مسرحية «غربة» لحمزة بن عون: العزلة ميزة الإنسان المعاصر

المسرح فضاء للنقد وتفكيك المجتمع والظواهر الاجتماعية، المسرح مساحة حرّة للغوص في الظواهر النفسية

التي اصبحت جزء ومن منظومة حياة الانسان المعاصر مثل الخوف والعزلة والكآبة، الركح فضاء للنقد وللجرأة وطرح البديل كما في مسرحية «غربة» من اخراج حمزة بن عون.
غربة هي ثاني تجارب حمزة بن عون في الاخراج والمسرحية هي الانتاج الجديد لمركز الفنون الركحية والدرامية بمدنين وهي من تمثيل لسعد جحيدر ونادية تليش والاضاءة لصابر النقاز وصوت لوسام سيف النصر وملابس جليلة المداني وديكور الحبيب الغرابي.
الغربة غربات والخوف ميزة الانسان المعاصر
المسرح رحلة كما الحياة، الحياة دائرية كما مسرح الحلقة والمسرح ممارسة نقدية وفلسفية يخوض غمارها الباحثون عن اشكال ابداعية مسرحية جديدة ومن ضمنهم تجربة حمزة بن عون في مسرحية «غربة»، شكلا المسرحية تبدو بسيطة حوار بين شيخ وعجوز لمدة ساعة لكن المتأمل لمضامين المسرحية يجده امام العديد من الرسائل والشيفرات منها محاولة النبش في ذاكرة الانسان وذكرياته لنقد الشأن العام وانطلاقا من الشخصي يمكن الغوص في العام والمجتمعي.
ديكور بسيط كرسيان وضعا على الركح، الضوء يوزع الفضاء الى مجموعة من الاروقة تتماهى مع اروقة الحياة ومختلف مراحلها، وتعالج المسرحية الشعور بالغربة الذي يعيشه الانسان المعاصر وصراع مع الزمن من خلال محاولة «سعيدة» (نادية تليش) اقناع زوجها «النوري» (لسعد جحيدر) بالخروج الى الخارج ليتمشي قليلا ويخرج من الحلقة المفرغة والجدران الضيقة، لكن محاولاتها تنتهي بالفشل لخوف الشيخ من الخارج المجهول «الحومة مانعرفوهاش» و «نخاف نضيعوا ونتوهوا» و كذلك لتشابه الداخل والخارج من حيث البشاعة والعدمية وكذلك الثبات «شنوة الفرق بين الداخل والخارج كيف كيف، كل شيء حابس كيف امس كيف اليوم وغدوة».
عنوان المسرحية «غربة» ومعنى الاسم يتماهى مع الموضوع المطروح الغربة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الانسان المعاصر، غربة من اختار الجدران للمكوث داخلها خوفا من العالم الخارجي، الزوجان هما عينة عن الكثيرين من التونسيين الذين اصبحوا يعيشون حالة اغتراب وخوف خاصة بعد ازمة الكوفيد19 التي اثرت سلبا على العديد من التونسيين واجبرت الكثيرين على العزلة خوفا من المرض وخوفا من الاخر، الغربة في العمل كناية عن حالات الاغتراب التي يعيشها تونسيون آخرون يرفضهم المجتمع فيجدون انفسهم في دائرة مضيقة ويحاولون ان يغلقوا نوافذ التواصل مع المجتمع، هي الرهبة التي بات يتشاركها التونسيون في مجتمع العولمة والتقدم التكنولوجي المتسارع، الغربة في المسرحية استعارة للاغتراب الذاتي الذي يعيشه الفرد احيانا وصراع بين الداخلي والخارجي صراع العقل و القلب والحق والواجب وصراع الحياة والموت في نهاية المطاف.
الحركة بطيئة، شيخ وعجوز، الوقت يمرّ ببطء، بطء رتيب وقاتل، يتحركان على الركح بكل تؤدة وصعوبة، الحركة تتماهى مع موضوع العمل وكأن الممثلين قد بلغا من العمر عتيا وهما فعلا شيخ وعجوز يتحركان بكل تلقائية رغم الوهن، كان الممثلان صادقين في الاداء وتقمّص الشخصية من حيث طريقة النطق وطريقة الحركة والتعبير، بطء يعيشه المتفرج أيضا فهما نجحا في حمل الجمهور الى عوالم الشيخوخة وما يحيط بها من تعابير الخوف والسؤال والوهن.
غربة هي صراع « الوقت « (البارح قتلي نخرجوا اليوم، واليوم تقلي غدوة» فالزمن في المسرحية أزمان الماضي والحاضر والمستقبل لكن الازمان تشترك في كونها بطيئة ومضجرة وتشبه القاطرة المتوقفة منذ اعوام في احالة على الكآبة التي باتت تلازم الانسان الذي يمضي وقته في انتظار اللاشيء.
اداء مقنع وتماهى الممثل والشخصية
غربة نفسية ومجتمعية، غربة اقتصادية وسياسية وفكرية هكذا هي ميزة اغلب التونسيين هذه الغربة نقلها حمزة بن عون في نصه لمسرحية «غربة» التي قدمها الثنائي لسعد جحيدر ونادية تليش، رغم بساطة الطرح لكن العمل ذو بعد نقدي عميق اذ حاول تفكيك الصراعات النفسية التي يعيشها التونسي وعلى الركح طرح الممثلون مجموعة من المواضيع المتعلقة بالانسان عموما واغترابه في عوالم التواصل الافتراضي والعولمة والتطوّر التقني، فكلما شهد العالم ثورة تقنية كلما ضاقت دائرة الحوار والتواصل مع الاخرين أصبح الإنسان أحيانا حبيس متر مربع وشاشة الهاتف او الحاسوب.
«غربة» مسرحية موجهة لشريحة مجتمعية هامة هي فئة الشيوخ (المتوقع ان تصل الى 14،1 ٪ من مجموع السكان في العام 2012) لها حضورها المجتمعي وكان بكاتب النص اراد مرافقتهم بعد التقاعد وحاول طرح الاسئلة عن كيفية عيش الشيوخ؟ وكيف ينظرون الى العالم الخارجي؟ وهل أنهم حقا هم حبيسو الجدران عنوة أم هو اختيار؟ واسئلة اخرى جسّدها ثنائي من افضل ما انجبت الساحة المسرحية بمدنين.
على الركح ممثلان اثنان، الممثل التوّاق للنجاح والاقناع لسعد جحيدر ابن مدنين، ممثل مسرحي يتميز بالحنكة و الحكمة وكلما صعد على الركح اعطى الكثير من روحه للدور والشخصية.
والممثلة المثابرة والمتالقة نادية تليش، التي جسدت دور العجوز، نادية العشرينية بدت على الركح وقد تجاوزت السبعين بشعر ابيض وظهر مقوّس وصعوبة في الحركة و الكلام، الممثلة الموهوبة اتقنت الشخصية جيدا درست تفاصيلها وتقمصتها بكل الحرفية والصدق، ونادية تليش من الممثلات المميزات في ربوع الجنوب التونسي واغلب مشاركاتها في اعمال مركز الفنون الركحية بمدنين كانت ناجحة وتميزت فيها الممثلة من «كعب الغزال» الذي كان اول مشاركتها بثلاثة ادوار مختلفة وراقصة الى «رايونو سيتي» و «او لا تكون» وعملت مع مخرجين كبار مثل انور الشعافي وعلي اليحياوي ، نادية تليش ممثلة مثابرة ومشاكسة استطاعت ان تفرض ذاتها وتنحت مسارا فنيا يشبهها كثيرا، ممثلة محترفة وطفلة مشاكسة كلما لعبت دوؤرا وحاولت أن تتألق وتشدّ انتباه المشاهد، وفي شخصية «سعيدة» بدت عجوز وكانت تلقائية إلى حدّ الصدق.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا