من «كوليرا» ماركيز إلى «طاعون» كامو إلى «أيام» طه حسين: إبداع خالد في زمن الأوبئة... فهل سيكتب الأدب «الكورونا»؟

في أوقات الأزمات واجتياح الأوبئة والحروب، كثيرا ما يترجم الفنانون وقع هذا الألم في أعمالهم وهم الذين نذروا حياتهم لنشر الأمل

وعزف إيقاع الحياة لا الموت. ويمكن اقتفاء آثار الأوبئة التي عرفتها البشرية في الإبداعات الفنية على اختلاف لغتها من مسرح وسينما ورسم وشعر وأدب... فعلى سبيل المثال أوجعت «الكوليرا» الشاعرة العراقية نازك الملائكة، فحاربتها في قصيدة شهيرة منحت صاحبتها مفاتيح عرش الشعر. وفي قصيدتها التي وسمتها بـ «الكوليرا»، تقول نازك الملائكة:» في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ... الصمتُ مريرْ... لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ... حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ».

عندما يكشّر الوباء عن أنيابه، متربصا بالحياة وفريسته من البشر... يقف أمامه الفن في محاولة لكسر شوكته ومقاومة وحشيته و توثيق خرابه... حتى تعي الأجيال القادمة أن الوجع لا يدوم مهما طال وأن الحياة تنتصر في النهاية.

«الحب في زمن الكوليرا» رائعة لا تموت!
«إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت «، هكذا قال الأديب الكبير غابرييل غارسيا ماركيز عن روايته الخالدة «الحب في زمن الكوليرا». واليوم كثيرا ما نستعير منه عنوانه لوصف الحياة في زمن الكورونا، فقد تختلف التفاصيل والأزمنة، وتبقى الحاجة إلى الحب واحدة عندما يقترب الموت أكثر فأكثر !
وقد افتعلت رواية ماركيز الحاصل على جائزة نوبل للآداب نشر خدعة «الكوليرا» ليتواصل لقاء العاشقين أكثر وقت وقد التقيا في السبعين من العمر بعد قصة حب بدأت منذ المراهقة لكنها انقطعت بزواج الحبيبة بغير حبييها. وتدور أحداث الرواية على متن سفينة في رحلة بحرية جمعت الحبيبين العجوزين، وحتى لا ينتهي اللقاء يضطر البطل إلى إشاعة نبأ تفشي وباء الكوليرا في السفينة مع رفع علم الوباء الأصفر حتى يفرض عليها الحجر الصحي ولا ترسو إلا للتزود بالوقود .

«شكسبير» قاتل الطاعون بسيف»الملك لير»
«كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة»، يحدث أن ينفجر الإبداع من عمق المأساة وأن تجود قريحة المبدعين بأعمال خالدة. ألم يعلمنا المسعدي بأن «الأدب مأساة أو لا يكون» !
عندما تفشى وباء «الطاعون الدبلي» في القرن 16 ، أغلقت المسارح أبوابها أمام جمهورها ... فلم يعد أمام المسرحي العالمي «شكسبير» سوى الانصراف إلى القلم والورق لإفراغ شحنات القلق والأرق وطرد شبح العزلة والموت. فأبدع في كتابة باقة من أشهر مسرحياته على رأسها «الملك لير» بالإضافة إلى «مكبث» و»أنطونيو وكليوباترا»...

«الطاعون» لألبير كامي أكثر من استعارة في رواية!
قد يكون من الجائر محاولة الإتيان على السرديات الأدبية التي تناولت معضلة الأوبئة دون التوقف عند الرواية الشهيرة «الطاعون» للكاتب الفرنسي من أصل جزائري ألبير كامو. وقد صدرت هذه الرواية سنة 1947 و حاز بفضلها صاحبها على جائزة نوبل للاآداب. و تروي «الطاعون» ارتباك مدينة وهران الجزائرية بسبب وباء الطاعون القاتل واستبسال القطاع الطبي لإنقاذ المدينة من الموت بما في ذلك عزل السكان وفرض الحجر الصحي مقابل انسحاب فئات أخرى وانهماك البعض الآخر في استغلال الوضع لصالحه... وأمام مدافن الموت الجماعية يطرح ألبيركامو أسئلة الوجود والموت والحياة.
وإن يذهب النقاد إلى أن ألبير كامو استعار رمزية «الطاعون» مجازا لتوصيف تجربة الاستعمار وزحف الاحتلال الألماني كالوباء ... فلاشك أن رواية «الطاعون» تلبس رداء كل خطر يحدق بالإنسانية سواء كان حربا أو جوعا أو وباء !

أثر «الكوليرا « في أدب طه حسين
«الحزن كالوباء يوجب العزلة»، هكذا قال عميد الأدب العربي طه حسين الذي لا نعدم تطرقه إلى المعاناة من الوباء عند تصفح أعماله الخالدة على غرار «الأيام» حيث تحدث في الجزء الأول من ثلاثيته - التي يسرد فيها قصة حياته و أطوار حياته - عن انتشار مرض الكوليرا في قريته وموت أخيه الذي كان أمل الأسرة في مستقبل أفضل بسبب هذا الوباء. فكان سبيل العائلة في التوقي من الكوليرا تناول الثوم كالريق كمضاد حيوي ضد المرض.

«وباء» أحمد خالد يتنبأ بفيروس الصين
بعد انتشار فيروس كورونا في الصين، عاد اسم الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق فراج للتداول على نطاق واسع ليس باعتباره «أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال العلمي»، بل لأنه تنبأ في كتبه على غرار «الوباء» بظهور الفيروسات القاتلة في الصين. وهو الذي يقول: «أين يجتمع الخنزير والدجاجة؟ طبعا عند كل فلاح صيني، كل فلاح صيني يخفي في حظيرته مختبرا خطيراً للتجارب البيولوجية، وفي هذه الحظيرة تنشأ أنواع فيروسات فريدة لم نسمع عنها من قبل، ولهذا لا نسمع عن أوبئة الأنفلونزا المريعة إلا من جنوب شرق آسيا حتى صار للفظة «إنفلونزا آسيوية» رنين يذكرنا بلفظة طاعون».
فهل يبوح القرن الحادي والعشرين بعد أزمات فيروس كورونا وحصاده من الأموات والخسائر الاقتصادية والاضطرار إلى عزلة القارات والبلدان في زمن أصبح فيه العالم «قرية صغيرة» بإبداعات فنية وأدبية توّثق لوباء القرن وتحاربه بسلاح الأمل والحياة؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا