أثر توفيق بكّار وحسين الواد في تحديث الدرس القرائيّ بالمدرسة التونسيّة «»

«وتركك في الدّنيا دويّا كأنّما تداول سمع المرء أنمله العشر»

• تم تقديم هذه المداخلة في ملتقى عن «تأصيلُ الحداثة من توفيق بكّـــار إلى حسين الواد» من تنظيم

الجمعيّة التّونسيّة للتّربية والثّقافة التي يرأسها الأستاذ رضا كشتبان بتاريخ 25 جويلية 2020.

لم أتردّد لحظة حين عرض عليّ الصّديق رضا كشتبان المشاركة في احتفاليّة إحياء ذكرى أستاذين جليلين تركا أثرا عميقا في كلّ من جلس إليهما دارسا، وفي كلّ من اطّلع على ما تركاه من تراث نقديّ يكاد في أغلب مكوّناته يُلهينا عند قراءته عن الخطابات المدروسة؛ ليرغمنا على التوقّف عند الخطاب الدّارس طلاوتِه وحلاوتِه وجودةِ سبكه وحبْكه واتّساقه وانسجامِه وقدرته على أن يهزأ بما ذهب إليه صاحب الإمتاع في ليلته الخامسة والعشرين؛ إذ ما عاد الكلام على الكلام صعبا، لأنّه مع توفيق بكّار وحسين الواد ماتع معتّق لذيذ حلو يفرض على اللغة العالمة طلاوة العبارة مُكوّنا نشوئيّا محايثا لصرامة المنهج وعقلانيّة البناء وحداثة المنوال.
عند قبولي دعوة صديقي رضا، لم أفكّر في مسألة بعينها يُمكن أن تكون موضوع كلمة تُلقى في حضرة أساتذتي وأصدقائي، ربّما لأنّ البال كان مشغولا وقتها بهواجس العودة إلى تونس في زمن الكورونا، أو ربّما لأنّ نشوة الدّعوة قد هزّتني واستبدّت بي، ولكن كما يقول المثل التونسيّ العريق بتفصيح عبارته: «طارت نشوة السكر وحضر الدائنون» حين شرعت في التفكير في موضوع حديثي بهذه المناسبة. 
فماذا أقول في علامتين بارزتين في تاريخ الدّراسات الأدبيّة والإنسانيّة في الجامعة التّونسيّة، وفي أيّ مجال من مجالات حداثة تفكير الرّجلين سأخوض؟ 
جزء مهمّ من الإجابة عن هذين السؤالين وجدته في بيت المتنبّي الّذي صدّرت به كلمتي؛ فالأثر الحداثيّ يصعب أن يكون نقطيّا نؤّرخ له بلحظة بعينها في خطّ سير الزمان؛ لأنّه سيرورة وصيروة، هو دويّ السيرة الذي يخلخل الثوابت ويرجها رجا ويدفعها إلى أن تتحولّ لتنخرط ضمن مسار جديد ليس لها إلّا أن تتجدّد ضمنه أو تتيبّس فتموت. ومن ثمّ فأثر الرّجلين في أيّ مجال من المجالات الّتي اهتمّا بها أكاديميّا وثقافيّا لا يُقاس بأطروحة أو كتاب واحد أو بعام بعينه، وإنّما بالقيم الأكاديميّة والثقافيّة الّتي أنتجاها ونشراها في مسيرتيهما فأنتجا بها اتّجاها قد تكون فاعليّته زمن ظهوره الأوّل محدودة، ولكنّه يتّخذ من جدّ الرّجلين وابتكاريّتهما ونجاحهما في فرض صورة الأستاذ النّموذج ظهيرا ليحفر في مجرى التاريخين الأكاديميّ والثّقافيّ عميقا حتّى يؤثّر فيه ويطبعه بما أنتجه أستاذانا وبما انتسبا إليه فكرا ووجدانا، فتكونَ الحداثةُ. 
من هذه الزاوية تيسّر أمر الحديث عن توفيق بكّار وحسين الواد، فهما بحكم موقعيهما من تاريخ الجامعة التونسيّة قد ساهما في تخريج أجيال من المدرّسين والباحثين الذين كان لهم شأن في مسيرة المدرسة التونسيّة، وأسهما في بناء مراسم جديدة للدّرس الأكاديميّ في سائر مكوّناته البيداغوجيّة والمعرفيّة، وكان لهما الفضل في نفض الغبار بحكم طبيعة مشغليهما الأكاديميّ عن نصوص كثيرة وأدباء ما كان لبعضنا أن يسمع بهم وبإبداعاتهم لو لم يكونوا من بين المتون النصيّة التي اختبر بها أستاذانا مختلف المناويل النظريّة الّتي عرّفانا بها وساهما بها في تغيير تقاليدنا القرائيّة. الأثر إذًا في حديث عن الساحتين الثقافيّة والمدرسيّة يكاد يكون مباشرا،  ولنا أن نجمله في جانبين متظافرين: جانب أوّل يُدرك من خلال ما أحدثته أجيال المتخرّجين من قسم اللّغة العربيّة في كلّيات الآداب ودار المعلّمين العليا من تغيير في تركيبة مدرّسي اللّغة العربيّة بمدارسنا التونسيّة ومن تحوّل في اتّجاهات درس اللّغة العربيّة سنفصّل القول فيه لاحقا، وجانب ثان ماثل في وقع التناول الأكاديميّ الذي عُرفَ به أستاذانا لنصوص الشعراء وكتّاب الرّواية والقصّة القصيرة وأعمال الرّسامين والمسرحيّين والسينمائيّين في توسعة دائرة مستهلكي المنتوج الثقافي، وفي الإسهام في إنشاء ملامح يقظة قرائيّة أقدّر نشأتها تاريخيّا بنهاية الستينات وطيلة أعوام السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، وهذه اليقظة نجحت في تثبيت مناويل جديدة في تناول الأثر الإبداعيّ حرّرت -وإن نسبيّا- الفعل النقديّ من دائرة الانطباع المحض ليصبح أكثر رصانة وعلميّة؛ لأنّه يُسند الذوق والانطباع بمنطق العلم.    
لم تنته حيرتي عند هذا الحدّ رغم ظفري ببعض الإجابة، إذ سرعان ما انبجس سؤال آخر مجاله هذه المرّة مفهوميّ، فلماذا التّحديث بدلا من الحداثة؟ ولماذا القرائيّ بدلا من القراءة؟ وهل من فرق بين طرفي ثنائيّة كلّ مجال (الحداثة/ التّحديث) (القراءة/ القرائيّة)؟
على الرّغم من صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع للحداثة، فالثابت عندي على الأقلّ أنّنا حين نقارن بين الحداثة والتّحديث نجد أنفسنا لغة أمام صيغتين تشتركان في الجذر نفسه وتجمع بينهما المصدريّة ولكنّهما تختلفان تجرّدا وزيادة ومن ثمّ دلالة، ونتبيّن أنفسنا اصطلاحا أمام انتقال وظيفيّ من مفهوم فلسفيّ معقّد تخلّق من رحم الجدليّة الأبديّة القائمة بين القديم والجديد لا بحدّهما الزّمنيّ وإنّما بدلالتهما على نسقين من التفكير متقابلين: نسق ثابت يأبى الحركة والحركيّة والتغيير وينظّر لعبوديّة السّبل المسطورة، ونسق حركيّ حيّ يتّخذ من معنى كسر الأنساق السائدة وتجاوزها الدّائم والتحرّر من كلّ ما من شأنه أن يحول دون الإنسان والظّفر بما به يُحسّن شروط إقامته في العالم، إلى مفهوم ثانٍ هو كالأوّل في مقاصده، ولكنّه لم ينشأ نشأة طبيعيّة؛ إذ فرضته سلطة مّا لفرض تغيير منشود وإن بتسريع مجازيّ لما تقتضيه حركة التّاريخ. هو انتقال من مفهوم يقود ضرورة عند استعماله إلى تبنّي رؤية منظوميّة تمسّ كلّ جوانب الفكر البشريّ تأسيسا لقيمتين مركزيّتين في العالم الحداثي: الحريّة والتحرّر، إلى مفهوم مماثل ظاهرا ولكنّه مختلف عن الحداثة ينطلق مثلها من الغاية ذاتها ولكنّه في الآن نفسه إراديّ قصديّ محكوم بسلطة تفرض التغيير وتدفع إليه دفعا. إذا من الحداثة إلى التحديث نحن ننتقل من حالة تكاد تكون طبيعيّة فرضها منطق جدليّة القديم والحديث، وأثرها في صياغة تفاصيل تاريخ إقامة الإنسان في العالم، إلى حالة مستحدثة أنشأتها قوّة أو إرادة مّا شاءت للواقع تغييرا سريعا قد لا يلائم نسق التغيير الذي تقتضيه الحالة الحداثيّة، وقد ينجح مثلما قد يفشل في مسعاه، وفي هذا فرق جوهريّ بين الحداثة والتّحديث: الحداثة طور ملموس في تاريخ الإنسان يعاش ويُدرك في القيم الثقافيّة المهيمنة في المجتمع، أمّا التحديث فحالة تقع بين الوجود بالقوّة والوجود بالفعل قد ترصد آثارها وملامحها في مقامات وقد تختفي في أخرى لتحلّ محلّها قيم الانغلاق والجمود والتقليد. 
بهذا التمييز الأوّل بين الحداثة والتحديث أوجّه رأسا إلى موقف يلزمني أرى فيه أنّ الرّاحلين وإن ساهما مع غيرهما في بناء اتّجاه إلى الحداثة في صفوف طلبتهم الّذين تحمّلوا مسؤوليّة التدريس في المدارس التونسيّة، إلّا أنّ هذا الاتّجاه ما يزال يعيش مخاض الولادة منتظرا فجره الأصيل، وهذا رأي لي أستلهمه من الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي التونسيّ؛ فمجتمع يختبئ بعض أفراده أيام رمضان مفطرين ولكنهم في الآن نفسه يلعنون جهرا كلّ مفطر، يمجّدون تحرّر المرأة خطابا ويعنّفونها واقعا، بتباهون بالحريّة مكسبا ويطاردون كلّ صاحب فكر حرّ لا يُمكن أن يكون مجتمعا حداثيّا، ومجتمع يختار فيه الناخب خريج الآداب والإنسانيّات في  الجامعات التونسيّة الشعبويّ والمتحيّل والمتاجر بقضايا الهويّة ممثلا له في البرلمان لا يمكن أن يكون مجتمعا حداثيّا، ومجتمع يلعن الحداثة نهارا ويناجيها ليلا لايزال في ظنّي سجين نمط عيش وتفكير جامدين لايُرجى منهما نفع في إنقاذ المجتمع من أزمته الراهنة؛ لأنّ «المشاكل الجديدة لا تُحلّ أبدا بعقول قديمة».
قد يكون هذا التّمييز الأوّل الّذي أجريته بين مفهومي الحداثة والتّحديث، وإن لم يبلغ الغاية، كاشفا عن أسباب اختياري التحديث موضوعا بدلا من الحداثة، فتوفيق بكّار وحسين الواد باعتبارهما معًا رمزا يُجسّد فئة فعّالة في واقعها وحالة حداثيّة، بل ومشروعا حداثيّا نرنو إليه، عنوان لطور من أطوار السير بهذا المجتمع إلى وجهة حداثيّة تغيّر أنساق التفكير والسلوك السائدة وتستبدل بها أنساقا جديدة سقف انتظارها مجتمع حرّ متحرّر وعقل جبّار منتج للمعرفة، وقد يلوح هذا التمييز الأوّل بين الحداثة والتحديث عنوان قراءة نقديّة لما آل إليه الواقع التّونسي أيّامنا هذه وما أفرزه من حالات يأس تغمر النخب خاصّة عندما ترصد البون الشاسع بين واقع منشود نُسجت تفاصيل الحلم به في مدارج الجامعة وفي نوادي الأدب والقصّة والسينما وموجود تعاينه هذه النخب وتعايشه وتعانيه وتقاوم اتّجاها يريد جرّ البلاد والعباد إلى قيم ما قبل الحداثة.
هذا عن الحداثة والتّحديث، فلماذا الدّرس القرائيّ بدلا من درس القراءة؟ أو بعبارة أخرى لماذا القرائيّة بدلا من القراءة؟
نحن أيضا مع هذين المصطلحين أمام مفهومين متجاورين حدّ التّداخل، فالقراءة (Lecture/ Reading) كفاية تقبّلية معتمدة أساسا في الوسط المدرسيّ، وينظر إليها دوما في صلتها بثلاث كفايات أخرى (الاستماع / المحادثة والكتابة) وخلاصتها في المنظور التربويّ اللساني مهارة المتعلّم في فهم المكتوب (المرقوم). أمّا القرائيّة (Littératie. Littéracie/ Literacy) فمفهوم تخلّق من رحم حركات محو الأميّة؛ إذ كان يعني بداية تأهيل من كان أمّيا أو ناطقا بغير لسان أهل البلد ليصبح قادرا على فهم المعلومة المكتوبة/ المرقومة في حياته اليوميّة (التواصل) ابتغاء تحقيق أهداف ذاتيّة (الانخراط في مجتمعه) وتوسيع آفاقه المعرفيّة وقدراته وإثراء خبراته، غير أنّ هذا المفهوم قد اتّسعت اليوم دائرته الدلاليّة ليشمل أشكال توظيف المقروء كلّها. بهذا التمييز نلاحظ أنّ التمكّن من القراءة سبيل للقرائيّة، فالقراءة مشغلها لغويّ والقرائيّة موضوعها علاميّ، والعلاميّ أشمل من اللّغويّ، القراءة تقبّل يُدرّب فيه المتعلّم على آليّات الإدراك تمكّنا من مسارات تقبّل المثيرات الحسيّة وتأويلها وعلى التمثّل قدرةً على إدراج المقروء ضمن سياقات نصيّة أو ثقافيّة أو ضمن نماذج جماليّة أو ضمن تمثّلات خاصّة هي حصيلة تعلّمات سابقة، والقرائيّة تحوّل تقبّل القراءة إلى إنتاج للدّلالة وبناء للمعنى يتجاوز في أثره أسوار المدرسة إلى الحياة، القرائيّة بنية ثقافيّة واجتماعيّة حيّة لا تكون إلّا في مجتمع يتبنّى الحداثة منوالا في التفكير والعيش؛ فهي -أي القرائيّة- تؤصّل الفعل القرائيّ وتوجّهه إلى وظيفتين أساسيّتين أراهما ضمانة أساسيّة من ضمانات استدامة خبرات التعلّم: الوظيفة البنائيّة بما تعنيه من ضرورة بناء مسارات نُقرّ معها بأنّ نموّ المتعلّم رهين قدرته على بناء المعارف والخبرات القرائيّة وإعادة تنظيمها، لتصبح كلّ وضعيّة قرائيّة وضعيّة معرفيّة في حال تقبّل دالّة على طور ما من أطوار نموّ القارئ. (من التقبّل إلى الإنتاج، من التّحليل إلى التّأليف، من صوغ الاستنتاجات إلى بناء الفرضيّات...)، والوظيفة النّسقيّة ومعها يتمّ تحديث الخبرات ومراجعتها خاصّة في ظلّ انفجار المعارف وتسارع وتيرة إنتاجها وتقاصر عمرها الافتراضيّ وتغيّرها المستمرّ، وينجح المتعلّم في تعديل رؤيته للعالم، ومواقفه إزاء ذاته ومحيطه بما يكفل له تحيين إجاباته عن مختلف أسئلة الوجود الحارقة حتّى يُحسن الإقامة في هذا العالم.
بهذا التمييز الثاني بين القراءة والقرائيّة اتّضحت لي ملامح الأثر المنشود للرّاحلين في تغيير حال الدّرس القرائيّ في المدرسة التونسيّة، فهما قد ساهما كلّ بطريقته في صياغة تحوّل منهجيّ أقدّره بحكم التّجربة الشّخصيّة قائما على طورين كبيرين:
أمّا الطور الأوّل فضمنيّ، امتدّ إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي تسلّلت فيه الثقافة القرائيّة منهجا خفيّا يظهر في خطابات أجيال خرّيجي دار المعلّمين العليا وكلّية الآداب. في هذا الطّور وجد الخرّيج الجديد نفسه أمام برنامج تسيّجه أهداف عامّة لا أثر فيها لقضايا المقروء وأشكال بنائه وأنماط الخطاب فيه كلّ ما في الأمر رحلة مدرسيّة انتقائيّة مع تاريخ الأدب وإشكاليّات عامّة همّها مع النصّ القديم تحويله إلى وثيقة تاريخيّة ومع النصّ الحديث تبيّن مظاهر حيرة الكتّاب والأدباء إزاء قضايا الوجود. ورغم ضبابيّة البرامج الرّسميّة وسلطتها، فقد نجح خرّيجو الجامعة من جيل السبعينات والثمانينات كلّ بمقدار في فرض عادات في القراءة المدرسيّة جديدة استثمروا فيها ديداكتيكيّا وباجتهادات فرديّة ما درسوه من أسلوبيّات ومناهج في بناء درس القراءة في المدارس التونسيّة.
وأمّا الطّور الثاني فصريح معلن كانت ولادته الرّسميّة مع قانون الإصلاح التربويّ لسنة 1991، وفيه تغيّرت البرامج في مفرداتها وفي هندستها وفي توجيهاتها البيداغوجيّة والتعليميّة التعلّميّة فظهر جيل جديد من الكتب المدرسيّة والأدلّة المنهجيّة التي غيّرت ملامح درس القراءة في المدرسة التونسيّة، وحوّلت ما كان منهجا خفيّا في الطّور الأوّل إلى منهج رسميّ معلَن ملزمٍ بسلطة القانون لكلّ أساتذة اللغة العربيّة. هذا التغيير الحاسم حوّل درس المناهج والأسلوبيّة والأدب واللّغة في الجامعة التونسيّة إلى مادّة للمعالجة الديداكتيكيّة فأصبح تلميذ الابتدائيّ والإعداديّ يعتمد صناديق هوكت في التحليل النّحويّ ويستعمل في خطابه مصطلحات نوع النصّ ونمط كتابته، وأصبح تلميذ الثانويّ يتحدّث عن البنية والدّلالة، ويميّز بين الخبر والخطاب، ويتبنّى في تعامله مع النّصوص وإن بشكل ضمنيّ آليّات منهجيّة تتيح له الانتقال في تقبّل النصوص من مستوى النّظام (Niveau organisationnel) إلى مستوى الكلام (Niveau Discursif) فمستوى الإعلام (Niveau Informationnel) ثمّ مستوى الفائدة (Niveau d’intérêt). هذا التّغيير أظهر في الساحة المدرسيّة أسماء حسين الواد وعلي الغيضاوي ومحمّد القاضي ومحمّد قوبعة وعبد المجيد الشّرفي وتوفيق بكّار وصالح بن رمضان وفرج بن رمضان وصلاح الدين الشريف وشكري المبخوت ومحمود طرشونة، وكشف أنّ سبيل التحوّل من القراءة إلى القرائيّة ممكن بشيء من الشراكة بين المنتفعين بالخدمة المدرسيّة، وشيء من الجرأة على الجديد.
أثر الرّجلين الرّمزين لم يتوقّف عند هذا الحدّ الرّسميّ فحسب؛ إذ نشأت من رحم النصوص الشارحة والمدوّنات المدرسيّة المصاحبة ثقافة مدرسيّة جديدة جعلت تلميذ الثّانويّ يعتمد مقدّمات سلسلة عيون المعاصرة ما به يفهم بعض المتون الأدبيّة المبرمجة في المدرسة بل ويستلهم من لغة أصحابها ما به يُقيم أسلوبه في تحليل الخطابات، ويستلهم من قراءة بكّار مغتسلة أبي نواس ما به يستمرئ حلاوة الصورة الشعريّة في شعر القرن الثاني ويعتمد «تدور على غير أسمائها» وسيرة الغائب ومدخل إلى تحليل النصّ السرديّ مراجع يُعمّق بها خبراته النقديّة ومن ثمّ القرائيّة، تلميذ البكالوريا آداب يستدلّ بالمتنبّي والتّجربة الجماليّة عند العرب في مقالاته عن المتنبّي ويناقش البنية القصصيّة في رسالة الغفران بمقارنة أقوال حسين الواد فيها بآراء صالح بن رمضان وفرج بن رمضان في تخلّق القصّة من رحم الرّسالة الأدبيّة، ويعتمد حمادي صمّود في قراءته للحدث الجاحظيّ وصلة المنزع العقليّ عنده بعصر التّدوين، ويحاكي شعريّة لغة توفيق بكّار عندما يقرأ النصّ المسعدي وصرامة الصادق قسومة عندما يحلّل شحّاذ نجيب محفوظ...
    هذه وقائع لعلّها تكون لدينا دليلا على أنّ الأثر الحداثيّ في تغيير درس العربيّة قد تمّ ولكن بتحديث فرضه قانون الإصلاح التربويّ 1991؛ إذ ثمّة فروق جوهريّة حاسمة بين أجيال البرامج الرسميّة القديمة لدرس العربيّة والكتب المدرسيّة المصاحبة لها، وما أُنجز زمن إصلاح 1991، وهي فروق أحملها على تطوّر طبيعيّ في تصوّر درس العربيّة بحكم تطوّر الفاعلين التربويّين في هذا الدّرس، وتغيّر المستفيدين من الخدمة التعليميّة في درس اللّغة العربيّة. كلّ ما أخشاه أن نعبث بهذا المسار التطوّري الّذي يبني في نظري شراكة حقيقيّة بين الجامعة ومختبرات البحث فيها والمدرسة، وأن يسطو المتطفّلون المحتالون المتحايلون على أعمال المتخصّصين ومواقعهم، وأن يستبدّ بمدارسنا راسبوتين بدلا من توفيق بكّار وحسين الواد. هذه خشية حقيقيّة ولا عيب فيها لأنّها نابعة من وعي بأنّنا فعلا في مفترق طرق، فإمّا حياةٌ وإمّا فناء، وإمّا مدرسة منقطعة عن حركيّة العالم من حولها جامدة ميّتة لا تنتج سوى جثث تُحسب على المواطنة زورا وبهتانا، أو مدرسة حيّة جميلة مخرجاتها كاللّغة الشّعريّة اللغة شعريّة، قادرة على احتضان أشكال تجريبيّة معقّدة وعلى بعث الحياة في إدراك استمرأ النوم وعلى إيقاظ وعي جديد أو متجدد بالعالم (رايموندويليامز: طرائق الحداثة، الفصل الأوّل: الحداثة والنظريّة الثقافيّة، ص 15)، مدرسة نحلم بها ونريدها رغم علمنا بأنّ طريقنا إلى الحداثة ما يزال طويلا، ويحتاج منّا فعلا إلى أن نمرّ بمدرستنا من مدرسة القراءة إلى مدرسة القرائيّة.

بقلم:   سامي الرّحموني 

 مُحاضر بكليّة المعلّمين بالبحرين

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا