ملتقى وطن لفن الممثل: هنا ننحت صخور الجبل لنصنع مسرحا

هنا بني خداش، طريق جبلية ملتوية وممتعة، اغلب المنازل المترامية على أقصى النظر كحبات لؤلؤ زادت المكان بهاء، رائحة الطبيعة ينتشر شذاها لتستقبل

زوار المكان بعطورها المميزة، هنا بني خداش القصور مترامية بعضها لازال يشهد عمن سكنوا المكان، وبعضها فتح أبوابه لاستقبال السياح ليكتشفوا سحر الجبل.
هنا في وسط المدينة فتح وطن ابوابه لمحبي المسرح، الكراسي الحمراء وزعت بطريقة تحترم مسافة المتر مع وجود المعقم في الباب للوقاية من فيروس كورونا المستجد، هنا افتتح ملتقى وطن لفن الممثل في دورته الاولى، دورة وليدة انجزت رغم «الكورونا» ليكتب في التاريخ ان هنا احترموا كل التدابير الوقائية تعيشوا حالات حبّ المسرح في زمن الكورونا.
• مونودرام «المكالمة المقطوعة» لمصطفى المجذوب

الممثل مجنون إلى أن يصعد على الركح
هل ممارسة المسرح جنون؟ أم الجنون يبعث في المجنون قدرة على التجسيد المسرحي؟ هل الصعود على الركح أمام الجمهور وتقديم عمل بسينوغرافيا مختلفة وموضوع حساس جنون؟ أم فاقد العقل في المشفى تسكنه رغبة داخلية في تقمص شخصيات؟ هل الركح آخر المحطات؟ أم هناك محطات أخرى يمرّ بها الممثل؟ هكذا يتساءل الممثل مصطفى المجذوب الذي قطع 2000 كيلومتر من باتنة إلى بني خداش ليقدم مونودرام «المكالمة المقطوعة».

جسد متكوّر على الركح، موسيقى الناي وأنينه يبعث في القلب السؤال وفي العقل الحيرة، ينهض الجسد الذي لبس السواد حاملا دمية كما الرضيع بين يديه، يتجول على الركح ويعيد حساب خطاوته وتكرارها عدة مرات، التكرار هنا الهدف منه مزيد شد انتباه المتفرج عله يبحث داخله عن وجع مشترك مع الشخصية.
الشخصية على الركح، خائفة، مضطربة، تقدم خطوة وتتراجع خطوات، تعيش حالة من الفزع يستشعره المتفرج ،هلع يتماهى مع الموسيقى الحزينة لتصبح الصورة صورة مجنون في مشفى الأمراض العقلية يحاول الإفلات من القيود والادوية، مجنون لازالت بعض ثنايا الذاكرة والعقل مفتوحة أمامه ليستحضر صورة «جميلة»، جميلة في المونودرام ليست المرأة ككائن بل هي الوطن، هي المسرحية، هي المحطة هي الساعة، هي الأنثى المؤثرة في سيرورة الكون والمأثرة في الإنسان.

«المكالمة المقطوعة» عنوان المونودرام، المكالمة المقطوعة حسب العمل هي محاولة اتصال الشخصية بالأمل، محاولة إيجادها سبيل الحب وكيفية التواصل مع الراحة النفسية والفكرية، جسد الممثل يعاضد النص فتتماهى الحركة مع الكلمة، تتحد انّات الجسد وسقطاته وخوفه مع الكلمات الموجعة ورحلة البحث التي تخوضها الشخصية لتعرف نفسها أهي عاقلة ام مجنونة؟ أهي حرة في المحطة تنتظر جميلة؟ أم مقيدة في مشفى المجانين وكل تلك الحركات والكلمات من وحي الخيال والجنون؟ هل هو ممثل مسرحي على الركح يلعب دوره أم مجنون يتقمص شخصيات بفعل الجنون؟ ووسط هذا الكم من الأسئلة التي يطرحها نص الممثل يكون جسد مصطفى مجذوب وعاء ليجمعها جميعها ويقدمها بطريقة سلسلة وممتعة لجمهور فضاء وطن.

• مونودرام «دروس في العشق» لبوبكر الغناي
الركح العاشق وجسد الممثل معشوقه
للعشق سبل كثيرة، وطرق متعددة وبوبكر الغناي اختار المسرح وسيلته للعشق الأكبر واختار الجسد تعبيرته لذلك العشق الذي لا ينتهي، موسيقى الشاوية الجزائرية ترتفع في المكان في أقصى الرّكح «بندير» وضعت داخله بعض الحاجيات النسائية، من عطر ومشط و «فولارة» وبعض جزئيات التجميل عند المرأة وهي اكسسوارات العرض، ترتفع الموسيقى لتصنع مع الضوء الأزرق نقطة انطلاق العرض وعنوان لرحلة سيقدمها جسد الممثل إلى تمثّلات العشق وتفاصيله كما يراها.

«دروس في العشق» هو عنوان المونودرام، يدخل الممثل فاتحا ذراعيه قبل أن يبدئ في الدوران حول ذاته، في العمل مشهدين، كلاهما يبدئ بالرقص لينتهي بسقوط الجسد على الركح إما في وضع الجنين أو في وضع النائم وكأنها تعبيرة عن دورة حياة الإنسان التي تبدئ بالعنفوان لتتراجع تدريجا إلى الخمول فالموت، هكذا تكون رحلة عشق الممثل للمسرح، رحلة تبدأ بشحنة كبيرة للحب وتتراجع تدريجيا أمام وهن الجسد وتعبه.

دروس في العشق رحلة الجسد أثناء بحثه عن الحقيقة، رحلة صامتة دون كلام وحدها لغة الجسد تصرخ للحب للحياة لفعل الإبداع أمام موسيقى قبايلية وشاوية ممتعة، موسيقى تضخ دماء الحب في جسد المستمع وتغريه بالرقص، فينهض الجسد المتكوّر على الرّكح ليعيد الرقص ليصنع ذاته من جديد، يبعث من حطامه كما طائر الفينيق ليعيد ألق الرقص والفكرة للمسرح ولجسد الممثل الذي أكلته «اللغة» و «الكلام» في بعض الأعمال المونودرامية.

في المونودرام يصنع الممثل عوالمه المسرحية المختلفة، يتجول بالجمهور في طقوس موسيقية متباينة، حركاته أيضا كما نبضات القلب، فهي هادئة حينا ومتسارعة كدقّات قلب العاشق أحيانا، دون كلمات، يرش العطر، يضع الفولارة ويرقص بعد كل سقطة، كأنّ بالممثل يخوض غمار تجربة موجعة وصعبة تجربة إثبات الذات من خلال لغة الجسد، تجربة عشق متجدد ومعشوقه اسمه الركح ذلك المكان المخيف الذي يبعث الرهبة في الممثل لكن في الوقت ذاته يشحنه بالحب والجرأة ومنه يتعلم دائما دروسا جديدة في العشق.

• مونودرام «المحراب» لهادية عبيد
كوني ثورة وافتكي حقك في الحياة
هنّ الكادحات، هن صانعات الحياة وباعثات الأمل، هنّ الموجوعات اللواتي أنهكتهن نظرة المجتمع وقسوته، الى كل النساء قدمت هادية عبيد مونودرام «المحراب» في فضاء وطن ضمن مسابقة الملتقى.
الموسيقى قوية وصاخبة، صوت لارتطام شيء ما تحدثه الموسيقى، كرسي توسط الرّكح فوقه شمعة، وست شمعات أخرى وضعت أرضا ربما للشمعة رمزية العائلة والهشاشة أيضا ففي المنظومة المجتمعية تقريبا تشترك كل العائلات التونسية في استعمال الشمعة للدلالة على عذرية المرأة ليلة الزواج، للشمعة ايضا رمزية الهشاشة لأنها سهلة الانطفاء كما المرأة المحاصرة بالقوانين الزجرية والمجتمعية التي تحاول تقييد فكرها.

تلتهب الشموع مع انعكاس للضوء الأصفر منتصف الركح الذي يحدث فرجة بصرية وتشكيلية مميزة، يفتح الباب لتدخل الممثلة بفستان قصير وتدخل في هستيريا كلامية مع عبارة «استر روحك»، «ماتغفنيش، ماتتكلمش، ماتلبسش»، منذ بداية المونودرام يجد المتفرج نفسه في صدمة أمام ذاته وأحكامه المسبقة على المرأة وتعامله معها بمعيار لباسها وشعرها دون محاولة التعرف على انسانيتها.

عنوان المونودرام «المحراب» وهو ذلك المكان المخصص للصلاة والتهجد، وأمام الجمهور صلت الممثلة بطريقتها، صلّت الى خالها صلاة كل امرأة حرّة تعرف أن علاقتها بخالقها جد خاصة ولا دخل للمجموعة فيها، من عنوان العمل تنطلق الممثلة في رحلة ذاتية إلى دواخل المرأة، تلامس وجعها، حركات الجسد المضطربة كأنها محاولة إلى إفشاء أسرارها وحكاياتها، الموسيقى تهدأ حينا وترتفع أحيانا لتصبح صاخبة كما توق الشخصية للحرية، الشخصية التي تعبر عن امرأة مقيدة بقيود المجتمع وأفكاره المسبقة ونوامسيه، تلك النواميس التي تسلبها انسانيتها قبالة إمضاء صك الأخلاق لتستطيع العيش داخله دون خوف.
في «المحراب» لجأت الممثلة كثيرا إلى لغة الجسد، تركت لجسدها حرية التماهي مع الموسيقى وحركات ضوء الشموع لتصنع سينوغرافيا العرض، تركت لجسدها حرية إفشاء الأسرار المركونة علها تتصالح مع دواخل الشخصية وتقاسمها وجعها الذي حاولت إيصاله للجمهور بكل الصدق في الأداء والحركة.
في المونودرام تتفاعل الممثلة مع الموسيقى ليصبح الجسد خفيفا إيقاعه متسارع، وكلما تحدثت عن تحدي المنظومة لمجتمعية وجرأتها على تجاوز الإمام الذي يرغب في تطهيرها تطفئ الشمعة وتحاول تفتيتها وتجاوزها كانّ بالشخصية تحاول تفتيت كل المعيقات المجتمعية التي تحاول أن تكبل المرأة وتدعوها إلى التمرد لافتكاك حقوقها، وفي محراب المسرح رقصت الممثلة حد الانتشاء.

تكريم عبد المجيد بن عمر
ممارسة المسرح هي ممارسة للامل
شامخين كما جبال بني خداش، كل يحمل داخله عشق للمسرح وللحياة، الممثلين عبد المجيد بن عمر و احمد العربي الحمداوي هما المكرمان في افتتاح ملتقى وطن لفن الممثل، في كلمته أشار عبد المجيد بن عمر أن «عشق المسرح كما الحياة، سكنه منذ الطفولة وانطلقت تجربته في بني خداش وكان حلم المجموعة آنذاك أن نعرض خارج المدينة وبالفعل تحقق الحلم

وقدمنا مسرحية «الدنيا سعود» في تالة من ولاية القصرين حينها شعرت بالحياة أكثر»، وأضاف أنه اتجه إلى المسرح لا بحثا عن شهرة أو مال بل إيمان منه انّ ممارسة المسرح تعني ممارسة الحياة والأمل، وأكد أن «رغم أنني اميّ لا اقرأ لكنني استطعت أن احلم وحان تقديم مشعل المسرح للشباب في بني خداش».

جلال حمودي مدير ملتقى فن الممثل
في وطن نفتك الحلم والفن

«أن تحلم وحدك ذلك هو الحلم وان نحلم جميعا ذلك هو بداية تحقق الحلم» بمقولة ماركس افتتح جلال حمودي فعاليات ملتقى فن الممثل في فضاء وطن ببني خداش.
وفي تصريح للمغرب اشار حمودي انّ فضاء وطن للمسرحي عبد الحكيم سويد، ويديره فنيا جلال حمودي يقدم ملتقى فنّ الممثل بدعم من وزارة الشؤون الثقافية وبرنامج مدن الفنون وتحت إشراف مندوبية الشؤون الثقافية مدنين، مضيفا الملتقى في دورته الأولى، الغاية منه التعريف اكثر بمجموعة الممثلين في بني خداش الذين يحتاجون إلى مزيد من التكوين لهذا اختاروا ان يكون الدكتور سامي النصري مؤطر التربص، ولانّ الممثل الصاعد يحتاج إلى قدوة ومثل اختاروا ان تكون المبدعة دليلة المفتاحي ضيفة شرف الملتقى، ومن الفكرة الأولى للفضاء وهو التكوين ولد الملتقى واليوم نحقق حلم عبد الحكيم صويد يوم قرر افتتاح أول فضاء ثقافي خاص في بني خداش.
ويضيف المدير الفني لفضاء وطن أنهم انجزوا ملتقى للشعر الممسرح في العام 2017، جمع الشعر والمسرح ومنه ولد ملتقيان الأول ملتقى الادب العربي والثاني ملتقى فن الممثل وبذلك أصبحت للفضاء تظاهراته القارة.
منوها انّ الملتقى كان سيكون اكبر لولا الظروف الطارئة، وقد اخترنا تكريم الممثلين عبد المجيد بن عمر واحمد العربي الحمداوي إيمانا منا بضرورة الاعتراف لهم، فهم اول ممثلين في بني خداش منهم انطلقت بذرة المسرح، سي عبد المجيد كان اميا «مايقراش» وابنته تقرا له النص ويحفظه بالسمع ورغمها انجز مسرحا، هما ممثلان متميزان هما من زرعا في ابناء بني خداش حب المسرح، بعدهما جاء ثم عبد الحكيم صويد الذي كوّن جيل ايضا، ليصبح في بني خداش أربعة خريجي المعهد العالي للمسرح وهم ضو حمزة خلف الله وعمار التليلي ومبروك محضاووي وهيثم المحمدي وعبد الحكيم صويد.
اليوم في الفضاء جيل آخرهم التلاميذ منهم ستة في نادي المسرح 3اثاث و3ذكور ووجود الإناث ضمن النادي يعتبر تحديا وانجازا وثمرة نجاح السيد عبد المجيد واحمد العربي فهما أول من زرع بذرة حب الفن الرابع في هذه المدينة الموجودة فوق الجبل، فمن ممثلين اثنين فقط اليوم هناك أربعة خريجين مع مجموعة ممن يمارسون المسرح وفضائين ثقافيين هما وطن وتيناس.
وأكد حمودي أن وطن يقدم مجموعة من النوادي لروّاده وهي نادي المسرح يؤطره مبروك محضاوي ونادي الأدب جلال حمودي نادي الموسيقى لمين سليم ونادي الحضانة الثقافية للأطفال دون سن الدراسة، هذا النادي يعاني صعوبات لان الأطفال في تلك السن يتبعون مندوبية الطفولة وليس مندوبية الثقافة.
واشار محدثنا الى انّ المحضنة تقدم للأطفال مجموعة من الألعاب الدرامية والفن التشكيلي والموسيقى، لذلك يجب مراجعة كراس شروط الفضاءات الخاصة، مع العلم انّ آخر كراس شروط كانت في 2016، لانّ المحضنة للثقافية تعلم الطفل منذ النعومة الفنون، ونحن ندافع عن الفكرة لإيماننا بأهمية الفنون عند الطفل.

تكريم أحمد العربي حمداوي:
أحببت المسرح منذ الطفولة ومارسته
إلى حدّ الشيخوخة
رفيق درب والرحلة والمسرحية لعبد المجيد بن عمر هو احمد العربي الحمداوي عاد بذكرياته إلى سنة ثانية ابتدائي حينها دخل إلى المسرح أول مرة، ثم واصل مع المجموعة حد السنة سادسة من دراسته الابتدائية قبل أن ينقطع عن الدراسة ويتوجه إلى العمل خارج بني خداش، وعام 1992عاد إلى مدينته و»حليت حانوت» للاسترزاق إلى أن زاره من جديد الرفيق المسرح عبد المجيد بن عمر ودعاه للعودة الى الجمعية ومن هناك بدأت مسيرة مسرحية أخرى، وفي الرحلة المسرحية كونوا العديد من التلاميذ وهواة الفن الرابع ومنهم من توجه إلى دراسة المسرح في المعهد العالي للمسرح، ليختم بالقول نحن أنجزنا مسرح وأحببنا ما قدمناه ونترك المشعل للشباب الحالم ليكمل المسيرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا