معرض الفنانة آمال بن صالح زعيم في دار الثقافة ابن رشيق: لوحات صاخبة الإيقاع تحاكم «حرية مشبوهة» !

لئن كان الرسم لغة بلا كلمات، فقد اعتمدت الفنانة التشكيلية آمال بن صالح زعيم مقولة «لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن»

لرسم لوحاتها وتلوين مساحاتها وتوزيع خطوطها... لتضع زوار معرضها وجها لوجه أمام حرقة السؤال عن المقصد والمعنى.

هي استفهامــات إنكاريــة وارتسامات حائرة لـ «حرية مشبوهة» معلقة بين اليأس والأمل تشي بها لوحات أبدعتها أنامل قلقة وروح منهكة تستجدي الجمال والأحلام...
17 لوحة زينّت رواق دار الثقافة ابن رشيق وسط العاصمة في إعلان عن عودة الحياة إلى هذا الفضاء الثقافي بعد فترة من الغلق واحتجاب الأنشطة كما في كل الفضاءات الثقافية في زمن «الكورونا».

الأسود والأحمر والأبيض: ألوان ومعان
لماذا وسمت الفنانة آمال بن صالح زعيم معرضها بعنوان: «حرية مشبوهة»؟ تجيب صاحبة الشأن في تصريح لـ«المغرب»، فتقول: «للأسف لم نغنم من مكسب الحرية سوى شعار فضفاض وخطاب رنان دون الاستفادة الحقيقة من هذه القيمة الثمينة ودون أن تكون منطلقا للتغيير نحو الأفضل. فكأنّ شيئا لم يتغيّر طالما لازال درب الإصلاح والأمان بعيدا».
لئن كان الفن التشكيلي حقلا خصبا لتوليد الألوان وخلق أخرى جديدة بدرجات مختلفة، فإنّ الفنانة آمال بن صالح زعيم اختارت ثلاثية أساسية من الألوان لتلوين كل لوحاتها، وهي الأسود والأحمر والأبيض.

وعن هذا الخيار الفني كشفت صاحبة معرض «حرية مشبوهة» أن توظيف اللون الأسود يعكس قتامة المشهد السياسي من حولنا وسوداوية الوضع العالمي ككل في كل أبعاده سيما بعد أزمة وباء كورونا. أما اشتغالها على اللون الأحمر فهو يعني في جانب منه دموية الإرهاب والعنف والقتل ولكنه يرجّح الكفّة لصالح الحب بما هو عنوان السلام وحافز للتضامن والتسامح. في حين كان المقصود من استعمال اللون الأبيض الإشارة إلى وجود بصيص من الأمل وجرعة من التفاؤل تنقذنا في كلّ مرة.
ومن بين اللوحات التي تشد النظر وتجبر الزائر للمعرض على التسمر أمامها هي لوحة احتلها اللون الأسود بالكامل دون أن يسمح باقتسام ولو لون واحد آخر معه فضاء اللوحة. هذه اللوحة الخالصة السواد تحمل اسم «الوضع الحالي» للدلالة على ضبابية المشهد اليوم وغموض المستقبل غدا وصعوبة التنبؤ بما سيحمله المجهول. وفي هذا السياق كشفت الفنانة آمال بن صالح زعيم أن «لجنة الشراءات قد قامت باقتناء هذه اللوحة السوداء اللون في سابقة من نوعها، حيث لم تعتد سابقا اللجنة على اختيار لوحة أحادية اللون الأسود».

لوحات تعلن عن الثورة وتطلق صرخة فزع
من معرض جماعي إلى آخر شخصي، تعرض -منذ عقود- الفنانة آمال بن صالح زعيم لوحات مفعمة بالدلالات والتأويلات وتقدّم تجربة ناضجة وواعية تقتفي كنه الحياة وكينونة الإنسان. وفي هذا السياق تقول آمال بن صالح زعيم: « أنا فنانة تشكيلية ملتزمة أعالج قضايا إنسانية للتوعية والتحسيس. وبعد أن أقلقني الوضع العام وخاصة المشهد السياسي المضطرب والهجين وسيطر على حالتي النفسية، لم يكن أمامي سوى ترجمة هذا الوجع والقلق في معرضي «حرية مشبوهة» حتى أتخفّف من العبء الثقيل وأشفى من أرق الانزعاج...».

بالتمعن في لوحات آمال بن صالح زعيم قد نقف على المعنى التالي : الرسم استفزازي أو لا يكون ! وقد جاءت خطوطها وألوانها منفلتة من قيد الزوايا والخطوط المستقيمة ، متشظية في كل الاتجاهات، وصاخبة الحركة والإيقاع وكأنها تعلن عن ثورة وتطلق صرخة فزع!

وليس من الغريب أن تحمل لوحات معرض «حرية مشبوهة» عناوين قلقة وقاتمة على غرار «حالة حرجة» و«إنتحاري» و«ورم» و«إشتباك» و«إغتيال» و«تشنجات» و«إنتهاك» و»«جمر» و«آ فة الحداثة» و«إختراق»... طالما أن التيمة الكبرى التي تدور في فلكها أعمال الفنانة آمال بن صالح زعيم هي الجزع من ظروف الراهن والتوجس من مفاجآت الآتي... ولكن في مكان ما من لوحاتها يتوزع بعض البياض كنور الشمس ووميض الأمل ليهزم نزعة القتامة والتشاؤم ويرسم كأس التفاؤل. فبالتفاؤل وحده يعيش الفنان ويكمل المشوار!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا