في العرض الأوّل لمسرحية «ممو وشحيمة» للسعد بن عبد الله: كوميديا تلاحق بقايا المعنى والقيمة في الفن والحياة

تحتاج «شخصيات السخرية إلى قدر من الذكاء والخفاء والمكر»، وقد اجتمع ثلاثة من الفنانين الكبار الذين تمرّسوا على أسرار

الركح ومفاتيحه كثيرا ، وكان عمر عشقهم للمسرح طويلا، وكان إيمانهم بدور الفن في تغيير الأقدار وتنوير الشعوب كبيرا.. كمال التواتي وصلاح مصدق و لسعد بن عبد الله ثلاثي من ذهب لمع نجمه وأبهر الجمهور إبداعا وإتقانا وإضحاكا في العرض الأول لمسرحية «ممّو وشحيمة» مساء الخميس 13 فيفري 2020 في المسرح البلدي بالعاصمة.

«ممّو وشحيمة»، قد يستفزنا هذا العنوان - الذي يجمع واو العطف فيه بين كنيتين مفتوحتين على أكثر من تأويل - إلى اكتشاف هوية هذين الاسمين وطبيعة العلاقة بين الاثنين... وهو ما كان عند الجلوس على كرسي الفرجة. إذ اكتشف الجمهور أن عنونة «ممّو وشحيمة» تحيل على اللقب العائلي لاثنين من الأصدقاء التقيا تحت سقف الفن طيلة 40 سنة وأكثر. فما حكايتهما وما المغزى من قصتهما؟

المتاهة: أكثر من لوحة، أكبر من لعبة!
مرسم، موسيقى، لوحات، فرشاة وألوان... ورسام يروّض البياض أمامه ويحاور أشكاله وزواياه بمنتهى العشق والشغف. هكذا يضعنا المخرج لسعد بن عبد الله مباشرة في صلب الموضوع وفي قلب الحكاية. إنها قصة فنان تشكيلي قضى فصول العمر في مصادقة لوحاته ومعاقرة خمرة الفن... فكانت أولى مشاهد المسرحية، ظهور «ممّو»(كمال التواتي) وهو يستكمل رسم لوحة المتاهة، تلك اللعبة العقلية التي تستفز عقولنا لإيجاد الطريق الصحيح لمنفذ الخروج أو الخلاص. ومنذ البداية كان مخرج العمل موّفقا وذكيا في توظيف رسائله ومقاصد قوله وديكوره، وكأنه يذكرنا بأننا نعيش في متاهة وربما متاهات! قد تكون هذه المتاهة فردية يتيه فيها كل واحد فينا أو قد تكون جماعية يغرق فيها الكل وقد تتعلق بواقع وطن رٌمي به في وضعية معقدة والسبيل إلى الخلاص منها عصي وخفيّ وبعيد!

وبينما نحن نضيع في خطوط اللوحة/ المتاهة التي لم تغب عن أنظارنا في كل فصول العرض وكأنها الحقيقة التي يجب ألاّ نتناساها، يظهر على الركح «شحيمة» رفيق العمر وصديق الحياة للرسام «ممو» حيث التقيا على مذهب الفن واجتمعا على عقيدة الرسم ليتوّجا صداقتهما ومشوارهما الفني في مشروع افتتاح معرض ثنائي. ولم يكن من السهل على «شحيمة» العثور على مصدر إلهام للإبداع أو إيجاد موضوع يكون منطلقا للوحاته... فلا تلبث أن تتدافع الأسئلة موجعة، حارقة كحمم البركان على لسان الفنان وهو يرثي في مرارة فقدان المعنى والجدوى وانعدام الرائحة واللذة من كل شيء جميل في حياتنا وحتى الفن في حد ذاته!

طرح ذكي لهموم المواطن وقضايا الوطن
على الركح تلبس مسرحية «ممو وشحيمة» رداء الكوميديا السوداء وتسير بخطى السخرية المُرّة وإن انتعلت حذاء الإضحاك... فإذا بها تثير موجة من الضحك بسبب طرافة الموقف أو الشخصية أو الحوار ولكنها لا تلبث أن تخلّف زوبعة من التساؤلات والاستفهامات والحيرة المبهمة!
وإن كنا»نعرف جميعا أن الفن ليس الحقيقة،إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة» على حد تعبير الرسام بابلو بيكاسو، فإن الرسامين «ممّو وشيحة» تكلما وتجادلا وتخاصما طويلا حول قيمة الفن التي انحدرت إلى المنطق التجاري وفق ما يطلبه الجمهور، حتى صار الرسم يباع بالسعر واللوحة تُرسم حسب الطلب لمن يدفع أكثر لا لمن يفهم أكثر !

ولئن تجوّلت مشاهد المسرحية في ديكور ثابت يحتله المرسم، وتركزت أحداثها أساسا حول شخصيات فنانة ولوحات تشكيلية، فقد تفرّعت من هذه النواة الكبرى مواضيع شتى تلامس جل الميادين الثقافية والاقتصادية والسياسية وتحرّك سواكن المياه الراكدة في استنفار العقول والهمم للخروج من بوتقة الراهن القلق والواقع المظلم .
بكثير من الذكاء والدهاء، عثر المخرج لسعد بن عبد الله على خيوط اللعبة لبعث رسائله والانتقال بينها بكل رشاقة وحسن تخلص لتجد وقعها عند الجمهور وتحدث الإيقاع في بنية المسرحية. ولمً يترك «ممّو وشحيمة» لا شاردة ولا واردة دون عرضها على التشريح والتشخيص على غرار طفرة عدد الأحزاب وعبث الممارسات السياسية وانتحار القيم والعلاقات الجميلة من حب وصداقة ووفاء ومعاناة المواطن على كل المستويات انطلاقا من زحف الفضلات وصولا إلى شلل البنية التحتية عند نزول الغيث النافع !

وعلى شاكلة الدهشة التي تثيرها فينا اللوحات والأعمال الفنية عموما، أدهشنا لسعد بن عبد الله بإبداعه في نقل هواجس الفنان في علاقته بالزمن والعمر وخوفه من زحف الشيخوخة على أنامله وحواسه كلما تداعت أعضاء جسده بالكبر والهرم !

التواتي يبدع ومصدق يقنع وبن عبد الله يبهر
ضاقت مدارج المسرح البلدي بالعاصمة عن استيعاب وفود جمهور الفن الرابع الذي قاده حب الاطلاع ودفعته الرغبة الشديدة في اكتشاف ثمرة اللقاء بين ثلاثة من المسرحيين الكبار بعد طول غياب لسنوات وعقود. فلم يخب ظن الجمهور ولم يتوّقع الفنانون الثلاثة كمال التواتي ولسعد بن عبد الله وصلاح مصدق أن يكون التفاعل كبيرا والصدى قوّيا إلى ذلك الحد.

في «ممّو وشحيمة» أثبت كمال التواتي أنه مسرحي بارع يجيد التلوّن كالحرباء حسب المشهد والموقف والحالة... فقدّم البرهان على أنه فنان من طراز كبير رسم دوره على قماشة خاصة به وحده ولا تشبه غيره، دون أن يكرر نفسه أو يتأثر بأعماله السابقة في مسيرته الخصبة والثرية. لم تكن شخصية «ممو» أحادية الموقف والمبدإ بل كان متعدد الشخصيات التي اختلفت سماتها من وفاء وغدر وجبن وغباء وانتهازية ووصولية... وفي كل الألوان أبدع كمال التواتي في رسم ملامحه وتلوين نبرة صوته وتشكيل حركات جسده... فكان التصفيق الحار جزاء عطاء هذا الفنان المبدع بكلّ سخاء.

وفي دور «شحيمة» ظهر الفنان الكبير صلاح مصدق كقيمة ثابتة ومعدن أصيل يثبت في كل مرّة أنه لا يقبل التزوير، تزوير دور الفنان وتزوير قيم الفن وتزوير المعنى من الحياة !

ولعل من نقاط قوّة مسرحية «ممو وشحيمة» عدم وقوعها في شباك الخطّ النمطي وفخ رتابة الأحداث بل أنها اتبّعت نسقا دراميا تصاعديا في أحداثها أحدث بدوره التشويق والتوق إلى مشاهدة المزيد. وكان من مفاجآت المسرحية في مشاهدها الأخيرة، تجلّي الفنان لسعد بن عبد الله في دور «حمودة» على الركح بعد أن شنّف الآذان بصوته القادم من وراء الكواليس معلقا على الشخصيات ومشاركا في سير الأحداث. وضع حمودة ليس بأفضل من حال «ممو وشحيمة» فهو مثلهما فنان استهوته آلة البيانو فامتهن مهنة تعديل أوتارها قبل أن يلفها الكساد ويهجرها العباد!

وما بين قبّعة المخرج ودور الممثل ، ظهر لسعد بن عبد الله في مهمة مزدوجة في «ممو وشحيمة» ليكون المهندس البارع الذي صمّم بيته المسرحي كتحفة فنية منسجمة الأزياء والسينوغرافيا ومتناغمة مع الإضاءة والموسيقى...

وككل عرض أوّل، لم تخل مسرحية «ممّو وشحيمة» من بعض الوهن على مستوى تقطيع المشاهد سيما في جزئها الأول والتي طالت أكثر من اللزوم دون مبرر فني أو درامي. ولكن الثابت أن لسعد بن عبد الله نجح في حبس أنفاس جمهوره على امتداد حوالي ساعتين من الزمن مخاطبا كافة الشرائح انطلاقا ممّن ينفجرون ضحكا بسبب التلاعب بالكلمات أو لعبة الإيحاءات وصولا إلى من يؤرقهم سؤال «الكوجيتو» و»اللابيدو» وفلسفة العبث.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا