البيريتا يكسب دائما لكمال الرياحي: «الكاتب معلّق منذ الازل كفكرة مشوشة في ذهن اله متعب»

الكتابة محاولة لطرح البديل وكشف زيف الحقائق، هي محاولة للحياة وانتصار للذات البشرية الحالمة وأحيانا تكون متنفسا لنقذف

داخله كل سيئاتنا هكذا هي الكتابة في رواية «البيريتا يكسب دائما» الرواية التي تندرج في خانة الرواية السوداء ،رواية تسكنك، تغرقك تجعلك تتيه في التفاصيل والمضمون ويحملك الاسلوب الى عالم سريالي وتدفعك القراءة إلى طرح العديد من الاسئلة وإخراجها من جوفك دفعة واحدة، رواية قدمها الرياحي في دار الثقافة الطاهر الهمامي ببوعرادة.
في «البيريتا يكسب دائما» يتساءل كمال الرياحي عن الثنائيات: الحياة والموت الهزيمة والشجاعة الانتحار واليأس الحب والخيانة؟ يدفعك لتعود لرواية «عشيقات النذل» لتتضح اكثر صورة علي كلاب وتتساءل من جديد اهو الظالم ام المظلوم « لم يكن علي كلاب يغفر، ولا كان يرحم» ، تتبع سيرته في الكتاب فتهابه حينا وتحبه أحيانا ستتساءل أي وجه شبه بين شخصية الكاتب يوسف غربال في الرواية وحضور شخصية الكاتب الامريكي ديفيد فوستر والاس والروائي كمال الرياحي؟ هل أن ثلاثتهم تجمعهم فقط فكرة الكتابة؟ أم يتشاركون في هوس الانتحار أم ثلاثتهم يكتبون ليعيدوا تركيب لعبة «البوزل» الحياة كما يريدون؟

قاتل بلعيد هو قاتل الحلم ووحده المسدس يعرف الحقيقة
«البيريتا يكسب دائما» سيرة مسدس مشبوه، آلة حديدية تحرك الأحداث والشخصيات، آلة حديدية تصنع سوداوية المشهد وتصعّد في النسق الدرامي للأحداث والرواية، في الرواية يصبح المسدس شخصية، منذ العنوان»البيريتا يكسب دائما» يؤكد الكاتب ضمنيا على أن تلك الآلة الحديدية ستنتصر في النهاية؟ فهل انتصرت الالة التي اغتيل بها شكري بلعيد؟ وكيف طرح كمال الرياحي موضوع الاغتيالات السياسية بأسلوب ادبي جريء ومتمرد «كان مسدسه الضخم يتدلّى جانب بنطاله، ليثبت لي انّ المسدس يكسب دائما» (صفحة165).

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

فالاغتيالات السياسية الموضوع شبه المسكوت عنه، موضوع محفوف بالمخاطر كلما حاول أحدهم الاقتراب من الحقيقة وجد منتحرا أو مشوّها أو متهما بالعديد من الاتهامات الاخلاقية ومشككا في مداركه العقلية فالاغتيال كما عشّ الدبابير من يتجرأ على الاقتراب تكون اللسعات مميتة، ولكن الرياحي تجرأ على المسكوت عنه واستنطق «البيريتا» السلاح الذي اغتيل به بلعيد وحاول ان يعرف من شجون الالة واعترافاتها على لسان شخصيته «يوسف غربال» من قتل ولماذا «من انت؟ من قتلت قبلي، ايها المسدس اللعين؟ هل فعلا فعلتها؟ أيها الحديد، وقتلته؟ الم يرتعش لك زناد وهم يصوبونك نحو رأسه؟ لماذا لم تتقيّأ تلك الرصاصة التي حشرت في أحشائك، لتطلق على ذلك الرأس الكبير الضاج بالأغاني؟» (صفحة 82) وفي الصفحة ذاتها بعد السؤال تاتي الاجابة «قالت عيناه إنّ البيريتا ضاع، وان شكري الذي قتلوه سيعود على الفيسبا وسيقتل الجميع ايضا».

«البيريتا يكسب دائما» مسدس تحكم في افكار الشخصيات وعقّد احداث الرواية، المسدس الانسان بكل افكاره الشيطانية، المسدس الذي دفع شخصية الكاتب للبحث عن اصله والأماكن التي يستعمل فيها ليتوصل الى ان هذا السلاح «بيريتا 92، المستخدم في العراق في وزارة الداخلية وفرقة الرد السريع في افغانستان والبانيا والجزائر والكويت ولكسمبورغ وموناكو».

في الرواية يحاول الرياحي استنطاق المسدس، يلبس شخصية المفتّش «علي كلاب» احيانا علّه يصل الى الحقيقة وتعترف الالة باغتيالها لبعيد، ومرات يعامله بلين الكاتب يوسف غربال وهدوئه وأحيانا اخرى يسكنه بخبث ستيلا او ملاك، ومرة يضع المسدس امام حقيقته عاريا من كل زينة علّ قبح المشهد يجعله يعترف بما فعل ويقول الحقيقة التي لم يتوصل اليها القضاء الى حدّ اليوم، فطول الزمن القضائي يخفي الادلة عادة، فكأننا في الرواية بالكاتب يبحث عن الحقيقة يستنطق المسدس المتهم علّه يبوح بالسرّ «ان اختفاء وسيلة الجريمة من مجموع الادلة التي ضبطت دليل ان هناك شبهات كبيرة من داخل غرفة التحقيق فمن سرق البيريتا؟ هناك شيء غامض علينا كشفه، صندوق اسود لهذه القضية من يحمي هؤلاء القتلة؟ هل فعلا هناك جهاز امني مواز؟ ينفّذ عمليات اغتيال نوعية، تستهدف الزعماء المنافسين لاصحاب ذلك الجهاز؟» (صفحة114).
الاغتيالات السياسية الموضوع الشائك يكاد يطوى قانونيا وقضائيا موضوع قضي عليه سياسيا بسبب مقايضات بين الاحزاب يحاول الرياحي اعادته الى الواجهة من خلال الكتاب لان الكتابة ولادة متجددة.

الكتابة محاولة للحياة
«لا اتصوّر العالم بلا أشرار كم سيكون رخوا هذا العالم، حكاية مفكّكة مثل بعر الأكباش، لا اتصور العالم بلا قتلة، لا اتصور العالم بلا ثكالى، بلا حزانى، بلا فصاميين، بلا خونة، بلا حقارة، لا اتصوره بلا نوافذ مظلمة، بلا اثار قذائف على الجدران» (صفحة222)،بكل هذا القبح والسوداوية يصف كمال الرياحي العالم على لسان شخصيته التي صنعها من روحه يوسف غربال، فيوسف غربال وكمال الرياحي يتشابهان كثيرا في الجرأة والبحث عن الحقيقة وكلاهما ينتميان الى المدرسة السريالية وكلاهما يؤمنان بقدرة الكتابة على كشف الحقائق المخفية.

من شخصية يوسف غربال ومدى ولعه بالكاتب ديف والاس تبدأ قصة الرواية التي تبحث عن الحقيقة وتتبع سيرة البيريتا المسدس –الشخصية، تتبع حكايات المسدس يكشف مدى قبح العالم وبشاعته كذلك زيف العلاقات وانتشار فكرة الخيانة، فيوسف غربال يشبه كثيرا ديف والاس كلاهما احبّ وخان فالاول احب زوجته عائدة ثمّ خانها مع صديقتها مريم والثاني احب ماري وتزوج كارين ال غرين، كلاهما تذوّق مرارة الخيانة وسكنه شبح الجنون والرغبة في الانتحار.

من كمال الرياحي اخذ يوسف غربال عددا من الصفات ومنها الجرأة للبحث عن البيريتا واختفاء الادلة بعد الاغتيال، منه اخذ حبّ الكتابة وكتابة اليوميات علها تكون دليل محقق ما ذات يوم، أخذ عنه الشغف بالمطالعة وبالبحث فكأننا بالرياحي يسكب من روحه في شخصية صنعها على الورق ونفث فيها القليل لتصبح حية تكتب وتقرأ وتبحث عن سرّ اختفاء البيريتا وكلاهما يدخل عرين الاسد في بحثه عن حقيقة الاغتيالات.

في «البيريتا يكسب دائما» يغوص الرياحي عبر شخصياته في قبح الواقع وفي بشاعته ويكشف للقراء الحقيقة التي يغضون عنها البصر يكشف الزيف والخداع ومدى تسلط السلطة وجبروتها، فعلي كلاب يمثّل السلطة نراه متجبرا، يقطع ابهام قدم يوسف غربال فقط لانه تساءل عن مكان «البيريتا» «»قطعت اصبعك لانك خائن كنت تستحق ذلك لم يكن في امكاني جدع انفك القانون سيمنعني لذلك قطعت لك خطوتك» (صفحة116)، نراه ظالما يضرب احدهم ليقسم ساقه نصفين فقط لانه كشف عن عصابة لتهريب الاعضاء.
في الرواية تجبُن بية وتتهم «المنصوري باغتصابها» لتنجو بنفسها من رجال الشرطة وتشتري حريتها مقابل براءة شخص آخر في الرواية نجد شخصية «ستيلا» المخبر يشبه الكثير من التونسيين في تزلفهم للنظام وكتابة التقارير علهم يجنون القليل من السلطة، فالرواية حبلى بالمشاهد السوداوية الخانقة، رواية تجبرك على التعري امام مرأتك لتسائل جسدك وفكرك وافعالك عمّا فعلته منذ البداية، رواية تعرّي كل القبح فينا وتدفع القارئ ليسائل نفسه ويستنطقها كما استنطق يوسف غربال «البيريتا» المسدس-الشخصية.

القاضي سامي الهويملي:
الرياحي ذكي وأسلوبه مخادع
تحدث القاضي سامي الهويملي عن «البيريتا يكسب دائما» وحلل في اللقاء شخصية المجرم مشيرا الى ذكاء المجرم في ساحة الجريمة لان المجرم عادة ما يخطط لتوجيه الابحاث والتحقيقات، ويقول الهويملي «حقيقة اغبط الرياحي، اغبطه لطريقته في الكتابة، هو متحيل ومخادع استطاع ان يجسد طبيعة العمل القضائي ومسرح الجريمة الذي تحدث عنه الرياحي يجعلك تتخيل امام كل الجرائم التي نسبات الى المجهول».

وفي تعليقه عن «الحلم» يقول الهويملي «انا ابن نفزة، ودار الثقافة تشبه كثيرا دار الثقافة بمدينتي وفي طفولتي لم يكن هناك مقر للمحكمة وكانت المحاكمات والمداولات تحدث في دار الثقافة وكنت طفلا اشاهد المداولات والحكم من اخر كرسي في دار الثقافة وكنت اسال كيف يمكن أن يكون القاضي قاضيا، وكبرت وحلمت ودرست وأصبحت قاضيا واليوم كلما كان هناك طفل في الجلسة ابتسم وأقول داخلي ربما ذلك الطفل سيكون قاضيا فاحلموا لأنّ الأحلام سر النّجاة».

عمر الوسلاتي:
فلرفع الكتاب في وجه الجهل
«الثقافة اداة للتعبير الحقيقية هي وسيلتنا لرفع الجهل والفقر والجريمة» بهذه الكلمات افتتح السيد عمر الوسلاتي حديثه عن اللقاء الادبي لتوقيع رواية «البيريتا يكسب دائما» لكمال الرياحي، وعمر الوسلاتي يشرف على جمعية «متطوعون» التي نظمت اللقاء ويقول الوسلاتي «اشترك مع كمال في الذاكرة، نحن الناجون من محرقة الفقر والجهل انتصرنا بالعلم والكتاب، كل اختار طريقه في النجاح لكننا نجحنا، لذلك ادعو الشباب في هذه القاعة لخوض كل التجارب وعدم الوقوع مع اول عثرة، عانينا من الفقر والجوع ولم نفكر بالتراجع لأننا نؤمن أننا بالثقافة والعلم نحيا وننجح».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا