رحيل الفنان المصري محمود ياسين: وجه محبوب وصوت رخيم عصيّ عن النسيان

هي رحلة عمر من الفن بقيت منحوتة في الذاكرة كالوشم، بعد أن تقاسم فصولها ركح المسرح وشاشة السينما

وتلفزة الدراما وأستوديو الإذاعة ... هي مسيرة ثرية الحقول وخصبة المحطات قطفت من كل بستان زهرة ورددت في الأرجاء صدى صوت جميل، رخيم. حتى وإن ودّعنا محمود ياسين الوداع الأخير فإن ذكراه ستبقى حيّة في القلوب كخلود أعماله وحضوره وإبداعه....
قتلته الإشاعات أكثر من مرة، نشروا خبر موته مرارا وتكرارا... لكن رحيله هذه المرة لم يكن إشاعة مغرضة بل كان حقيقة مُرّة أعلنت يوم أمس عن انتهاء فصول العمر في حياة الفنان الكبير محمود ياسين عن عمر ناهز 79 عاما.
كفة الفنّ ترجح على كفة المحاماة
في وقوفه أمام الكاميرا بكل كاريزما وبمنتهى الإقناع، كان فنانا كبيرا يجيد الإبهار ويثير الإعجاب... ولئن ربح الفن محمود ياسين فلا شك أن المحاماة قد خسرت خطابة الرجل وفصاحته ... لم يشتهر محمود ياسين فقط بأدواره المسرحية وبطولاته السينمائية وإطلالته الدرامية بل أيضا بخامة صوت عذبة تترك وقعا حسنا في الأذن. لقد وّقع محمود ياسين بصوته المميز على تقديم الكثير من المناسبات الفنية والتعليق على العديد من الفعاليات الوطنية. وعندما رافق صوته فلم «الرسالة» للمخرج مصطفى العقاد للتعليق على الأحداث عشقه الجمهور العريض من المحيط الهادئ إلى الخليج الهادر هذا الصوت الشجي أكثر وأكثر !
في مدينة بورسعيد ولد محمود ياسين عام 1941، وتخرّج من كلية الحقوق عام 1964 . إلا أن حبل الوّد بين المحاماة ومحمود ياسين سرعان ما انقطع، إذ اختار الفنان التفرغ التام للفن هواية ومهنة وحياة.
« فتى الشاشة العربية الأوّل» في أفلام خالدة
بدأ محمود ياسين مشواره على خشبة المسرح القومي عقب هزيمة 1967، بمسرحية «الحلم» مع المخرج عبد الرحيم الزرقاني وقدم بعدها أكثر من 20 مسرحية، أبرزها: «حلاوة زمان» 1971، و»ليلى والمجنون» 1972، و»عودة الغائب» 1978، و»وا قدساه» 1985، و»الخديوي» 1993.
بعد النجاح في المسرح التحق محمود ياسين بعالم السينما، وكانت البداية مع أدوار ثانوية عام 1968 في فيلمي «الرجل الذي فقد ظله»، و»القضية 86»... إلا أن انطلاقته الحقيقة وشهرته الواسعة كانت على شاشة فلم «نحن لا نزرع الشوك» سنة 1971 والذي شاركته فيه البطولة الفنانة شادية.
في السبعينيات حقق محمود ياسين شهرة عربية واسعة وكسب قاعدة جماهيرية منحته لقب «فتى الشاشة العربية الأوّل» حيث اقتسم بطولة الأفلام مع أشهر نجمات السينما المصرية على غرار شادية ونجلاء فتحي ومديحة كامل وميرفت أمين ... كما أبدع محمود ياسين في دور العاشق الرومانسي والشاعري وأبلى البلاء الحسن في تقمص شخصية الجندي المصري على غرار أفلام «الرصاصة لا تزال في جيبي»، و«الوفاء العظيم» و«فتاة من إسرائيل»...
على الشاشة الصغيرة، أحب المتفرج حضور محمود ياسين الطاغي وأداءه القوي ونظرته الواثقة... وحتى ابتسامته الحزينة. من «الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان» مرورا بـ «العصيان» وصولا إلى «ماما في القسم»... حجز هذا الفنان إقامة دائمة في ذاكرة الجمهور لم تنس في حياته ولن تنسى بعد وفاته.
في رصيد محمود ياسين حوالي 150 فيلما وحوالي 70 مسلسلا تلفزيونيا وأكثر من 20 مسرحية و14 مسلسلا إذاعيا....وقد منحته هذه المسيرة الثرية بكل سخاء تتويجات وتكريمات تجاوز عددها 50 جائزة منها على سبيل الذكر لا الحصر جائزة الدولة عن أفلامه الحربية عام 1975 وجائزة مهرجان الإسماعيلية لسنة 1980 وجائزة السينما العربية في أميركا وكندا 1984... في 2005 تم اختياره من قبل الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع.
محمود ياسين وعشقه لتونس
إبّان الثورة التونسية تم إطلاق إشاعة مفادها تهجم الفنان محمود ياسين على انتفاضة الشعب التونسي وهو ما فنّده الفنان المصري مؤكدا احترامه لتونس وتقديره لأهلها سيما أنها احتضنت تصوير أبرز الأفلام في مسيرته الفنية ومنها فلم تم تصويره بالكامل في مدينة بنزرت. وفي أحد حواراته الصحفية عبّر محمود ياسين عن عشقه لمهرجان أيام قرطاج السينمائية  الذي شارك فيه مرات عديدة سواء بأفلامه أو بصفته عضوا في لجنة التحكيم أو رئيسا للجنة قائلا:» لي ذكريات عديدة وجميلة في مهرجان أيام  قرطاج السينمائية  بموقعه في شارع الحبيب بورقيبة وقربه من تونس القديمة بكل تاريخها وتراثها العربي والجمالي الكبير».
بعد آخر فلم في مسيرته بعنوان «جدو حبيبي» مع الفنانة بشرى عام 2012، كان محمود ياسين مرشحا لمشاركة النجم عادل إمام بطولة مسلسل «صاحب السعادة» عام 2014، إلا أن حالته الصحية لم تسمح له باستكمال التصوير. فقد أجبر الزهايمر الفنان الكبير على قضاء آخر سنين العمر في عزلة عن الجمهور والأصدقاء بعد أن ضاقت ذاكرته بحفظ عشرات ومئات الأدوار عن ظهر قلب طيلة مسيرة فنية عصية عن النسيان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا