رحيل المخرج صلاح الدين الصيد: عبقرية في تصوير تونس التي نعرفها... ولا نعرفها !

قد تكون تونس عرفت مخرجين كثيرين في الدراما التلفزية إلا أن بعض الأسماء -فقط- بقيت في الذاكرة والوجدان ونجحت في خط اسمها بحروف من ذهب

في سجل الإبداع. وعند تعداد أسماء المخرجين اللامعين، يفرض اسم المبدع صلاح الدين الصيد حضوره بقوة . كيف لا وهو الذي روّض الكاميرا لتنقل مشاهد استعصت على غيره ولتلتقط تفاصيل لم تصل إليها عين غيره !
في الوقت الذي تعيد فيه التلفزة التونسية بث سلسلة «شوفلي حل» ومسلسل «أمواج» ... ترّجل مخرج هذين العملين وغيرهما من الأعمال الناجحة والشهيرة
توفي صلاح الدين  الصيد بعد صراع مع مرض عضال عن سن تناهز 70 سنة . وسينتظم اليوم موكب الجنازة إثر صلاة العصر لتشييعه لمثواه الأخير بمقبرة قمرت.

دراما لا تموت.... صالحة لكل زمان ومكان
يكفي تصفح كتاب المسيرة الفنية للمخرج والمؤلف صلاح الدين الصيد لنقف على حجم عطاء الرجل وسخاء موهبته التي حفرت في الصخر لتنبت حقلا من زهور الإبداع في الإخراج التلفزي سواء أكان ذلك في أعمال درامية خالدة أو في سلسلات كوميدية هادفة، ومن عناوين باقة أعمال المخرج الراحل ما يلي : «ليام كيف الريح» و«أمواج» و«الخطاب على الباب» و«عشقة وحكايات» و«اعترافات المطر الأخير» و«حبوني واتدللت» و«منامة عروسية» و«قمرة سيدي محروس» و«الأوتيل» و«عند عزيز» و«شوفلي حل» و«نسيبتي العزيزة» و«دار الوزير»... كما يجب ألا ننسى أن الراحل كان المخرج التلفزي للأيقونة المسرحية «غسالة النوادر» سنة 1980 والتي أحدثت نقلة نوعية في تاريخ المسرح التونسي . وفي كل مرة تعيد فيها التلفزة التونسية عرض هذه المسرحية ويندهش الجمهور أمام روعة هذا العمل وعمقه والذي يتجاوز زمانه وبيئته وقتها ليشمل كل زمان ومكان ويصلح للحديث عن الراهن، الآن وهنا !

معجزة « شوفلي حل» وأيقونة «الخطاب على الباب»... وإبداع خالد
ليس من الغريب أن يقطف صلاح الدين الصيد ورود النجاح والتتويج بلقب أحد كبار المخرجين في تونس وأن يحصد شعبية وجماهيرية في قلوب جمهوره وقد وّقع باسمه أعمال شهيرة وانتاجات خالدة لم تمت بمرور الزمن ولم تسقط بتغير المكان. يكفي أن نستذكر أن الفقيد قد أخرج بمنتهى الحرفية والفن سلسلة شوفلي حل في أجزائها الخمسة في تناغم رائع مع كاتب السيناريو حاتم بلحاج. وإلى حد اليوم يعاد بث هذه السلسلة طول السنة دون انقطاع ولمدة فاقت 10 سنوات دون أن يمل منها المتفرج الذي حفظ حلقاتها عن ظهر قلب ! وإلى حدّ اليوم لم تتوقف القناة الوطنية عن بث أجزاء شوفلي حل وإلى حدّ اليوم تستقطب هذه السلسلة الجمهور وتحقق نسب المشاهدة حتى في شهر رمضان ، موسم الإنتاجات الجديدة !
وفي واحد من أنجح المسلسلات التلفزية ، طرق المخرج صلاح الدين الصيد عتبة «الخطاب على الباب» للكاتب الفذّ علي اللواتي ، فأتحفنا بدراما عبقرية توثق للهوية التونسية معمرا وعمرانا وعادات وتقاليد عبر اقتفاء أثر الحضارة في المدينة العتيقة ورصد نبض الحياة في «الحومة العربي»...
غادر صلاح الدين الصيد الحياة بعد مسيرة مشرفة و إطلالة مشرقة في زوايا الكاميرا والرؤية الإخراجية ولكن من ترك ميراثا ثمينا وجميلا من الفن في «المعجزة» الكوميدية «شوفلي حل» والأيقونة الدرامية «الخطاب على الباب» ... صعب أن ينسى ولن ينسى !

مسيرة الراحل صلاح الدين الصيد في سطور

نعت مؤسسة التلفزة التونسية الفقيد المخرج صلاح الدين الصيد الذي وافته المنية أمس الاثنين 29 جوان 2020 إثر معاناته من مرض عضال.
كما قدمت التلفزة التونسية السيرة الذاتية للراحل صلاح الدين الصيد في السطور التالية : دخل التلفزة بعد تأسيسها بسنوات قليلة من خلال مناظرة انتداب مخرجين مساعدين وتلقى تكوينا في مركز التكوين الداخلي في التلفزة قبل أن يسافر إلى فرنسا ليدرس الإخراج التلفزي مثل عدد من المهندسين والمخرجين الذين أوفدتهم الدولة إلى الخارج لتلقي التكوين اللازم استعدادا لتأسيس التلفزة التونسية سنة 1966 وتأمينا لاشتغالها بالكفاءات والاطارات اللازمة بعد انبعاثها
عمل صلاح الدين الصيد في بداية مسيرته المهنية مساعدا لعدد من المخرجين وفي مقدمتهم المرحوم عبد الرزاق الحمامي الذي كان يمثل حينها مدرسة في الإخراج التلفزي .وأصبح صلاح الدين الصيد مخرجا تلفزيا عن طريق المناظرة ايضا رفقة آخرين من جيله مثل حمادي عرافة و الحبيب مسلماني ...
وانطلق صلاح الدين الصيد في نحت مسيرة كبيرة في الإخراج التلفزي بعد أن تمكن من جميع آلياته نظريا وتطبيقيا وأخرج عددا من الأشرطة الوثائقية ذات العلاقة بالبحر مثلا .
كما أخرج شريطا تلفزيا بعنوان «العجلة» أواسط الثمانينات إلى جانب الأعمال العادية الأخرى التي يتولاها المخرجون التلفزيون في البرامج والمنوعات والرياضة. في بداية التسعينات أخرج صلاح الدين الصيد شريطا تلفزيا ثانيا بعنوان «اعترافات المطر الأخير» وكان ذلك العمل منطلقا مهما لتطوير الدراما التلفزية وإكسابها بعدا جديدا حيث بدأ العمل حينها مع فاعلين جدد في الدراما التلفزية وفي مقدمتهم مؤلف الشريط التلفزي الأستاذ علي اللواتي، والذين سيكون لهم لاحقا تأثير في العمل الدرامي التلفزي والذي أصبح مستمرا كل رمضان مع استثناءات قليلة في الإنتاج خارج هذا الموسم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا