في رواية «مأزق تشايكوفسكي» لشوقي برنوصي: جرأة في تعرية «المثلية الجنسية» كمحنة وجودية ومأزق بلا أفق !

كثيرا ما تكون الرحلة على متن القطار سفرا أكبر داخل السفر الصغير. فالقطار يحملنا من محطة صعود يلتقي فيها المسافرون

إلى محطة نزول يفترق فيها الرّكاب، ولكن لكل مسافر الحرية في التحليق على أجنحة الخيال للوصول قبل القطار إلى وجهة ما أو أمنية ما أو إلى افتراض المستقبل... كما أن له القدرة على العودة إلى الماضي في حنين أو ندم أو بوح... كل هذه العوالم والهواجس والتأملات رافقت شوقي برنوصي في رحلة قطار أثمرت ميلاد رواية شيّقة وجريئة، انطلقت أحداثها عند بداية الرحلة وانتهت بتوديع أبطالها عند محطة الوصول.
عند قراءة رواية «مأزق تشايكوفسكي» لشوقي البرنوصي، يتراكم لدينا الوعي كلما تقدمنا في فصولها الـ34 وصفحاتها الـ 180 بأنّ هذه الرواية هي بالفعل اكتشاف! وليس من الغريب أن تفوز أّول رواية لشوقي البرنوصي والصادرة عن منشورات سوتيميديا بـ«جائزة الاكتشاف» ضمن مسابقة «الكومار الذهبي» لسنة 2019.
كسر «التابو» في الرواية التونسية
إلى مناخات «تشايكوفسكي» الأثيرية وعبقريته الموسيقية، يسافر بنا عنوان الرواية «مأزق تشايكوفسكي» لشوقي البرنوصي. ويتأكد استدعاء هذا الفنان الروسي لتوقيع رواية تونسية مكتوبة على إيقاع موسيقاه عندما يختار بطلها الاستماع إلى رائعته «بحيرة البجع» كرفيقة له في رحلة سفره على متن القطار. شيئا فشيئا، مع تقدم سير القطار عبر محطات رحلته كان السارد يتوّغل بنا أكثر فأكثر في قلب أحداثه وعمق شخصياته ... فإذا بسرّ العنوان ينكشف لنا ! لقد استعار شوقي البرنوصي سيرة حياة « تشايكوفسكي » الذي لم يمت بالكوليرا كما روت المصادر رسميا بل مات منتحرا بعد الكشف عن مثليته الجنسية. فإذا بالقارئ أمام «مأزق تشايكوفسكي» مربك و متعب...
بعيدا عن صورة المثلي «المخنث» أو المائع أو التافه... أخرج الراوي بطله في صورة الأستاذ الجامعي المثقف الذي يمتلك مستوى محترما من الرقي الفكري والأخلاقي إلا أنه يصارع ميولات جنسية إلى جنسه، فشل في التخلص منها رغم محاولاته العديدة ورغم هروبه إلى الزواج عساه يضع حدا لأزمته.
بعد الثورة التونسية على وجه الخصوص طفا إلى السطح موضوع المثلية الجنسية وحظي بقدر لا بأس به من الاحتجاج والغضب والسخط مقابل مطالبة أقلية بحريتهم الجنسية لكن المسألة بقيت من المحظورات «التابو» التي تثير الهلع عند ذكرها ومحاولة إشعال فتيلها... يحسب للروائي شوقي برنوصي امتلاك شجاعة ولوج هذا العالم المرفوض اجتماعيا وجرأة كشف أسرار الكائن «المثلي» وخلع أزرار الرداء المقنع الذي يختفي وراءه.
تحليل نفسي لشخصية «المثلي»
طبعت لوحة «فيس تونسي» للفنانة التشكيلية نجاة الذهبي غلاف رواية «مأزق تشايكوفسكي» لشوقي برنوصي. هذه اللوحة كانت أصدق تعبير عن فحوى الرواية باعتمادها تقنية «الكولاج» لرسم رجل نصفه ذكر ونصفه الآخر أنثى !
في اقتفاء أثر «العطب» النفسي والشذوذ الجنسي لدى بطله «مروان»، عاد بنا مهندس الرواية شوقي برنوصي إلى تفاصيل الطفولة وعهد الصبا والشباب ... فكانت رحلة القطار فسحة من المكاشفة والبوح رواها «مروان» على لسانه بمنتهى الصدق وكشف الأقنعة. لقد لبس صاحب الرواية نظارات المحلل النفسي ليغوص في أعماق شخصية غير سوية أجبرتها البيئة الأسرية الباردة والمتوترة على البحث عن السعادة في مكان آخر وأسرة أخرى حيث ارتبط بعلاقة جنسية مع صديقه «زهير» .
في مرحلة الدراسة الجامعية كما في تجربة الزواج، كانت ازدواجية الرغبة الجنسية تتنازع البطل وتضرب عرض الحائط كل محاولاته في الصمود والظهور في صورة «غير المثلي». أمام قمع المجتمع ورقابة «الأنا الأعلى»، خاض البطل معركته الكبرى النفسية والبيولوجية والوجودية للتأكد من حقيقة ميوله الجنسية وحسم أمره في البحث عن سعادته مع جنس واحد بعينيه. كان صراعا مرّا ومنهكا يترجم مأزق «المثلي» الذي قد يقود إلى الانتحار كما فعل «تشايكوفسكي» !
بطلان اثنان والمأزق واحد !
يكتب شوقي برنوصي الرواية وينظم الشعر ويترجم الأدب... إلا أن ممارسته مهنة الهندسة والصيانة الصناعية كان لها أثرها وبصمتها في بناء روايته الأولى «مأزق تشايكوفسكي» وفق بناء هندسي منسجم المتن و متوازن الفصول ودقيق التفاصيل... في لغة سلسلة و سردية مشوّقة لم تخل من شاعرية ومرجعيات تشكيلية وموسيقية... لم يشأ صاحب «مأزق تشايكوفسكي» أن يشوّش ذهن القارئ بزحمة الأحداث وكثرة الشخصيات بل سلّط دائرة الضوء على شخصيتين اثنتين من جنسين مختلفين ليمسكا بمقود السرد ويتناوبان على قيادة الرواية إلى فصلها الأخير، كل على طريقته في التفكير ووفق فلسفته في الحياة.
هو «مروان» الأستاذ الجامعي وهي «فاطمة» الصحفية الإذاعية جمعهما عقد زواج دون أن تربط بينهما علاقة زواج متينة ومتوازنة. لم يتخلص الزوج من عقده النفسية واضطراب هويته الجنسية التي رافقته منذ الطفولة بسبب تنشئة أسرية غير مستقرة. كما لم تستطع الزوجة أن ترتقي بمفهوم الزواج بعيدا عن الجنس والشهوة وهوس الأمومة... فوقع كلاهما في المأزق وصعب عليها الخلاص !
كاد الفراق أن يكون قدر «فاطمة» و»مروان» إذ ارتمت هي في أحضان نزوة عابرة وسافر هو للقاء صديقه في الطفولة «زهير» والذي قال عنه في الصفحة 10 من الرواية ما يلي « وجدتُ مع زهير جميع النكهات. أحببتهُ و لم أُحبَّ أحدًا مثلهُ. كان جنّتي فوق هذه الأرض الملعونة .»
قبل القرار الأخير الذي اتخذه «مروان» بعد يأس ومعاناة، وفي اللحظة الحاسمة التي نزل فيها في محطة سوسة للالتقاء بصديقة «زهير»، جاء الخبر المفاجئ ليبعثر ترتيبات البطل ويعصف بكل محاولات المصالحة مع نفسه ومع حقيقة ميوله الجنسية. لقد فتح البطل هاتفه على رسالة ملحة من زوجته «فاطمة» تخبره فيها بحملها وعدم استعدادها للتخلي عن الجنين. يقول مروان :»«وقفت في ذهول، حاملا هاتفي. عاودت قراءة الرّسالة مرّات. ضاق جسدي بي. منعت خروج صرخة من أسفل حنجرتي، رغم أنّها كانت حاجتي الوحيدة للتنفيس عن شعور غريب اعتراني. كان الأمر خليطا من الغضب والحقد والخوف والشفقة والحنان الأبويّ. على أيّ زرّ ضغطت يا فاطمة؟».
هنا تنتهي الرواية كما بدأت ضمن بنية هندسية دائرية، انفتحت عند السؤال «أين الزرّ؟» وانغلقت على نفسها وهي تسأل «أي زر؟ّ» لكن الحيرة لم تنته والارتباك لم يزول والمأزق بقي بلا أفق ! هو مأزق الإنسان في كل زمان ومكان في صراعه مع الذات والمجتمع والوجود سيما إن كان يحمل «مأزق تشايكوفسكي» !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا