مخرجون لا يكتفون بالإخراج ويحتكرون السيناريو والبطولة: المسلسلات التونسية بين تشويش النّص وحيرة الكاميرا !

إن كانت البدايات أجمل ما في الأشياء، فإن الدراما التونسية لهذا الموسم الرمضاني بل تكن - إلى حدّ الآن- فاتحة للشهيّة ولا فاكهة لذيذة يتذوّقها

الجمهور بمتعة وشغف للمزيد! ويبقى الأمل في أن تأتي النهايات بما عجزت عنه المقدّمات، فقد تكون «الأعمال بخواتيمها «! لعلّ من السمات البارزة في مسلسلات رمضان 2020 عدم اقتصار أغلب المخرجين على إدارة الكاميرا ولا حتّى الاكتفاء بكتابة السيناريو إلى جانب الإخراج بل وأيضا احتلال الشاشة كوجوه رئيسية في أدوار البطولة.
يبدو أن مكان المخرج لم يعد وراء الكاميرا باعتباره المهندس الذي يصمّم أشكال الترابط بين مكوّنات العمل الدرامي في تناسق مع حركة الممثلين... ويحدث أن يترك المخرج موقعه الأصلي والطبيعي ليقفز إلى قلب أستوديو التمثيل ليصبح ممثلا وبطلا في المسلسل ذاته الذي يشرف على إخراجه! ولنا في الدراما الرمضانية على القنوات التونسية أمثلة ونماذج لإصرار جلّ المخرجين على المسك بين قبضة يدهم بقلم كتابة السيناريو وبآلة الكاميرا وبشخصية الممثل في آن واحد !

بسام الحمراوي ومغامرة «قلب الذيب»
على شاشة التلفزة الوطنية، يستعجل مسلسل «قلب الذيب» الظهور مباشرة بعد الإفطار دون مقدّمات ودون ترك مجال للمتفرج للاستعداد الجيّد لعملية الفرجة. ورغم أنه العمل الأوّل في مسيرته كمخرج ، فإن بسام الحمراوي ركب قارب المغامرة في مسلسله البكر. فلم يبذل كل الجهد والاهتمام بعملية الإخراج العسيرة والتي يطرق أبوابها للمرّة الأولى بل اختار تشتيت التركيز والمهام بين وظيفته كمخرج ودوره كبطل في مسلسل من إخراجه. وإن يزعم بسام الحمراوي أن العمل هو عبارة عن «فانتازيا تاريخية» ويعود إلى حقبة الأربعينات قبل استقلال تونس ليعكس مقاومة التونسيين للاستعمار الفرنسي سواء اتخذّت تحرّكات «الفلاّقة» أو كانت في شكل تنظيمات نقابية...فإن النص لم يخل من مواطن علّة وتعثر وخطأ كثيرة كما يمكن تجنبها بالاستعانة بأهل الاختصاص من مؤرخين ومختصين في الأزياء ومراجعين للهجات...

وإن جاء السيناريو والحوار بإمضاء بسام الحمراوي وعاهد كرماوي وجهاد الشارني، فإنّ آخر الجينيريك لا يلبث أن يذّكرنا بأنّ «قلب الذيب» هو فكرة وإخراج بسام الحمراوي. ربمّا استعجل صاحب «قلب الذيب» الإخراج التلفزي وكتابة سيناريو الدراما دفعة واحدة وهو في أوّل المشوار ، فاحتار المتفرج على أي أساس يقيّمه ويعاتبه ؟ هل بصفته بطلا أم مخرجا أم صاحب فكرة النص في «قلب الذيب»؟
وقد يكون الذنب ذنبان، بعد أن أخذت التلفزة التونسية على عاتقها بث «قلب الذيب» الذي كانت وجهته الأولى قناة الحوار التونسي. ولا شك أنّ ارتعاشة «قلب الذيب» على شاشة الوطنية الأولى قد تكون زلة لن يغفرها التونسيون لتلفزة الشعب !

أكثر من وجه ليسري بوعصيدة
في مسلسل «27»
عن بطولات الجيش التونسي وتضحياته ووقوفه سدّا منيعا لحماية البلاد والعباد، جاء مسلسل «27» الذي يتحدث عن اسبسال «الفرقة 27» في التصدّي لبارونات التهريب وشبكات الإرهاب بنيّة رفع التحيّة إلى جنود الوطن وتكريم شهدائهم ممّن ارتمى بدمائهم الزكيّة تراب تونس. وفي مصر أيضا تمّ هذا الموسم إنجاز مسلسل»الاختيار» تكريما للجيش المصري عن طريق تناول درامي لقصة حقيقية لحياة أحمد صابر المنسي قائد الكتيبة 103 الذي استشهد في كمين مربع البرث بمدينة رفح المصرية عام 2017 أثناء التصدي لهجوم إرهابي في سيناء. وعند مشاهدة المسلسلين، ترجح كفّة الميزان لصالح «الاختيار» ولكن يبقى تشجيع الدراما التونسية واجبا في ظل شح الإمكانات من جهة و استسهال المقاربات الدرامية من جهة أخرى.

تشاء الصدف أن يكون مسلسل السهرة الذي تراهن عليه التلفزة التونسية في السباق الدرامي الرمضاني أيضا بتوقيع مخرج وسيناريست وممثل واحد في آن واحد! بعد أن كتب سيناريو مسلسل «شوّرب «، يعود السيناريست محمد يسري بوعصيدة إلى الدراما التلفزية ليضع سيناريو وحوار مسلسل «27» تحت يافطة «تحية إكبار وإجلال لجيشنا الوطني وهدية إلى أرواح شهدائنا الزكية» .

وإن اعتاد محمد يسري بوعصيدة على الإخراج التلفزي والسينمائي وتعوّد على كتابة السيناريو، فإنه لم يكن في منجى من سهام النقد بسبب أخطاء متكررة في مواقع عديدة على مستوى السيناريو والمونتاج والإخراج ... في المقابل لم يكتف مخرج مسلسل «27» بمهام السيناريو والحوار والإخراج على صعوبتها وحسمها في نجاح العمل من عدمه، بل تخلى عن مكانه وراء عدسة الكاميرا واقتحم حقل التمثيل ولبس ثوب الممثل. حيث ظهر منذ الحلقة الأولى في شخصية السياسي الانتهازي الذي يتشدّق بمحاربة الفساد وهو الغارق في قذارة السياسة.
وإن يبدو حضور يسري بوعصيدة موّفقا كممثل سيّما وقد أجاد محاكاة شخصية سياسية شهيرة في إعلانها الحرب على الفساد ، فلاشك أن الحلقات القادمة هي الكفيلة بحفظ ماء الوجه لهذا المخرج والسيناريست بعد أن لاقت الحلقات الثلاث الأولى استهجان رائح واسعة من الجمهور وأيضا عدد من أهل الاختصاص والمهنة. فهل تحدث المعجزة وينجح مسلسل 27 الذي في نجاحه نجاح التلفزة الوطنية وفي هزيمته هزيمة للقناة الأمّ؟

بسام خياطي ومسلسل الأكشن في
«العميل 86»
فتحت رياضة «الكونغ فو» بوابة الشهرة أمام الشاب التونسي بسام خياطي الذي أصبح ممثلا عالميا وواحدا من نجوم فنون القتال في عدّة أفلام بهوليوود. ويشتهر بسام خياطي بصفته الممثل التونسي والعربي الذي يجيد أدوار الأكشن سيما وقد عمل مع «جاكي شان» و «بويكا»... وفي طرح مغاير للمعتاد والسائد في الدراما التونسية، يقترح بسام خياطي على جمهور القناة الخاصة «قرطاج +» مسلسلا بوليسيا عموده الفقري يقوم على «الأكشن « يحمل عنوان «العميل 86». ويتحدث العمل عن عميل سري يدافع عن وطنه بمواجهة مافيا عالمية والسعي للإطاحة بتجار السلاح والمخدرات والاثار ...و ذلك البتنسيق بين المخابرات التونسية والصينية لتفكيك شبكة المافيا .
وإن تم تصوير حلقات «العميل 86» بين تونس والصين وتايلندا، فإن البطولة العمل جاءت مشتركة بين ممثلين تونسيين على غرار معز القديري وسلمى جلال ومراد بن نافلة.... وبين وجوه أجنبية من عديد الجنسيات على غرار تركيــا والصين وأمريكا وروسيا...
وإن قام بسام خياطي بتأليف قصة «العميل 86» مع التعاون في كتابة السيناريو والحوار مع «أيان فان كليف»، فإنه اختار بأن يكون هو مخرج العمل وأحد أبطاله على الشاشة أيضا.

تبدو مناخات مسلسل «العميل 86» مختلفة ولا تشبه سياقات الدراما التونسية المتعارف عليها ممّا من شأنه أن يشدّ المتفرج ويدفعه لاكتشاف دراما الأكشن كتوّجه جديد على شاشات قنواته.... ويبقى نجاح هذا المسلسل رهين قدرة بسام خياطي الذي اختار الجمع بين السيناريو والتمثيل والإخراج على التحكم جيّدا في خيوط اللعبة والحبكة.
قد لا يتبيّن « الخيط الأبيض من الخيط الأسود» إلا بعد مزيد بث حلقات مسلسلات رمضان مع الاقتراب شيئا فشيئا من العقدة. وكلّ الرجاء ألا يكون إخفاق الدراما التونسية بسبب تغييب كبار كتّاب السيناريو وتهميش روايات جيّدة يمكن أن تكون مرجعية قوية للنص والحوار ... حتّى لا يجني بعض المخرجين على أنفسهم وأهلهم بسبب الإصرار على الاستحواذ على كل مقوّمات العمل الدرامي واحتكار مواده الأساسية من كتابة وإخراج وأداء في آن واحد ودفعة واحدة !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا