العرض الأول لـ «الأحدب» إخراج حاتم مرعوب في دار الثقافة ابن رشيق: مسرحية انصهر فيها الرقص والغناء

«إن الفن ليس الحياة الواقعية، بل ليس صورتها المنعكسة، إن الفن في ذاته قوة مبدعة خلاقة، وهو يخلق حياته الخاصة،

إنه جميل في صورته المجردة، وهو فوق الزمان والمكان.» والمسرح فنّ الحياة فنّ المستحيل فنّ معانقة كل تفاصيل الجمال وتقديم مشهديات ولغة مسرحية ناقدة وحالمة كذلك هي مسرحية «الاحدب» التي قدم عرضها الاول في دار الثقافة ابن رشيق هي للمخرج حاتم مرعوب المهتم بمسرح الطفل.
«الأحدب» رحلة تشكلت من الرقص و الغناء لمعانقة الحياة، فيتجلى لنا الحب في أبهى صورة من أجل البحث عن لحظة صدق ممكنة، عمل مقتبس عن قصة «احدب نوتردام» لفيكتور هيغو وفي العمل كلمات الاغاني للشاعر صلاح بن عياد وموسيقى عادل بوعلاق و توظيب عام لرياض توتي وكوريغرافيا لخديجة اليزيدي وديكور لكافية الراجحي وتصميم ملابس لريم هميسي وتمثيل يسرى الطرابلسي ومروى الطرابلسي وصبري الجندوبي وايهاب بن رمضان وحسان الحناشي..

الرقص ينتصر لأنه حياة
يقدم حاتم مرعوب في اعماله المسرحية رسائل تربوية وتوعوية دائما وفي الاحدب هناك العديد من الرسائل التي تعلم الطفل الجمال وتدعوه للانخراط في طريق الابداع والفنون، في «الاحدب» تنتصر المسرحية للرفعة الاخلاق لا المظاهر وتدعو الطفل ليتأمل افعال الشخص الاخر قبل الحكم على مظهره فكم من وجه جميل يخفي داخله قلبا قبيحا وشريرا والعكس صحيح، الرسالة الثانية هي اهمية الفنون.

في الأحدب ينتصر العمل للرقص، تواجه «ازميرلدا» كل المعوقات بالرقص، ترقص في رحلة بحثها عن امها المفقودة ترقص في تعبيرها عن الحب وترقص امام لحظات الخوف ورهبة الوجع، في العمل تكون الرقصات حية وجميلة تبدع في تجسيدها يسرى الطرابلسي في دور الغجرية بألوانها الزاهية وفستانها الموشى بكل تباشير الحياة، في المسرحية تصبح ضربات الاقدام على الركح رديف لضربات القلب متى احب وتتحول الموسيقى المنبعثة في القاعة الى شرارة للجمال تتماهى مع حركات الممثلة في رقصها وتقمصها لشخصيتها ليكون الرقص في المسرحية منقذ «ايزميرلندا» من اليتم والموت.
الرقص يصبح عنوانا للأمل منه تستمد الفتاة القوة لتواصل ومن الرقص تستلهم تفاصيل جديدة لتواصل المسار وكأننا بمخرج العمل يؤكد ان الفنون حياة ويدعو الطفل المتفرج الى ضرورة استهلاك الفنون كما يستهلك المأكل والملبس.

حين يندمج الممثل مع الشخصية تكون المتعة
المسرح فرصة لاكتشاف قدرات الممثلين والرحيل مع تفاصيل ابداعهم على الركح، في المسرح يكتشف المتفرج الممثل الحقيقي والمتشبع بالشخصية وعوالم الفعل والحركة دون من يكتفي بحفظ نصه وتقديمه، في العرض الاول لمسرحية الأحدب ربما لم يتقن البعض اللغة العربية وطريقة الالقاء كانت سطحية ولكن هناك ممثلون تميزوا وشدوا انتباه المتفرجين وكانت ردة الفعل الهتاف والتصفيق كعلامة اعجاب.

في مسرحية «الاحدب» كان الاداء صادقا ومقنعا، ممثلون تقمصوا الشخصيات وتماهوا معها لينجح العمل ويقدموا مادة مسرحية ممتعة، في العمل اندمج الممثلين مع الشخصيات فشخصية الاحدب حيكت بكل دقة وصدق صبري الجندوبي في الاداء من حيث الصوت والحركة، شخصية مركبة ومعقدة شخصية سينمائية بامتياز امسك الجندوبي بكل معالمها واستطاع اتقان شخصية «كازيمودو» قارع اجراس الكنيسة، شخصية الرجل القبيح شكلا والطيب قلبا، الاحدب يحرك الاحداث في القصة الحقيقية وكذلك في العمل المسرحي فكان الاداء مميزا كما شخصية الممثل صبري الجندوبي.

يقول ستانسلافسكي «إن فننا هو أن تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه. وفي كل مرة يعاد فيها خلق هذا الدور، يجب أن يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لأول مرة.» ويبدو انّ هذه المقولة هي الشعار الذي يضعه الممثل ايهاب بن رمضان نصب عينيه في كل الأعمال ذلك الممثل المتلون كما الحرباء على الركح كلما تقمص شخصية إلا وامسك بتفاصيلها واكتشف اغوارها واقنع المتفرج بأدائه، ايهاب بن رمضان الممثل الطموح والحالم يحمل المتفرج الى دواخل الشخصية يحللها لعيد يفككها نفسيا وادائيا وفكريا ولعيد تركيبها على الركح، ممثل برتبة جرّاح ماهر قادر على تشريح اعتى الشخصيات واكثرها تعقيدا.

في الأحدب» يتقمص بن رمضان ثلاث شخصيات، هي «القس» رجل الدين المتميز بالكثير من النفاق ومدعي الفضيلة شخصية شريرة وغامضة هدفها الوحيد الاستحواذ على جمال الغجرية ايزميرلدا، شخصية يبدو عليها وقار المظهر والكلام لكنها تخفي الكثير من العقد التي يراها الجمهور على الركح، الشخصية الثانية شخصية الغجري الذي يتفنن في استعمال السوط فتتحول الضربات الى ايقاع موسيقي مميز يرقص له الغجري ويرى فيه حياته اما الشخصية الثالثة فشخصية الضابط الساذج الذي لا يتقن مخارج الحروف متيم برقص «ايزميرلندا»، مقسّم نفسيا بين انقاذ الراقصة وتنفيذ القوانين، الشخصيات الثلاثة جد مختلفة إلى حد التناقض احيانا وأتقنها جميعها الممثل الشاب واندمج فيها ليحمل المتفرج الى دواخل الشخصية يعايش الدور معايشة صادقة ويندمج فيه حدّ تقمصه ذهنيا ووجدانيا وحركيا ولذلك اقنع جمهور مسرحية «الاحدب».

الموسيقى ترسخ في ذاكرة المتفرج
للموسيـــقى تأثيرها الايجابي في نفسية الطفل فالموسيقى تبعث في الطفل النشاط وحب اكتشــاف الاشياء الموسيقى تعلمه خـــوض غمار المغامرات وفي اعمال حاتم مرعوب تحضر دائما الموسيقى كلبنة أساســية للعملية الابداعية فكل الأعمــــال تحتوي مقاطــع موسيقية وأغان تكتب للمسرحية اغان يحفظها الطفل المتقبل وتعززه برسائل حب العلم والثقافــــة وفي مسرحية «الاحدب» كان التألق للشاعر صلاح بن عياد والموسيقي عادل بوعــلاق لتقديم مــادة موسيقية امتعت الجمهور من الكبار قبل الاطفال.

مفيدة خليل
الصور: لحسان فرحات

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا