المعتذر، آلان يتأمّل السرّة قصّة لميلان كونديرا

المعتذر، قصّة قصيرة للكاتب التشيكي الأصل، فرنسيّ المنشأ ميلان كونديرا وصاحب العديد من الأعمال الأدبية الهامّة مثل: الحياة في مكان آخر،

كائن لا تحتمل خفّته، الخلود، البطء والعديد من الأعمال الأخرى. تحصّل على الكثير من الجوائز الأدبية المرموقة وكان على قائمة المرشّحين لجائزة نوبل للآداب لعديد المرّات أيضا.
"المعتذر" قصّة تبدأ بتأمّل البطل لسرّة "الفتيات اليافعات" متسائلا عن مكمن الغواية، وتنتهي بنقاش فلسفيّ وجوديّ عن الحياة والموت والإرادة من خلال حوار متخيّل بين البطل ووالدته التي تخلّت عنه وهجرت والده بعد أن أُكرهت على إنجابه فظلّ طوال حياته معتذرا عن وجوده ومنتميا إلى "جيش المعتذرين".
فائزة بودبّوس: أستاذة لغة إنكليزية ومترجمة، صدر لها مؤخرا رواية مترجمة عن الإنكليزية بعنوان "المرأة ليست رجلا" للكاتبة الأمريكية من أصل فلسطينيّ: عطاف رام، عن دار نشر صفحة سبعة.

عن الأنجليزيّة: فايزة بودبّوس ترجمتها

كان شهر يونيو وكانت شمس الصباح قد بدأت تبزغ من بين السحب عندما كان آلان يسير ببطء في أحد شوارع باريس مراقبا الفتيات اليافعات. كشفت كلّ واحدة منهنّ عن سرّة عارية تتوسّط البطن بين بنطال منخفض للغاية مشدود بحزام وقميص قصير جدّا. كان مفتونا، مفتونا بهنّ كثيرا، حتّى أنّه كان مضطربا: كنّ كما لو أنّ قوّة الغواية لديهنّ لم تعد تستقرّ في أفخاذهنّ، أردافهنّ أو صدورهنّ وإنّما في ذلك الثقب الصغير وسط الجسد. دفعه هذا الأمر إلى التفكير: إذا كان الرجل (أو جيل ما) يرى أن الفخذين هما مركز قوّة الغواية لدي الأنثى، فكيف لأحد ما أن يصف ويعرّف بخصوصيّة ذلك الميل الإيروتيكيّ إذن؟
ارتجل إجابة: إنّ طول الفخذين صورة مجازيّة للطريق الممتدّ والساحر (لذلك فإنّه لابدّ للفخذين من أن يكونا طويلين) المؤدّي إلى بلوغ الإثارة. بالفعل، حدّث آلان نفسه، حتّى في منتصف المضاجعة، فإنّ طول الفخذين يمنح المرأة ذلك السحر الرومانسي للمستحيل. إذا كان الرجل (أو جيل ما) يري أن الردفان هما مركز قوّة الغواية لدى الأنثى، فكيف لأحد ما أن يصف ويعرّف بخصوصيّة ذلك الميل الإيروتيكيّ إذن؟
ارتجل إجابة: الشراسة والإثارة هما أقصر طريق نحو الهدف، هدفٌ أكثر إثارة لكونه مزدوجا.
إذا كان الرجل (أو جيل ما) يرى أن الثديين هما مركز قوّة الغواية لدي الأنثى، فكيف لأحد ما أن يصف ويعرّف بخصوصيّة ذلك الميل الإيروتيكيّ إذن؟
إرتجل إجابة: قداسة المرأة، مريم العذراء تُرضع المسيح، الذكر جاثم على ركبتيه قُبيل المهمّة النبيلة لجنس الأنثى. ولكن كيف لأحد أن يُعرّفَ ايروتيكيّة رجل (أو جيل ما) يرى أن قوّة غواية الأنثى تتمركز وسط الجسد، في السرّة؟
وهكذا، سائرا على طول الشوارع بتمهّل سيظلّ يفكّر بالسرّة، غير عابئ بتكرار نفسه، بل متمسّكا بتلك الفكرة بعناد غريب إذ أنّ السرّة أيقظت في داخله ذكرى بعيدة: إنّها ذكرى لقائه الأخير بأمّه.

في ذاك الوقت كان في سنّ العاشرة. كان هو ووالده يقضّيان العطلة بمفردهما في فيلا مستأجرة بحديقة وحوض سباحة. كانت تلك المرّة الأولي التي تأتي فيها لرؤيتهما بعد غياب عدّة سنوات.
أغلقت، هي وزوجها السابق، على نفسيهما داخل الفيلا. كان الجو خانقا حتّي على بعد أميال من المكان. كم من الزمن بَقيت؟ ربّما ليس أكثر من ساعة أو ساعتين، خلال ذلك الوقت حاول آلان أن يتسلّى داخل المسبح. كان يقفز خارجه عندما توقّفت هناك لتودّعهما. كانت وحيدةً. تُرى عمّ تحدّثا؟ إنّه لا يعرف. يذكر فقط أنّها كانت تجلس على كرسي في الحديقة وأنّه كان يقف مواجها لها بينما لا يزال مرتديا سروال السباحة المبللّ. ما قيل قد نُسي لكن لحظةً ما ظلّت ثابتةً داخل ذاكرته، لحظة ملموسة لحظة محفورة في الذهن بحدّة: من داخل كرسيّها ظلّت تحدّق باهتمام في سرّة ابنها.

لا يزال يشعر بوقع تلك النظرة على بطنه. نظرة يصعب فهمها: بدا له كما لو أنّها تعبّر عن مزيج من الحنان والازدراء لا يُفسّران. اتّخذت شفتا الأمّ شكل ابتسامة (ابتسامة تعبّر عن حنان وازدراء معا) ودون أن تنهض من الكرسيّ مالت نحوه ولمست بسبّابتها سرّته. ثمّ فورا وقفت وقبّلته (هل قبّلته حقّا؟ ربّما، لكنّه ليس واثقا من ذلك) وغادرت. لم يرها أبدا بعد ذلك.

امرأة تترجّل خارج سيارتها

تسير سيارة صغيرة على طول الطريق حذو النهر. نسمة الصباح الباردة تجعل من الأرض الكئيبة أكثر بؤسا في مكان ما بين حافّة ضاحية المدينة والريف الممتدّ أين يتضاءل عدد البيوت ويغيب المترجّلون عن مجال الرؤية. تتوقّف السيّارة على جانب الطريق فتنزل امرأة جميلة جدّا ويحدث أمر غريب: بلامبالاة شديدة تدفع باب السيّارة فلا ينغلق تماما.
ما معني تلك اللامبالاة؟ إنّه لأمر لا يصدّق في أيّام تعجّ باللصوص كهذه الأيّام؟
أتكون المرأة شاردة الذهن إلى هذا الحدّ؟

لا، لا تبدو شاردة الذهن، فعلى العكس من ذلك كان الإصرار باديا على وجهها. هذه المرأة تعرف ماذا تريد. هذه المرأة محض إرادة. مشت بعض مئات الياردات على طول الطريق، نحو جسر معلّق على النهر، جسر عال، ضيّق وممنوع على العربات. تقدّمت بعض خطوات نحو حافّة النهر البعيدة. نظرت حولها عدّة مرّات لا كامرأة على موعد مع أحدهم وإنّما لتتأكّد أنّ لا أحد يراها. في منتصف الجسر تتوقّف. لوهلة تبدو متردّدة لكن لا ليس تردّدا أو خفوتا عن الإصرار، على العكس من ذلك، إنّها وقفة لتشحذ تركيزها، لتجعل إرادتها أكثر صلابة. إرادتها؟ بل كرهها، حتى تكون أكثر دقّة. نعم الوقفة التي بدت كتردّد هي في الحقيقة استحضار لكرهها حتى يقف إلى جانبها، حتى يدعمها وحتى لا يتخلّى عنها للحظة.

رفعت ساقها فوق حافّة الجسر الحديديّة وألقت بنفسها في الفراغ. في نهاية سقطتها ارتطمت بشدّة على سطح الماء المتصلّب فخدّرت برودة الماء جميع أطرافها لكنها رفعت وجهها إثر لحظات قصيرة وبما أنّها سبّاحة جيّدة اندفعت كلّ ردود فعلها بقوّة تلقائيّا لتحول دون رغبتها في الموت. سحبت رأسها أسفل الماء مجدّدا مجبرة نفسها على ابتلاع الماء لتمنع نفسها من التنفّس. فجأة سمعت صرخة، صرخة قادمة من ضفّة النهر البعيدة. أحدهم كان قد رآها. فأدركت أن الموت لن يكون أمرا سهلا، وأنّ عدوّها الأعظم لن يكون عدم قدرتها على كبح ردّة فعل السبّاحة الماهرة فيها وإنّما شخص لم تكن قادرة على معرفة هويّته. سيكون عليها أن تصارع، أن تصارع من أجل إنقاذ رغبتها في الموت.

قامت بالقتل.
امتدّ بصرها نحو مصدر الصرخة. أحدهم قفز في النهر. فكّرت: من يكون الأسرع، أهي في إصرارها على البقاء تحت الماء، في ابتلاع الماء، في إغراق نفسها أم هو؟ ذلك الشخص القادم؟ عندما تكون نصف غارقة منهكة برئتين مليئتين بالماء ألن تكون فريسة سهلة في متناول المنقذ؟ سيسحبها نحو ضفّة النهر سيمدّدها على الأرض سيطرد الماء من جسدها بواسطة النفخ في فمها، سيستدعي فريق الإنقاذ، الشرطة، وسيتمّ إنقاذها وستصبح محطّ سخرية إلى الأبد.
"توقّفي توقّفي " صرخ الرجل.
تغّير كلّ شيء. عوض أن تغطس أسفل الماء، رفعت رأسها وتنفّست عميقا لتستعيد قوّتها. كان هو واقفا أمامها. كان فتى شابّا، مراهقا، يأمل في أن يكون مشهورا في أن تُنشر صورته على صفحات الجرائد. ظلّ يكرّر نفس الكلمة: توقّفي!
توقّفي!
كان قد مدّ يدا نحوها، وعوض أن تتجنّبها، أمسكت بها، قبضت عليها بشدّة وسحبتها (وسحبته) نحو عمق النهر. صرخ مرة أخري "توقّفي" كما لو أنّها الكلمة الوحيدة التي يستطيع نطقها. لكنّه لن يستطيع نطقها مجدّدا.
تمسّكت بذراعه سحبته إلى العمق ثمّ تمدّدت بكامل جسدها على ظهره حتّى تُبقى على رأسه أسفل الماء. صارع، تخبّط، كان قد ابتلع الماء، حاول ضرب المرأة لكنّها ظلّت جاثمة عليه بشدّة، لم يستطع رفع رأسه ليستنشق الهواء وبعد عدّة ثوان طويلة جدّا توقّف عن الحركة. ظلّت على تلك الوضعيّة ممسكة به بشدّة برهة. كانت ممدّدة على جسده مرتعدة ومرهقة كما لو أنّها تأخذ قسطا من الراحة. ثمّ عندما أدركت أنّ الرجل الذي تحتها لن يتحرّك مرّة أخرى، أفلتت قبضتها عنه واستدارت نحو ضفّة النهر التي جاءت منها كي لا تحتفظ بداخلها حتّى بظلّ ما كان قد حدث للتوّ.

ولكن ما الذي يحدث؟ هل تخلّت عن إصرارها؟ لِمَ لم تغرق نفسها ما دام الشخص الذي حاول تجريدها من موتها لم يعد حيّا؟ لماذا، وهي الآن حرّة، لم تعد تبحث عن الموت؟

الحياة التي استعادتها بشكل لا متوقّع كانت بمثابة الصدمة التي حطّمت عزيمتها، لقد فقدت القوّة لتركّز طاقتها على الموت. إنّها ترتجف، مجرّدة من أيّ إرادة، وأيّ قوّة وحيويّة فأخذت تسبح بشكل ميكانيكيّ نحو المكان الذي أهملت فيه السياّرة

عادت إلى البيت
شيئا فشيئا أحسّت أنّ مستوى الماء أصبح أقلّ عمقا، لمست بقدمها قاع النهر، وقفت، فقدت حذائها في الوحل ولم تكن لديها القوّة لتبحث عنه فغادرت الماء حافيّة وتسلّقت الحافّة نحو الطريق.

كان للعالم الذي كانت تعيد اكتشافه مظهرا كئيبا، فجأة أحسّت بقلق يسيطر عليها: لم تكن تملك مفتاح السيارة، أين هو يا ترى؟ لم يكن لتنّورتها جيوبا لتضعه فيهما وعندما تكون في طريقك نحو الموت لن تقلق بشأن ما يمكن أن يسقط منك أثناء ذلك. لم يكن المستقبل موجودا في ذهنها عندما غادرت السيارة ولم يكن لديها شيء لتخفيه، أمّا الآن فجأة، صار عليها أن تخفي كلّ شيء دون أن تترك أثرا. أخذ قلقها يتعاظم تدريجيّا: أين المفتاح؟ كيف سأدخل المنزل؟ بحثت في السيارة، سحبت الباب ولدهشتها فقد فُتح. كان المفتاح في انتظارها ملقى على لوحة القيادة. جلست وراء المقود ووضعت قدميها العاريتين على دواسات السيارة. كانت لا تزال ترتجف من الخوف والآن ها هي ترتجف من البرد أيضا. كان قميصها وتنورتها ينضحان بماء النهر الملوّث المنساب في كلّ مكان. أدارت المفتاح في السيارة وانطلقت.

الشخص الذي فرض عليها أن تواصل العيش مات غرقا والشخص الذي كانت تحاول قتله في بطنها لا يزال حيّا. استبعدت فكرة الانتحار من ذهنها إلى الأبد. لن تتكرّر. الرجل الشاب ميّت والجنين حيّ وهي ستفعل كلّ ما في وسعها لمنع أيّ كان من اكتشاف ما حدث. كانت ترتجف وتحاول استعادة رغبتها في الحياة، لم تكن تفكّر في شيء عدا مستقبلها القريب: كيف ستخرج من السيارة دون أن يراها أحد؟ كيف ستتسلّل في ثيابها المبلّلة من أمام نافذة البوّاب دون أن يلاحظ مرورها؟

أحسّ آلان بضربة شديدة على كتفه. "احترس، أيّها الغبيّ"
ألتفت ورأي فتاة تعبر بجانبه على الرصيف بخطوات سريعة ونشطة.
"آسف" صرخ نحوها بصوته الضعيف.
"أحمق" أجابته بصوتها القويّ دون أن تلتفت نحوه.

المعتذرون

مرّ يومان إثر تلك الحادثة، وكان آلان وحيدا في شقّته المكوّنة من غرفة واحدة. لازال يشعر بألم في كتفه. فكّر أنّ لا بدّ لتلك المرأة التي ضربته على نحو يبدو جادّا أن تكون قد فعلت ذلك عن قصد. لم يستطع نسيان صوتها الحاد وهي تنعته بالغبيّ وهو يسمع صوته المتوسّل مرّة أخري يقول "آسف" قبل أن تنعته مجدّدا ب"الأحمق". مرّة أخرى، إنّه يعتذر من أجل ذنب لم يقترفه!

لماذا يردّ الفعل دائما بهذا الشكل السخيف متوسّلا الغفران؟
أحسّ أن ذاكرته لن تدعه وشأنه وأنّه عليه أن يتحدّث إلى أحد ما. اتصل بحبيبته مادلين. لم تكن في باريس وهاتفها المحمول كان مغلقا. لذلك فقد ضغط رقم صديقه تشارلز ولم يكد يسمع صوت صديقه حتى بدأ بالاعتذار. "لا تغضب. أنا في مزاج سيّء جدّا وأحتاج أن أتكلّم.

"إنّه الوقت المناسب تماما. أنا أيضا في مزاج سيّء. لكن لِمَ أنت كذلك؟"
"لأنّي مستاء من نفسي. لماذا أبحث عن كلّ فرصة لأشعر بالذنب؟"
"الأمر ليس فظيعا لهذه الدرجة."
"أن تشعر بالذنب أم لا. هذه هي كلّ المسألة. الحياة صراعُ كلّ شيء مع كلّ شيء. هذه حقيقة. ولكن كيف يحدث ذلك الصراع في مجتمع ليس متحضّرا على نحو تام؟"
لا يستطيع الناس مهاجمة بعضهم البعض علنا. فيعوّضون عن ذلك بإلقاء الشعور بالعار والذنب على عاتق بعضهم بعضا. الشخص الذي ينجح في جعل الآخر يشعر بالذنب هو من سينتصر والمرء الذي يعترف بجرمه هو من سيخسر. بينما أنت تسير في الطريق منغمسا في التفكير تأتي فتاة وتمشي في اتجاهك مباشرة كما لو أنّها الشخص الوحيد على سطح الأرض لا تلتفت يمنة ولا يسرة فتصطدمان ببعضكما وهناك تكمن لحظة الحقيقة:

من سيشتم الآخر ومن سيطلب الاعتذار؟ إنّها وضعيّة مألوفة: في الحقيقة كلاهما معتدٍ ومعتدى عليه ورغم ذلك بعض الناس دائما، فورا وتلقائيّا يعتبرون أنفسهم المعتدى عليهم وبالتالي فهم في تلك الوضعيّة يسارعون في اتهام الآخر ومعاقبته. ماذا عنك أنت، هل تعتذر أو تتّهم في تلك الوضعيّة؟
"أنا، سأعتذر حتما."

"آه يا صديقي المسكين، إذن فأنت أيضا تنتمي إلى جيش المعتذرين. تتوقّع أن تهدّأ من روع الآخر باعتذاراتك."

"بالتأكيد".
"إنّك مخطئ. فالشخص الذي يعتذر يُعلن نفسه مذنبا وإذا ما أعلنت نفسك مذنبا فإنّك تسمح للآخر أن يمعن في شتمك ولومك بشكل معلن حتّى الممات. تلك هي التبعات التي لا مفرّ منها للاعتذار الأوّل.

"هذا صحيح. لا يجب على المرء أن يعتذر. رغم ذلك أنا أفضّل عالما يعتذر فيه الجميع، دون استثناء، وبلا هدف معيّن، بإفراط، ومن أجل لا شيء، عالم يُحمّل الناس فيه أنفسهم عبء الاعتذارات"

التقط آلان هاتفة ليتّصل بمادلين ثانية. لكنّ هاتفها رنّ طويلا دون جدوى. كما يفعل في أحيان كثيرة في لحظات مشابهة لهذه، ركّز اهتمامه على صورة معلّقة على الجدار. فليس لديه أي صورة في شقّته عدا تلك: وجه امرأة شابّة-إنّها أمّه.

بعد عدّة أشهر من ولادة آلان، تركت أمّه أباه الذي لم يتحدّث عنها بسوء أبدا وذلك بسبب طبيعته الكتومة.
كان رجلا رقيقا وطيّبا. لم يكن الصبيّ يفهم كيف لامرأة أن تهجر رجلا بتلك الطيبة والرقةّ، وكان لا يكاد يفهم كيف استطاعت التخلّي عن ابنها، الذي كان أيضا (وكان واعيا بذلك) منذ طفولته (إذا لم يكن منذ أن كانت حاملا به) شخصا رقيقا وطيّبا.

"أين تسكن؟" كان قد سأل والده.
"ربّما في أمريكا".
"ماذا تعني ب 'ربّما'؟"
"لا أعرف عنوانها"
"ولكن من واجبها أن تعطيك إيّاه"
"ليست مطالبة بشيء نحوي"
"ولكن ماذا عنّي أنا؟ ألا تريد أن تسمع عن أخباري؟ ألا تريد أن تعرف ماذا أفعل؟ ألا تريد أن تعرف أنّي أفكّر بها؟"
ذات يوم انفجر الأب:
"ما دمت تصرّ، سأخبرك إذن: أمّك لم تكن ترغب في إنجابك. لم تكن تريدك أن تكون موجودا هنا أبدا، أن تلقي بنفسك في ذلك الكرسي المريح كما تفعل الآن؟ لم ترد أن تقوم بأي شيء معك. هل فهمت الآن؟"

لم يكن الأب رجلا عنيفا. ولكن رغم تحفّظه الشديد لم يفلح في إخفاء خلافه العميق مع امرأة حاولت أن تمنع إنسانا من المجيء إلى العالم.

لقد وصفتُ سابقا لقاء آلان الأخير مع أمّه قرب حوض السباحة في البيت المستأجر من أجل العطلة. كان في العاشرة حينذاك. وكان في السادسة عشر عندما توفيّ والده. بعد أيام قليلة من الجنازة، اقتطع صورة أمّه من ألبوم صور العائلة، وضع لها إطارا وعلّقها على جداره. لِمَ لم تكن لديه ايّ صورة لوالده في شقّته؟ لا أعرف. هل يبدو الأمر لا منطقيّا؟ من المؤكّد أنّه كذلك. إنه أمر غير عادل؟ بلا شكّ. ولكنّ الأمر كذلك. فعلى جدران شقّته الصّغيرة هناك صورة وحيدة معلّقة: إنّها لوالدته التي كان، من حين إلى آخر، يتحدّث إليها.

كيف يولد المعتذر
"لم لم تجهضي؟ هل منعك من ذلك؟"
صوت ما جاءه من الصورة "لن تعرف ذلك أبدا. كلّ ما تعرفه عنّي مجرّد خرافات. لكنّني أحبّ قصصك الخرافيّة. حتّى عندما تجعل منّي قاتلة أغرقت شابّا يافعا في النهر. أحبّ كلّ ذلك. استمر في ذلك، آلان. احك لي قصّة، هيّا، تخيّل إنّي أنصت لك"!
"علينا أن نقتلع الفساد من أعلى مستويات الحكومة ونجعله يبدو كما لو انّه يحدث في أدني مستوياتها"
أخذ آلان يتخيّل. تخيّل أباه يمتطي أمّه. قبل المضاجعة حذّرته: " لم أتناول حبّة منع الحمل، انتبه" فطمأنها. لذلك فقد ضاجعته مطمئنّة، ثمّ، عندما لاحظت علامات الرعشة قد ارتسمت على وجه الرجل وازدادت صرخت: "انتبه" ثم" لا لا، لا أريد، لا أريد" لكن وجه الرجل أخذ في الاحمرار أكثر فأكثر، كان وجهه أحمر ويبعث على الاشمئزاز، دفعت عنها ثقل جسده الذي كان يحاول تثبيتها تحته، قاومت، لكنّة التفّ حولها بإحكام. فجأة فهمت أنّ الأمر بالنسبة اليه ليس مسألة عشق أعمي وإنّما عناد-عناد بارد ومتعمّد-أمّا بالنسبة إليها فكره، كره أكثر شراسة لأنّ المعركة خاسرة.

لم تكن هذه المرّة الأولي التي يتخيّل فيها ألان مضاجعتهما، مضاجعتهما تخدّره وتجعله يفترض أنّ كلّ كائن إنسانيّ هو نسخة مطابقة للحظة تشكّله في الرحم. وقف أمام المرآة وأخذ يبحث في وجهه عن خطوط الكره المزدوج والمتزامن مع كره آخر. الكرهان اللذان أدّيا إلى ولادته: كره الرجل وكره المرأة لحظة النشوة لدى الرجل، كره الناعم وقويّ البنية توائم مع كره الشجاع وضعيف البنية وفكّر انّ ثمرة ذلك الكره المزدوج لا يمكن أن تكون إلاّ معتذر. كان لطيفا وذكيّا مثل أبيه وسيكون دائما متطفّلا كما تراه أمّه. الشخص المتطفّل واللطيف في آن واحد هو منذور، وفقا لمنطق متشدّد، للاعتذار طوال حياته. تأمّل الوجه المعلّق على الحائط ورأى مرّة أخري المرأة المنهزمة في ثوبها الذي يقطر ماءً تصعد السيارة وتتسلل دون أن يلاحظها أحد من أمام نافذة بواب البناية. تتسلّق الدرج وحافية تعود إلى شقّتها أين ستبقي حتى يغادر الغريب جسدها وأين بعد أشهر قليلة ستتخلّي عنهما الاثنين.

شجرة حواء
كان آلان يجلس على أرضيّة شقّته، متّكئا على الحائط وكان رأسه يتدلّى أمامه: يبدو أنّه غفي. فأيقظه صوت أنثويّ. "لقد أحببت كلّ ما قلته حتّى الآن، أحبّ كلّ ما تخترعه مخيّلتك ولا شيء لديّ لأضيفه عدا
شيئا عن السرّة ربّما.
بالنسبة إليك المرأة التي لا سرّة لديها هي ملاك. بالنسبة إليّ إنّها حواء، أوّل امرأة. لم تولد من رحم وإنّما من نزوة، نزوة الخالق. لقد برز أوّل حبل سرّي من فرجها، من فرج امرأة بلا سرّة. إذا ما كنت سأصدّق الإنجيل فإنّ هناك حبال أخرى أيضا يُربط إليهم رجل وامرأة صغيرين. بقيت أجساد الرجال بلا تكملة، بلا جدوى تماما بينما من عضو كلّ أنثى يخرج حبل سريّ آخر في نهايته رجل آخر وامرأة أخرى ويتكرّر ذلك ملايين المرّات قبل أن يتحوّل إلى شجرة ضخمة، شجرة مكوّنة من عدد لا متناه من الأجساد، شجرة تصل أغصانها إلى السماء. تخيّل، تلك الشجرة العملاقة متجذّرة في فرج امرأة صغيرة، المرأة الأولى، حواء المسكينة التي بلا سرّة.

"كنت قد صرت حاملا ورأيت نفسي جزءًا من تلك الشجرة، أتدلّى من أحد حبالها وانت لم تكن حينها قد ولدت بعد، تخيّلتك تطفو في الفراغ، معلّقا بالحبل الخارج من جسدي ومنذ ذلك الحين حلمت بقاتل في الأسفل يقطع عنق المرأة التي بلا سرّة. تخيلت جسدها يتحلّل في سكرات الموت، حتى بدأت كلّ تلك الشجرة الضخمة التي نبتت من داخلها، والتي أصبحت الآن بلا جذور ولا قاع، في السقوط. رأيت الانتشار اللامتناهي لأغصانها يتراجع كما تتراجع عاصفة ضخمة. افهمني-ما كنت أحلم به ليس نهاية تاريخ الإنسانيّة أو إلغاء المستقبل. لا،لا، ما أردته هو الاختفاء التام للجنس البشريّ بمستقبله و ماضيه، ببدايته و نهايته، بامتداد كامل فترة وجوده، بكلّ ذاكرته، بنيرو و نابوليون, ببوذا و المسيح. أردت الإبادة التامّة للشجرة المتجذّرة في البطن الصغير للمرأة التي بلا سرّة، تلك المرأة الأولى الساذجة التي لم تكن تعرف ماذا كانت تفعل ولا الفظاعات التي سندفع ثمنها جرّاء مضاجعتها البائسة، التي من المؤكّد لم تقدّم لها أيّ متعة.
اختفى صوت الأم وآلان، متكئا على الجدار، غفى مجدّدا.

حوار على الدرّاجة الناريّة
في صباح اليوم التالي، وعلى الساعة الحادية عشرة تقريبا كان على آلان أن يلتقي بصديقيه رامون وكاليبان أمام المتحف قرب حدائق لوكسمبورغ. قبل أن يغادر شقّته استدار ليودّع أمّه في الصورة. ثم عبر الشارع ومشى نحو درّاجته الناريّة المركونة ليس ببعيد عن الشقّة. بينما كان يمتطي الدراجة أحسّ بشعور غامض أن جسدا يجثم على ظهره كما لو أنّ مادلين كانت معه وتلمسه برفق. حرّكته الرغبة، يبدو أنها عبّرت عن الحبّ الذي يشعر به نحو فتاته. أدار المحرّك. ثم سمع صوتا يأتي من خلفه:" أردت أن أتحدّث أكثر"
لا، لم تكن مادلين، لقد تعرّف على صوت أمّه. كانت حركة المرور بطيئة فسمعها تقول:"أردت أن أتأكّد أن لا وجود لخلط بيني وبينك وأنّنا نفهم بعضنا تماما."
كان عليه أن يتوقّف. انزلق مترجّل من بين السيارات ليقطع الطريق والتفت إلى آلان وتوعّده بإشارة من يده.
"سأكون صريحة. لطالما أحسست أنه من الفظيع إرسال شخص إلى عالم لم يطالب بأن يكون فيه"
"أعرف". قال آلان
"أنظر حولك. لا أحد من الناس الذين تراهم أتى إلى هنا بإرادته الخاصّة. بالطبع ما قلته للتوّ هو أسخف حقيقة على الإطلاق. سخيفة جدّا وأساسيّة جدّا إلى درجة أنّنا توقّفنا عن رؤيتها أو سماعها."
لعدّة دقائق ظلّ يسير في طريق ضيّق، محشورا بين شاحنة وسيارة من الجهتين.
" الجميع يثرثر عن حقوق الإنسان. أيّ نكتة هذه؟ إنّ وجودك ليس مؤسّسا على أيّ حق. إنّهم لا يسمحون لك حتّى بوضع نهاية لحياتك باختيارك، أولئك المدافعين عن حقوق الإنسان"
انقلب الضوء في مفترق الطرق إلى الأحمر. فتوقّف. وانطلق المترجّلون عل جانبي الطريق نحو الجهة المقابلة للرصيف.
واصلت الأمّ: "انظر إليهم جميعا، أنظر. نصف الناس الذين تراهم على الأقل بشعين. أن تكون بشعا-هو أحد حقوق الإنسان أيضا؟
وهل تعلم ما يعنيه أن تحمل بشاعتك معك كامل حياتك؟ بلا لحظة واحدة من الارتياح؟ أو جنسك؟ إنّك لا تختار ذلك أبدا. أو لون عينيك؟ أو الفترة الزمنية التي تعيشها على الأرض؟ أو بلدك؟ أو أمّك؟ لا شيء من تلك الأشياء المهمّة. الحقوق التي يمكن أن يتمتّع بها شخص تحتوي فقط على الأشياء التي بلا جدوى فعندها ما من داع هناك للنضال أو كتابة إعلانات حقوق الإنسان العظيمة.

عاد إلى القيادة الآن وصار صوت أمّه أكثر رقّة " أنت هنا الآن كما أنت لأنّي كنت ضعيفة. كان خطئي أنا. سامحني." كان آلان صامتا، ثم قال بصوت هادئ "ما الذي تشعرين بالذنب حياله؟ هل عدم امتلاك القوّة لمنع ميلادي؟ أم عدم تصالحك مع حياتي التي حدث وأنّها ليست بذلك السوء؟"
بعد صمت أجابت، "ربّما تكون على حق. إذن فذنبي مضاعف."

"أنا من يجب أن يعتذر،" قال آلان مضيفا: " لقد سقطت على حياتك مثل روث البقر وطاردتك حتّى أمريكا"
"توقّف عن الاعتذارات، فما الذي تعرفه عن حياتي، يا غبيّي الصغير. هل يمكنني أن أسمّيك غبيّا؟ نعم، لا تغضب حسب رأيي أنت غبيّ وهل تعلم من أين يأتي غبائك؟ من طيبتك، طيبتك الساذجة"
وصل حدائق لوكسمبورغ وركن الدراجة. ثم قال:
"لا تعترضي ودعيني أعتذر، أنا معتذر. هذا ما صنعت منّي، أنت وهو. وهكذا وكمعتذر، أنا سعيد. أشعر بحال جيّدة عندما نعتذر لبعضنا بعضا. أنا وأنت. أليس جميلا أن نعتذر لبعضنا البعض؟"
ثمّ سارا معا نحو المتحف. ♠

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا