مسرحية «الشافي والعافي» اخراج كمال الصغير في اختتام أيام المسرح بتطاوين: بين المال والسياسة تضيع إنسانية الإنسان

المسرح مسارح والمسرح وسيلة للنقد وتعرية المجتمع وعلاته والكشف عن «الزيف السياسي» المنتشر في هذا البلد، المسرح فرصة

لقول الحقيقة وتوجيه المواطن ليعرف حقوقه ويكتشف هو اخر نقائصه وهنّاته وضيق افق تفكيره، المسرح فعل متمرد ومشاكس هكذا هو المسرح مع «الشافي والعافي» لكمال الصغير التي قدمت في اختتام مهرجان ايام المسرح بتطاوين.
المسرحية من تأليف أنيس حمدي وإنتاج شركة «تاكابس للإنتاج المسرحي» بدعم من وزارة الشؤون الثقافية وهي مقتبسة عن رواية «Bouvard et Pécuchet» للكاتب الفرنسي «غوستاف فلوبار» (1821 - 1880) الذي توفي قبل أن يجعل لها نهاية، وقد نُشرت بعد وفاته  وقد تونسها انيس حمدي وصاغ لها نهاية وهي من تمثيل ناجي القنواتي وانيس حمدي وهاجر غرس ومحمد البرهومي وغسان مبارك.
الركح فضاء للبوح
تعددت المواضيع المطروحة في المسرحية، يبدأ العمل في شكل أروقة يقسمها الضوء الممثلون ينظرون إلى الخلف، تتحرك الأجساد متسارعة في تماهى مع النوتات الموسيقية المرتفعة، طريقة الوقوف كانها تطرح اسئلة الى ما ينظرون؟ لماذا تلك الوقفة؟ لماذا اختاروا عدم النظر الى الجمهور اولا؟ وبتقدم الأحداث تقدم إجابات عن الاسئلة المطروحة فهم ينظرون الى باب الانسانية المفقودة يبحثون عنها في الظلام علّهم يجدونها وسط الفوضى والتطور التكنولوجي السريع.
«الشافي والعافي» هو اسم العمل وهو اسم الشخصيتين المحوريتين التي تدور حولها وبهما احداث المسرحية، لكن بقية الشخصيات من صنع الأحداث فالمسرحية تكشف الزيف بين الظاهر والباطن وتدعو الى مزيد التمعن في الحقائق الظاهرة، فما خفي عادة هو الحقيقة وليس ما يظهر للناس.
«الشافي والعافي» (ناجي القنواتي وانيس حمدي) رجلان يتشابهان، في طريقة التفكير في طريقة الحياة كلاهما يعيش بمفرده، جمعتهما الحياة صدفة في خضّم رحلة البحث عن سيارة تاكسي، يتعارفان، تتحول الصدفة الى لقاء قهوة فدعوة الى البيت فحديث حدّ ان تصبح القصة صداقة جمعت رجلين انهكتهما الحياة وصراعاتها، ووسط الكثير من الحكايات تصل برقية إلى الشافي «ناجي القنواتي» تخبره انه وريث عمه وورث منه الكثير من الأراضي لتتحول الاحداث من شقة الشافي الى ضيعة كبيرة في ريف جميل ومن هناك تبدأ رحلة اخرى بمعاناة مختلفة.
«الشافي والعافي» أنموذجين عن الإنسانية، كلاهما يحمل داخله قلبا نقيا وحبا للحياة، مغرمان بالشعر والمسرح و الفلاحة البيولوجية، المال وسيلة لمساعدة الدولة ومحاولة اصلاح ذلك الريف البعيد والمساهمة في توفير كل الضروريات ليصبح اجمل، لكن «الماكينة» لا تريد ذلك، فالمؤسسة الحزبية والسياسية والرأسمالية ممثلة في المعتمد وسيدة الأعمال وأحد العملة يريدون المال فقط لإنجاح أعمالهم الخاصة وتبييض موقفهم الحزبي متناسين حاجيات الناس والريف، ومن هنا يحدث الشرخ بين الحلم والواقع، بين الانسان والانتهازي، فالشافي والعافي انموذج عن التونسي الصادق المحب لوطنه والفنان الحالم والانسان العامل الباحث عن الافضل لمدينته فبلاده، لكنّ المنظومة اشد قساوة والمنظومة هدفها سياسي حزبي ومصلحة خاصة على حساب مصلحة الوطن.
الهزل نقد والجد مشاكسة
السينوغرافيا عنوان لقوة العمل، المخرج أحسن توظيف الموسيقى في المسرحية فكانت دافعا لإمتاع المتفرج و تسهيل الانتقال من مشهد إلى اخر، اختار المخرج ان يكون العمل في شكل مشاهد يفصل بينها بإيقاع موسيقي يشبه الركض وكأنه انتقال سريع من مرحلة الى أخرى ومن فكرة إلى أفكار أخرى.
الموسيقى تتماهى مع ضجيج السيارات وسرعة الناس في أعمالهم وحياتهم اليومية، جميع الأحداث تدور في مربع وضع باللون الابيض على الركح هو محور القصص وخارجه تختلف الأحداث وكان بالمخرج يحدد فضاءاته المكانية والفكرية.
«الشافي والعافي» هو الاسم العربي للعمل ويقابله بالفرنسية ratage وتحيل الى معجم الكذب والزيف، وعلى الركح يكتشف الجمهور الكثير من الكذب الذي يميز المجتمع التونسي في تعامله مع الاخر والدولة، المسرحية هزلية مضحكة لكنها ناقدة ومشاكسة، عمل ينقد المعاملات وينقد علاقة التونسي بوطنه.
على الركح محاولة لتشريح كذب السياسيين في وسائل الاعلام وتزلفهم للأحزاب وانبطاحيتهم امام الناخبين فقط ليصوّتوا لهم قبل العودة إلى حقيقتهم «وانتهازية وانانية وخدمة الحسب لا الدولة»، نقد لأصحاب راس المال الذين يسعون وبكل السبل للحصول على المشاريع والصفقات باسم خدمة المجتمع المدني وبمجرد الحصول على صفقة او مشروع تكون النتيجة الكثير من الفساد وللتونسي في الطرقات والتجهيز والبنية التحتية ابرز مثال، فالمسرح فعل نقدي هو مشاكسة للسلطة والمجتمع والمواطن علّه يستفيق من أحلامه وصمته ويطالب بحقوقه.
«الشافي والعافي» عمل مسرحي يجمع الكوميديا والتراجيديا، مسرحية تنقد الكثير من العلاّت الموجودة في المجتمع التونسي، فالثنائي بنزوله إلى الريف محملا بالأفكار والحب والرغبة في التغيير يتعرض إلى الكثير من الزيف والكذب من قبل المحيطين، فالمعتمد يدعي انه يحب الشعر فقط ليوفر الدعم المادي للانتخابات و مدام لبيض تدعي اهتمامها بالمسرح والفلاحة البيولوجية لأجل الحصول على نسبة من الأموال لأجل مشاريعها الخاصة، والعامل هو اللعبة التي يقع تحريكها، فالمسرحية تضع المواطن أمام لعبة سياسية علّه يستطيع فك شيفرات اليومي ويفهم ما تخفيه كلمات السياسيين.
«الشافي والعافي» صراع الانسان لأجل البقاء وصراع المواطن الصالح مع منظومة فساد، هي قراءة مسرحية للمشهد التونسي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، عمل يفككك المنظومة ويسلط الضوء على الحقائق المخفية، عمل نقدي ومشاكس يدفع المواطن للوقوف امام ذاته ليسائل نفسه ويسالها ما الذي قدمته لوطني؟ هل أن الحب والعاطفة دليل على وطنيتي؟ ولماذا اصدق السياسيين وأعيد انتخابهم وهم يقدمون نفس الخطاب دون منجزات؟.
علي اليحياوي مدير مركز الفنون الركحية:
التظاهرة خطوة جريئة للتأسيس والحلم
«الحياة تتواصل والحلم يتواصل أيضا، يجب ان نواكب أنشطتنا وننجز الفعل الإبداعي لتجاوز الخوف والرعب، ففي حالات الحرب أيضا كان هناك إبداع مسرحي، نريد زرع بذرة ثقافة الفرجة في تطاوين» هكذا تحدث علي اليحياوي مدير مركز الفنون الركحية والدرامية بتطاوين، الذي لبس قبعة الفنان والمسرحي طيلة المهرجان، من حيث حضور كافة العروض والالتزام بالنقاش ومحاولة جلب الجمهور بعيدا عن قبعة المدير ويضيف محدثنا «المهرجان كان في لحظة ما مغامرة، لان الوقت جد حساس مع الظرفية الصحية الموجودة لكننا اكتشفنا جمهور متعطّش للنشاط الثقافي».
وبخصوص اختيار العروض يقول اليحاوي «نحن لم نختر العروض إنما العروض الموجهة لتطاوين من قبل ادارة المسرح فقط حرصنا على اختيار اجودها والتزمنا بتقديمها في ظروف تحترم الفنان والمتفرج، لتكون هذه الدورة خطوة ثابتة للتأسيس، هي دورة تأسيسية تجريبية، جربنا تفاعل الجمهور واحتياجات المتفرج للمادة الثقافية وهي أرضية لندرس الدورة القادمة واحتياجات مدينتنا للفرجة، ومن المؤكد ان الدورة المقبلة ستكون أكبر كما ستكون هناك دقة في اختيار العروض وانفتاح على التجليات الفنية الأخرى مثل الموسيقى والأنشطة الفكرية والنقد، وسيكون للاطفال نصيبهم في المهرجان وسنقدم لهم ايام المسرح بتطاوين للأطفال، فمن حقنا الحلم ومن واجبنا الدفاع عن أحلامنا ليكون لتطاوين قاعدة جماهيرية مسرحية» على حد تعبيره.
دورة أولى كسبت الرهان جماهيريا
أيام المسرح بتطاوين لبنة أخرى للإبداع تجربة أخرى تضاف للمشهد المسرحي بالجنوب التونسي، تظاهرة في دورتها التأسيسية ولدت من الفراغ وفي ظرف وجيز، المميز في التظاهرة القدرة على جلب الجمهور فعادة اغلب العروض المسرحية خارج تظاهرات معينة تكون محدودة العدد لكن أيام المسرح بتطاوين استقطبت عدد محترم من الجمهور أولا، والجمهور ازداد من عرض إلى أخر.
النقطة الثانية هي انجاز النقاش والتفاعل مع العرض، في اليوم الأول كان عدد المناقشين قليل جدا لكن مع تقدم العروض تضاعفت الأعداد وأصبح للجمهور رأي وموقف وتجاوز الساعة من الزمن أحيانا وهو ما يؤكد اهتمام المتفرج بالفن متى سنحت الفرصة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا