آخرها مجسّم سلحفاة بحرية في الكرم: من يتحمّل مسؤولية الإساءة إلى جمالية الشوارع والمدن ؟

«ثمّة مدن نسكنها وأخرى تسكننا، ومدن نكتبها وأخرى تكتبنا...» وثمة مدن نرسمها فننصفها جمالا وحنينا ، ومدن أخرى نسيء رسمها فنخطئ وصفها...

عند مداخل المدن التونسية تستقبلك منحوتات متنوعة ومجسمات مختلفة للعابرين والزائرين والمارين من هناك ، ولكنها كثيرا ما تستفز عين المتفرج لا لجمالها بل لقصر الأبعاد الجمالية فيها ومحدودية خيال أصحابها في إخراجها في صورة العمل الفني المدهش والمثير للاهتمام والفضول. كم نحتاج إلى أعمال فنية تعلق بالذاكرة ولا تنسى في مداخل مدننا حتى لا ننسى ذكريات تلك المدن !

آخر ما صدر من مجسمات قيل عنها أن غايتها تجميلية هي منحوتة تم تركيزها بمدينة الكرم في شكل مجسم لسلحفاة بحرية أثار السخرية ولم ينل الإعجاب أو حتى الرضا !

سلحفاة الكرم: نبل الرسالة والإخفاق الجمالي
في الحضارات القديمة ترمز السلحفاة إلى العمر الطويل والخلود والصبر الطويل ... وفي معتقدات الهنود اتخذت السلحفاة رمز إله يحمل العالم على ظهره... وما بين البر والبحر تعيش السلحفاة متقوقعة داخل قوعتها في سلام. لكن هذا السلام بات مهددا رغم أن السلحفاة حيوان مسالم بطبعه !
ولأن السلاحف البحرية تواجه خطر الانقراض سيما بسبب التلوث وابتلاع الأكياس البلاستيكية في تونس، فقد ارتأت بلدية الكرم برئاسة فتحي العيوني التنبيه إلى ضرورة حماية هذه الثروة الحيوانية حفاظا على التوازن البيئي.
في مدينة الكرم وتحديدا على مستوى مقترق الطرق المؤدي إلى شط الكرم، تم تركيز مجسم لسلحفاة بحرية تواجه خطر النفوق بسبب لفظ موجة بحرية لها... وإن تبدو الغاية نبيلة والمقصد شريفا، فقد أخفقت المقاربة الجمالية للمجسم في حصد الإعجاب من أول نظرة وإثارة الاهتمام إلى عمق القضية المطروحة.
ولا يتعلق الأمر بمجسم سلحفاة الكرم فحسب، بل في كل مرة يتم فيها إنجاز مجسم جديد من شمال تونس إلى جنوبها، إلا ويصبح ذاك المجسم محل سخرية وتنديد بتبديد البلديات للمال العام !

إقصاء البلديات للمبدعين والمختصين يعمّق القبح !
لئن كان النحت من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية ولولاه لما بقي من إرث الحضارات تماثيل وشواهد على العصر ، فإن هذا الفن ليس مجرد مجسمات ذات أبعاد ثلاثة أو مجرد خامات ومواد تتشكل في هيئة ما ... بل إنه ذاك الفن القادر على جعل الصامت ناطقا والساكن حيا عبر شفرة بصرية يرسلها الفنان ليستقبلها المشاهد فيكمل نحتها في خياله أو محاورتها كما يروق له فكره...

ولئن كانت كل مدينة في تونس تختزن إرثا حضاريا ثمينا وموروثا ثقافيا غنيا وسيرة أعلام وعلماء، إلا أنه كثيرا ما تأتي التماثيل والمجسمات في مداخلها على عكس ما تستحق من عمق واختلاف وخصوصية.
قد يكمن الحل في استشارة البلديات للمبدعين من مختلف الأجيال وتشريكهم في تصوّر سيميولوجيا الشارع وجماليّة الفضاء العام وعدم إقصاء الخبراء والمختصّين عند تخطيط برنامجها التجميلي وتنفيذه....

وكثيرا ما طالب الفنانون والمواطنون على حد سواء البلديات بضرورة تشريك المعهد العالي للفنون والحِرف على نحو رسميّ، بوصفه المؤسسة الأكاديمية المعنية بإبداء الرأي في برامج تجميل المدن واستشارة المجتمع المدني في وضع مخطط مشهدية المدينة... حتى لا تكون النتيجة في النهاية مفقرة من أبجديات جمالية الفضاء العام مقابل تكريس ثقافة المجسمات المحنطة والخرساء والتمثل السيئ للموروث إلى درجة غلبة الفولكور والسطحية الركيكة والرؤية العقيمة.

ولئن كان العالم يفتخر بتماثيل ومنحوتات ومجسمات في الشوارع تجلب الأنظار وتستقطب السياح لالتقاط صور تذكارية، فإن بلديات تونس في حاجة إلى إلقاء نظرة على أعمال الفنان الأمريكي «مارك جنكينز» الذي أبدع منحوتات في أماكن متنوعة تجسد شخصيات في وضعيات مختلفة تستفز كل مشاهد لها لا لأنها تبدو حقيقية فقط ونابضة بالحياة فحسب بل لأنها تذّكر العابرين في الطرقات بمأساة ملايين البشر معاناة المشردين والمفقرين والمضطهدين حول العالم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا