رواق «علي القرماسي» في العاصمة: معرض الفنان محمد فنينة.. دع الريشة ترقص لتكتب عوالـم النشوة والخلود

افتح يديك وأرقص، در حول نفسك مرة ومرات علّك تصل الى النشوة والراحة النفسية، احبّ ذاتك وجسدك وارقص فالرقص حياة و للريشة رقصتها الخاصة،

رقصات دائرية تنثر من خلالها الألوان المبهجة فتحمل المتفرج عنوة الى عوالم الحب والخلود حيث الجمال الابدي حيث زرقة السماء المفتوحة و رائحة الزهور البرية العطرة جميعها صور اختزلتها ذاكرة محمد فنينة وحين اراد تحرير تلك الصور ترك لريشته حرية الرقص فكتبت ورسمت اجمل التعبيرات.
هذه التعبيرات جاءت في شكل عشرين لوحة تشكيلية تعرض منذ يوم 20اكتويبر في رواق القرماسي بالعاصمة ضمن افتتاح الموسم الثقافي 2020 - 2021 في معرض شخصي لمحمد فنينة بعنوان «عوالم الدراويش»، لوحات تغوص في عالم الصوفيين وتحوّل رقصاتهم الى لوحات تشكيلية مميزة.

البحر مبحث تشكيلي مفتوح
الى عوالم الدراويش الساحرة، الى رقصاتهم المبهرة الى دورانهم حول النفس إلى حدّ الشعور بانتفاء الجسد وتحليق الروح في ملكوت السماء واقترابها من الله بكل تجلياتها وكأننا امام قولة «يا أنت ذا الفكر المقيد، هل قدماك طليقتان أخيرًا؟، أدركت أن الحركة أيضًا سر، في الحركة تصبح الحرية أكيدًا بلا إسار لذا ماء البئر وماء الطل مختلفان»..
الى عوالم مبهرة وفاتنة تكون رحلة الريشة، الرحلة التي انخرط فيها محمد فنينة منذ اعوام ليكتب رحلة الدراويش ورقصاتهم الصوفية بطريقة لونية جد مختلفة ومبهرة، في لوحاتهم تشعر انّ اللون يتحرّك، القليل من التركيز يجعلك تدخل بين الالوان وتحاول الكشف عن طياتها وكأنك تبحث عن الحقيقة الذي يبحث عن الدراويش وهم يرقصون.
في رواق القرماسي بشارع شارل ديغول تعرض قرابة العشرين لوحة، عشرون قصة عشق، عشرون حكاية حبّ وتمازج عجيب بين الفكرة واللون والحركة، في عوالم الدراويش التي سحرت لبّ الفنان التشكيلي تدور عوالم الرسم، امام العشرين لوحة ستشعر انّ الريشة رقصت حقا وهي تدور لتكتب ملامح اللوحة النهائية.

اللون الازرق الطاغي سيشدك اليه قد يرميك في اعماق بحر التفكير و البهاء ستقف مدهوشا وأنت تحاول فكّ شيفرات التمازج بين الالوان وتلك الخطوط الدائرية غير الواضحة ولكنك تستشعرها متى امعنت النظر في اللوحات ستجدك تغوص الى الاعماق الى اعماق البحار والمحيطات وكأنك تبحث عن الحقيقة وذاك العالم السفلي المليء بالحياة ابدع فنينة في نقله على المحمل «هي امتداد لتجربتي الصوفية، لكن بشكل تجريدي أكثر عمقا هذه المرة، كما تحضر تيمة أعماق البحار بقوة، بحكم تأثري بتجربتي الحياتية في سلطنة عُمان، وممارستي لصيد الأسماك أثناء الغطس» كما يعلق الرسام عن لوحاته،فعالم ما تحت الماء وتلك الزرقة الطاغية سكنت ذاكرته البصرية وحوّلتها الى رقصة مميزة.

الازرق بتدرجاته ميزة اعمال محمد فنينة، الازرق بمختلف دلالاته يكون العنصر اللوني الاساسي في معرضه الشخصي، الازرق الملكي والأزرق السماوي، الازرق في تمازجه مع الابيض و الاحمر وكأنه يحاول الكشف عمّا تختزنه ذاكرة الفنان اللونية والتشكيلية ومحاولة كتابة تلك الالوان في لوحات تميزت بكبر حجمها واعتمد فيها الفنان على تقنيات متجددة في الرسم مثل الرسم دون ملامسة المحمل وتقطير الالوان على القماش حتى تكون الالوان اكثر عمقا والتجديد في الرسم تجديد في التجريد والتجريب الذي يخوض غماره الفنان منذ خمسة اعوام وهي تواريخ رسم اللوحات المقدّمة في المعرض الشخصي لتونسي تشبّع بحبّ البحر وكشف اغواره وحوّل غموضه الى لوحات تشكيلية مبهرة.

الريشة ترقص لتصنع متعتها
تتصيد الألوان لحظات السؤال وتحوّلها الى نشوة، البنفسجي يتماهى مع الاخضر ليكتب عوالم تشكيلية ولونية مختلفة، في الاحمر سؤال عمّا بعد الموت وهو سؤال يطرحه الدراويش اثناء رقصتهم وفي الابيض سلام روحي داخلي يستشعره الراقص اثناء الدوران والاخضر عادة ما يكون دلالة على البهاء امّا الازرق فعنوان الخلود والانطلاق والامتداد كذلك يمتدّ اللون في كل اعمال محمد فنينة قديمها وجديدها.

عن معرضه الجديد يقول الفنان «هذه الأعمال في فكرتها التي أشتغل عليها ضمن التواصل مع الجمهور وتقديم الجديد الذي أرى فيه مواصلة لتجربتي من حيث البحث عن الابتكار و التجريب، انها محاولة لإحياء الذات الحالمة وقد كانت اللوحات متنوعة، وبخصوص التقنية سعيت الى تعبيرات مختلفة وأقحمت البحر كموضوع جمالي من خلال التّشاف والحركة في العمل ضمن التلقائية والعفوية كما يحضر الجسد والخطوط بشكل لافت».

التلقائية التي تحدّث عنها الرسام تستكشفها وأنت تتجول في الرواق وتقف مطوّلا امام اللوحات، اللون يناديك للرقص، الالوان المتناسقة والمتجانسة تشبه انين الناي وموسيقى العشق التي تجعل الدرويش يرقص ويرقص إلى حدّ الذوبان في عوالمه الخاصة، الوقوف أمام العشرين لوحة يكون فيها اللون عنوان للسيادة ستجدك منتبها وانت تردد مولانا هو اللون اليه نرقص وحول جماله ندور، مولانا خطّ مستقيم ودوائر منها نستمد البهاء وفي حركة الريشة نذوب تماما كما راقص المولية.

رحلة راقصة، رحلة تتراقص داخلها الالوان والحركات لتتناسق مع رقصة الدراويش المغرية بالبحث والسؤال، محمد فنينة فنان دائم التجديد والتجريب، سحرته رقصة الدراويش فانخرط في اعادة كتابتها لونيا ومنذ اعوام وهو متمسك بمساره التشكيلي الذي اصبح بصمة في الفن التشكيلي مع بعض الاضافات حسب الفكرة والتجديد في التقنيات، رسّام تونسي يؤمن بذاته وبقدرته على صناعة منحى فني يشبه ويشبه البحر الذي عشقه فكانت رقصة الدراويش الفكرة التي ولدت من رحمها تجربة تشكيلية مختلفة تنطلق من الرقص الصوفي وموسيقاهم المميزة لترسم على محامل من القماش ذات نفس تجريبي يحمل المتفرج الى عوالم السؤال فالفن سؤال وبحث او لا يكون.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا