سلسلة فنية لـم تسقط في الفخ ...

قد تشترك أغلب الإنتاجات الدرامية التونسية لشهر رمضان هذه السنة في انعدام المحتوى، لا رؤية ولا معالجة ولا قضايا مطروحة ولا طرافة،

باختصار أعمال هزيلة دون مضمون يذكر، ربما نتساءل هل تستحق هذه الأعمال نقدا يشرّحها عملا عملا؟ ما الذي يحدث في الدراما التونسية حقا؟ هل يمكن أن نتحدث عن نقد للدراما بمعزل عن مشروع ثقافي وفكري تبنى عليه، لا يمكن أن نتحدّث عن الدراما في وجود خلل منهجي وبنيوي ومعرفي ووجداني وقيمي وأخلاقي ومخيالي.. وهذا مؤسف للغاية.
ورغم هذه القتامة فهنالك عمل فني يجلب الإنتباه لكنه لم يعرض على شاشات التلفزيون، بل عرض على شبكات التواصل الإجتماعي، وهذه فكرة مبتكرة ونوع جديد من وسائط المعلومات بالأحرى الفيديو المصمم حصريًا للشبكات الاجتماعية. وهذه من الأفكار الذكية التي تتلاءم مع الثورة الرقمية تلك الثورة الأفقية التي تعيد من دون توقف تعريف المعايير..
هذه السلسة بعنوان «الخياطة» تبثّ على صفحات LOOK بطولة وجيهة الجندوبي وفرح بن رجب وريم الحمروني وسليم عاشور وإخراج لفؤاد ليتيم وانتاج «عشق»، وهذا اتجاه جديد للأعمال الفنية التي تبث على شبكات التواصل الاجتماعي، الذي نصنفه في خانة الحركات الاتصالية الملائمة لمستجدات الثورة الرقمية، وهذا معمول به في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ حديثا في تونس والدول العربية.. كما أنّ هذا الإتجاه يفتح المجال أكثر لترويج الأعمال الفنية بعيدا عن القنوات التلفزيونية وما تفرضه من إكراهات ونزاعات ومشاحنات وصراعات..

هذه السلسة الساخرة تناولت العديد من القضايا المجتمعية التونسية بشكل طريف، لم نلاحظ خطابا عنيفا يحمل في داخله وخارجه تشريعا للعنف وتحريضا على احتقار المرأة مثلا وتشويه لصورتها مثلا، بل سلّطت الضوء على جانب من قضايا المرأة بطريقة كاريكاتورية، أشبه بالسخرية السوداء..

الخطاب الذي يروج في أغلب السلسلات الرمضانية مع الأسف يلتصق بأذهان العامة، ويلقى رواجا في الذاكرة الجماعية بما انه مطابق لبعض أفكار العامة، كما أن تصوير العنف والتركيز عليه دون معالجة ينبئ بكارثة قيمية، يغيب فيها المعنى. ولكنّ المتمعن في سلسة «الحجامة» يفهم أنّ المس من حقوق الإنسان الكونية خط أحمر لمن صاغ السيناريو، ويفهم أنّه تناول أغلب المستجدات السياسية والمجتمعية برؤية مبتكرة ذكية.

لو كنا فعلا نريد أن نبني وطنا يحترم إنسانية الإنسان، لتعهّد القائمون على هذه الأعمال الدرامية والفنية بهذا: حقوق الإنسان خط أحمر، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه مع الأسف، لا نتحدّث عن الأشخاص بقدر ما نتحدّث عن أغلب الأعمال المطروحة أمامنا.

إن نقل الواقع بشكل ارتجالي أو حتى عشوائي بكل مرارته وانحطاطه دون معالجته فنيا، لا يمكن ان يضيف للمشاهد اي شيء، عدا تأصيل هذه الآفات الاجتماعية والأحكام الاخلاقوية.. فالخطاب الدرامي الذي يكون دون خلفية إصلاحية لا يمكن الا ان يمر بنا من السيء الى الأكثر سوءا..
لايمكن ان ننسى أو نتناسى أو نتجاهل طبيعة المرحلة الحساسة التي نمر بها اليوم، فنحن في وطن لم تكتمل معالمه بعد وفي مجتمع لم يرتق لرتبة أمّة بعد كما ناقش ذلك العديد من الباحثين، لا يمكن أن نتجاهل الدور المحوري الذي يجب ان تلعبه الوسائط الفنية للارتقاء بالمجتمع وبالعقول، من تعكير لصفة السائد العنيف الذي لم تتأصل فيه قيم الاختلاف وقبول الآخر

واحترام حقوق الإنسان. لايمكن ايضا ان نتجاهل ظاهرة العنف ونزوع عدد كبير من فئات المجتمع إليه بدل احترام الآخر، والأرقام خير دليل على ذلك.
سلسلة «الحجامة» الكوميدية لم تسقط في هذا الفخ، بل انتصرت لقضايا المرأة، ولقضايا الإنسان، حيث وضع العمل إصبعه على ممكن الداء في كل مرّة، كان ذلك بسيطا للغاية ودون تعقيدات، وتلك قيمة العمل، والمعنى الذي يحمله، ولعلّ أجمل شخصيات هذه السلسلة، ضميرها الصادق، أمنة بالرجب.. كانت صوت المعالجة الذكية.. صوت يعكس ثقافة إنسانية تقطع مع المفاهيم التمييزية والأفكار الماضوية التي أكل عليها الدهر وشرب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا