مرايا وشظايا: إلى متى الوزارة بلا وزير؟ الثقافة من الأزمة إلى الاحتضار!

يسقط الفنانون كأوراق الخريف موتا ومرضا ، ويحترق المبدعون كالشموع ليضيئوا الطريق وينيروا الدروب... وعندما يرحلون سرعان ما ينسوا كأنهم لم يكونوا!

وحدهم المحظوظون من تصلهم الأضواء وفضول الجمهور فيسارع الوزراء إلى زيارتهم والتقاط الصور التذكارية معهم... أما الأقل حظا وشهرة فينعزلون مع وحدتهم ووجعهم ويقايا ذكريات عن أمجاد فن غابر حتى يغادروا الحياة بعد يأس وبأس !

حتى لا يجوعوا ولا يتشردوا في دولة لا تحترم نخبتها الفنانة، خرج عشرات الفنانين في وقفات احتجاجية متتالية في مدينة الثقافة ثم أمام قصر الحكومة بالقصبة ليس لطلب المؤونة أو المعونة بل للمطالبة بعدم منع أنشطتهم وإيقاف عروضهم وتركهم يعملون ويعيشون ... وأمام وعود كوهم السراب انفض المحتجون على أمل مراجعة قرار إيقاف التظاهرات الثقافية وعدم إحالة مئات العائلات على البطالة القسرية في زمن الكورونا.

إلى اليوم ، لا شيء تغيّر ولا شيء تحقق... وحده الركود أصاب بالشلل الفضاءات ودور العرض ووحده الكساد ضرب الحياة الثقافية في مقتل. كأننّا بهذه البلاد لم تتشّرب طوال تاريخها من أهمية الفنون ومتعتها وقدرتها على مداواة النفوس العليلة حتى تغدو خالية من المسرح والشعر والسينما والرقص والرسم...
ما ذنب الثقافة حتى تدفع لوحدها الثمن ؟ فلا عروضها استمرت وتواصلت، ولا أبنائها سلموا من البطالة والعطالة، و لا وزارتها منعت من الفراغ وشغور منصب الوزير !

بعد أن أطاح رئيس الحكومة هشام المشيشي برأس وليد الزيدي عقابا له على مساندة الفنانين في الدفاع عن موطن رزقهم وفنهم، تمّ تعيين وزير السياحة الحالي حبيب عماّر وزير للشؤون الثقافية بالنيابة منذ 5 أكتوبر 2020.
وإلى الآن لم يقم رئيس الحكومة بتعيين وزيرا للشؤون الثقافية في الوقت الذي تتحرك فيه الوزارة على بحر من الرمال والألغام ويتخبّط فيه منظوريوها في وضع متأزم قابل للانفجار في كل لحظة.

يبدو أن هشام المشيشي اختار التأني والتدبر في اختيار «الرجل الناسب في المكان المناسب» ليبرهن على إيلاء الثقافة المكانة التي تستحق في اعتبار الحكومة لأن الوضع لا يحتمل خسارة ثانية و»مغامرة» أخرى في تعيين شخصية بلا كفاءة ولا خبرة ولا دراية على رأس الوزارة، ولكن في المقابل هذا التأخير في تسمية وزير الشؤون الثقافية بدأ يثير الملل و الضجر في صفوف الفنانين. وطالما طالب المبدعون باستمرار وزراء الشؤون الثقافية حتى لا تتعطّل البرامج و لا تتوّقف الإصلاحات ولا تُقبر الوعود ...

من هنا وهناك، برزت بعض التسريبات التي تتحدث عن خيار دمج وزارة الشؤون الثقافية مع وزارة السياحة، هو ما رفضه الفنانون و مختلف النقابات في تأكيد أن «وزارة الشؤون الثقافية يجب أن تكون وزارة سيادية لما يعطيه الدستور التونسي من أهمية للثقافة الوطنية مع مطلب التفعيل الحازم والجدي لفصول الدستور التي تكفل رعاية الدولة التونسية للمبدعين والإبداع الفني والثقافي كخيار استراتيجي».

عند صراخهم الهادر وحقّهم المهدور، يتمسك المبدعون بفنهم كمنتهى عشقكم وكنه حياتهم، و يردد كل فنان «لم يبق بي موطئ للخسارة: حرّ أنا قرب حريتي وغدي في يدي».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا