اليوم الدراسي «التأثير بين النجومية والمواطنة»: التفكير أولى خطوات التأثير

«ما معنى شخصية مؤثرة؟ وفي من تؤثر الشخصية المؤثرة وعلى من ؟ بماذا تؤثر الشخصية المؤثرة؟ هل أن الشخصية المؤثرة صفة

أم مهنة أم موهبة؟ كيف يمكن أن تكون شخصية مؤثرة؟ وكيف تحدد شروطها؟» هكذا تساءل هشام درويش في كلمته الافتتاحية في المعهد التونسي للترجمة بمناسبة اليوم الدراسي «التاثير بين النجومية والمواطنة» الذي نظمه المركز الوطني للاتصال الثقافي.
وفي السؤال عن الشخصية «المؤثرة» هناك اسئلة اخرى عن الشخصية الكاريزماتية التي يقول عنها شكري العياري «الشخصية الكاريزماتية يجب ان تتمتع بالقدرات التالية: التفكير ثم التعبير ثم التغيير فالتأثير» وفي اليوم الدراسي كرّمت لينا بن مهني وخالد بوزيد ونصاف بن علية وشيماء العمدوني وقام اللقاء على دراسات علمية ومداخلات وحوار تفاعلي في اطار سلسلة من اللقاءات يستعد المركز لتنظيمها.

التأثير من الاقتصادي إلى الثقافي
من هو الشخص المؤثر؟ فيمن يؤثر؟ وكيف يؤثر؟ هكذا تساءل الاسعد بن حسين في الجلسة العلمية الأولى و في كلمته عاد الكاتب المشاكس الى التاريخ من خلال الشعراء الذين كانوا في العصر الجاهلي عنوان التأثير في الاخرين ولمّا نزل القرآن اصبح حفظة القران ثم الصحابة هم المؤثرين في المجتمع والناس، قبل ان يصبح «المثقف العضوي» والزعيم السياسي عنوان التأثير في مراحل متقدمة وساق مثال خطابات الحبيب بورقيبة الذي كان مؤثر جدا في التونسيين وكل من يبحث عن خطبة مقنعة، و اكد الاسعد بن حسين على أن التأثير يختلف من زمن الى اخر مشيرا ان كلمة «مؤثر» وجدت مع الماركتينغ وهي ذات بعد اقتصادي.

وفي السياق ذاته اشار الاستاذ والباحث في علم الاجتماع منير السعيداني إلى أن مجال «التأثير» سريع التغيير فالمصطلح ايضا يتغير بتغير الزمن، واعتبر ان مفهوم «المؤثر» جديد خاصة في مجال التقاء الثقافة مع التكنولوجيات الحديثة لتوجيه الرأي العام، وفي التعليق على مصطلح التأثير الافتراضي اكد ان له معنين الاول الافتراضي اي باستعمال

وسائط التفاعل وشبكات التواصل الاجتماعي والمعنى الثاني هو عدم وجود دليل على هذا التأثير ليظل افتراضيا وأضاف ان التأثير مرادف لكلمة التسويق والاقتصاد.
ويضيف السعيداني في كلمته ان كلمة «مؤثر» ترتبط اساسا بالمجال التجاري والعلامات التجارية في مرحلة اولى ثم في مرحلة ثانية اصبحت تشير الى وجود اشخاص من المشاهير في المجالات الفنية او الرياضية او عالم الموضة هؤلاء لهم القدرة على التأثير في الناس اما لثقة الناس فيهم او لاتساع مجال علاقاتهم ويقسّم السعيداني المؤثرين الى ثلاثة رتب، اولا المؤثرين ذوي الامتداد المهمّ وهم الاشخاص الذين يتجاوز عدد متتابعيهم المليون، ثم المؤثرين الاقل امتدادا الذين يتابعهم بين 50الف ومليون شخص فالأقل تأثيرا اي اقل من 50الف متابع وهؤلاء جميعهم يكون لهم تأثير في العالم المباشر قبل الدخول الى العالم الافتراضي.

التأثير الافتراضي فرصة للمصالحة بين التونسي والثقافة
توفرت الجهود واتحدت الافكار واختلفت الرؤى لتقديم الانتاج الثقافي فترة الحجر الصحي الإجباري وقد وجد الجميع أنفسهم في البيت امام الحاسوب او الهاتف و ايمانا بضرورة ايصال الانتاج الثقافي الى التونسي ارتأت مجموعة من الهياكل توفير مادة ثقافية للمهتمين بكل تلوينات الابداع هكذا يقول السيد منجي عليّة مدير مؤسسات العمل الثقافي بوزارة الشؤون الثقافية، في كلمته اشار عليّة الى صعوبة الفكرة في المستوى الأول لكنهم وجدوا اقبالا من المديرين ومسيري المؤسسات الثقافية للعمل والانخراط في حملة تقدم منتوج ثقافي محترم للتونسيين.
وأكد منجي علية أن البديل كان ثقافيا في فترة الحجر كما كان افتراضيا اذ حاولنا ان نوصل إنتاجات دور الثقافة في المسرح و الفنون التشكيلية و المعارض و المجامع الفكرية الى المواطن وهو في بيته لان الثقافة عنوان للحياة كما انهم يعملون لتقديم منتوج ثقافي مجتمعي وليس ثقافة سلطوية وأكد علية التجربة «متعثرة» لكنهم يعملون ليصبح للفضاء الرقمي حضوره القوي في المشهد الثقافي التونسي.

ادارة اخرى اثبتت نجاحها وبحثها عن الجديد في فترة الحجر الصحي الاجباري، ادارة سعت الى تقديم الكتاب والتعريف به ومحاولة جمع شمل الاسرة التونسية في رحاب الكتاب والحكاية، ادارة المطالعة العمومية التي قدمت مجموعة من المبادرات ذات البعد الثقافي والاجتماعي وأثرت ايجابا في مستهلكي الثقافة في تونس، في كلمته اشار الياس الرابحي مديرة ادارة المطالعة العمومية الى المبادرات التي انجزتها ادارته دفاعا عن الكتاب وانتصار للإنسان وفي كلمته يقول الرابحي» الثقافة أداة لمقاومة الأزمات، فالثقافة فكرة حيّة وحرة والأفكار عادة ما تكون سند الإنسان لتحليل الأزمة وتجاوزها، والأزمات على مر التاريخ تعالج بالفكر» وتظاهرة «مبدعون في الحجر» جمعت الكبار والصغار حول الكتاب، تظاهرة قامت على مسابقتين اولى في الخرافة والحكي والثانية «القصة الرقمية التفاعلية» وهي من اكثر التظاهرات التي لقيت صداها عند جمهور الثقافة في تونس تظاهرة انخرطت فيها كل دور الثقافة وروادها وأصبح التنافس ممتع بين الاطفال كما انخرط الاولياء في المسابقة اما بالمشاركة في الفيديو والحكي او توفير الديكور والتصوير، فالتظاهرة اذن اثرت ايجابا في المتابعين والمهتمين بالكتاب وحصل التأثير من خلال التسابق.

تكريم لينا بن مهنى: تموت الاجساد وتبقى الافكار الحرة حية
رحلت تلك «البنية التونسية» رحلت الفتاة صاحبة الجسد الرقيق والقلب الجامد والفكرة القوية المتمسكة بالحرية، رحلت لينا بن مهنى لكنها ظلت حاضرة، بأفكارها والقيم التي دافعت عنها لا تزال موجودة، في القاعة الكبرى حضرت روح لينا، حضرت في صمود الصادق بن مهني ووقوفه شامخا شموخ الوطن، حضرت في هدوء والدتها وجلدها وحضرت في عيون الاطفال ومحبي لينا والمهتمين بأفكارها المساندة لكل التحركات المنادية بالحرية.

حضرت لينا التي شغلت الناس حية وشغلتهم بعد رحيلها بعد التعاليق المليئة بالعنف بسبب التابوت الذي رفعته اكتاف صديقاتها ورفيقاتها في صراع الحرية، لينا شغلت محبي الحياة وشغلت كارهيها ايضا ووحدت الطرفين للحديث عنها.
كرمت لينا بن مهنى من خلال شريط وثائقي استعرض جزء من مسيرتها النضالية، كرمت لينا بالسينما لان السينما الوثائقية كانت دوما صوت للحقيقة وانتصارا للواقع وفي قاعة معهد تونس للترجمة عرضت تجربة لينا وترجم الفيديو بلغة الاشارة ليفهمه الحضور من «الصم»، كرّمت لينا لأنها كانت مؤثرة تلك الفتاة التونسية التي اختارت التداوي في المستشفيات العمومية ولم يمنعها المرض من التجوال لتوثيق كل الاعتداءات التي يتعرض لها المواطنين في كامل تراب الجمهورية، لينا التي اختارت التدوين والكاميرا سلاحها لتناصر الحرية قبل الانخراط في حملة تجميع الكتب للمؤسسة السجنية، لينا كرمت لانها اثرت في الكثيرين، كرمت لينا لانها شرارة من الحب لا تموت وان مات الجسد.

كمال الرياحي: تمسك بأحلامك وستحقق احلامك وتكون قدوة
«كنت طفلا زائدا عن الحاجة هي اكثر الجمل التي سمعتها في طفولتي ومنذ سماعها قررت ان اثبت للعائلة المصغرة والموسعة ان وجودي ضروري وضروري جدا» هكذا افتتح كمال الرياحي كلمته في اليوم الدراسي، كمال الرياحي الروائي ومدير بيت الرواية تونسي مبدع صنع مسيرة نجاحه بكل ثبات وعزيمة، مختلف يعشق الكتب ومنذ طفولته كان يتمنى ان يصبح مثل «توفيق الحكيم» و«طه حسين» وهاهو ينحت مسيرته مثلهما ليظل اسمه محفورا في ذاكرة محبي الكتب ومتابعي الرواية.

ذلك الطفل المشاكس الذي ارادت امه اجهاضه لاكثر من مرة متمسكا بالمجيء للحياة، وحين أتى وجد الرفض فحوّل ذلك الرفض الى قبول كيف لا وهو الطفل الذي اخاف عائلة بأكملها وأفزعها بعد عثوره على قذيفة في جبال قريته العروسة ثمّ قراره اقتناء «راديو» لوالدته فخاض تجربة العمل وجمع «العلندة» لأسبوعين ليقدم هديته لأمه كبر ذلك الطفل المتيم بالكتاب وخاض كل التجارب الابداعية في عوالم الكتب وسافر من تونس الى المغرب لاقتناء الملابس بأثمان زهيدة وبيعها لأترابه الطلبة ليتمكن من مواصلة دراسته، كمال الرياحي من الشخصيات التي يمكن الاقتداء بتجربتها، روائي محبّ للكتاب ومدافع شرس عنه تونسي انموذج في التمسك بتحقيق الاحلام ومجابهة كل المصاعب لتحقيقها ولتشرق شمس الامل دائما.

عبد الرزاق بن يوسف المواطن المؤثر:
كن انسانا وكفى
«عالمية» هي الكلمة الشهيرة التي يعرفها كل الطلبة والعاملون ومن يتنقلون بواسطة الميترو رقم «2»، «عالمية action كلمة يقولها تونسي بسيط يعمل في بيع الاوراق والمناديل والأقلام لكنه شخص مميز.
العلبة الصغيرة موشاة بأجمل الالوان و الشعارات التي تدعو الراكب الى الابتسام، السيد عبد الرزاق ذلك التونسي الكادح رمز للشخصية المؤثرة ايجابا في كل الطلبة ومستعملي الميترو، ذلك الرجل عنوان للصدق والكدح رجل يؤمن ان الابتسامة رزق و يحاول زرع الابتسامة لدى كل الركاب.
في الميترو كل من يسمع «عالمية» او action يبتسم دون تفكير، المواطن الانسان الذي يبحث عن رزقه وفي الوقت ذاته يناصر الابتسامة والبهجة رجل يرسم على محياه الضحكة في كل الفصول والأوقات، ليس مهما أن يقتني منه الركاب ما يعرضه فهو دائم التغزل ببضاعته، يجامل تلك الطفلة ويهدي ذاك الرضيع القليل من الحلوى، يدعو للعجوز

بطول العمر ويدعو الشاب المفكر الى الابتسام وترك الخوف ويلاطف تلك السمراء الجميلة، رجل هو عنوان للابتسامة للحياة وللإقبال على الجديد بكل انشراح وبهجة، الرجل وان عجز عن بيع البضاعة لا تفارقه الابتسامة ويكتفي بالقول «الروندة 2» هو الشامخ والواثق ابدا بنفسه، المحب للحياة والمقبل عليها بصندوقه الصغير وقد تمّ تكريمه في اليوم الدراسي الذي أنجزه المركز الوطني للاتصال الثقافي وموضوعه «التأثير بين النجومية والمواطنة» وكرم الرجل الكادح لأنه جدّ مؤثر في الطلبة والكادحين لأن الكل يجمع على أنه يشحن الناس بطاقة ايجابية ويدعوهم لخوض كل التجارب بابتسامته التي لا تفارق محياه الرجل الذي قال عنه الروائي كمال الرياحي «ليس أستاذك من علمك بالصف فقط بل من علمك الحياة بشرف».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا