في ترميم أخطاء الماضي لبناء مستقبل قد يكون اقل دموية ووجعا.

فضاء «بولاريس» حلم ثقافي آخر
«بولاريس» حلم اخر يضاف إلى المشهد الثقافي بجهة حمام الانف، تلك المدينة العابقة بالتاريخ التي يحرسها بوقرنين شامخا ويعطيها البحر الكثير من أسراره تشهد ميلاد فضاء ثقافي اسمه «بولاريس» الفضاء غير بعيد عن البحر ويطل سطحه على الجبل غير البعيد، الفضاء بشجرة التوت الضاربة في القدم وورود تفتحت ترحب بزوار المكان وكتابات كثيرة عن الفن والحياة لها طابعها المميز، هو حلم مختلف لاسمه رمزيته ايضا فـ«بولاريس» اسم نجمة في السماء تشير إلى الشمال، هي دليل البحارة والمسافرين لمعرفة الطريق، واختارها رحيم بحريني اسما للفضاء «لارسم المسرح الذي اريد، المسرح الذي يشبهني ويمثلني» حسب تعبيره، واختيار الأنف سببه عدم وجود فضاء ثقافي خاص بالجهة بالإضافة إلى تاريخها وجغرافيتها الساحرة كما تقول سنية زرق عيونه.

و «بولاريس» اسم الشركة ايضا وسبب تاسيس شركة للانتاج المسرحي «عندي برشة خرافات، لذلك أسسنا شركة انتاج مسرحي والفضاء لتكون نقطة البداية لاحلام مسرحية لن تنضب» كما يصرح رحيم بحريني خريج المعهد العالي للفن المسرحي ومدرسة الممثل بالمسرح الوطني وكاتب ومخرج مسرحي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا