معرض «أنوميا» لبلحسن الكشو في قاعة الخزفيات في مدينة الثقافة: «أصلنا أطيان تعشق النار بلا كلل»

يلين الطين ليصبح أيقونات فنية مبهرة، تولد الأفكار موجعة ثقيلة تائهة يحولها بأنامله إلى أعمال خزفية فينزاح الثقل

وتتضح طريق الأمل واضحة وجميلة لتولد أعمال خزفية ويتحد فيها النحتي بالتصويري والتشكيلي، طين يتوق إلى الحرية فيحترق ليصل إلى كينونته وتكون أنوميا.

«أنوميا» حالة تشكلت أطوارها اطيانا وألوانا وهي رؤية فنية نقدية ترصد قضايا الحياة وتعكس حالة من عدم الاستقرار والقلق والاضطراب تضرب عمق المجتمع، تخلخل توازنه وتفتك بالمعايير والقيم، «سنوات الأرق يحاصرني يغازلني حتى تمّلكني فكانت المواجهة، فما نعيشه بالأمس واليوم وغدا يحرك سواكن المسكون فنّا» كما يقول الفنان بلحسن الكشو الذي افتتح معرضه يوم2فيفري ليتواصل إلى غاية29فيفري2020 برواق خزفيات بالبهو السفلي لمدينة الثقافة.

الخزف أنين الوطن وصوت أوجاعه
تتداخل الحكايات وتختلف المعاني تتشابك الأفكار تكثر الأسئلة والحيرة أمام كلّ عمل لتشترك جميعها في كلمة المتعة والإبداع، صعبة هي الكتابة عن أعمال بلحسن الكشو والأصعب محاولة استنطاق الخزفيات فلكل تحفة أو لوحة قصة هي فكرة ثائرة وموجعة ولدت من أنامل فنان اختار الخزف مهنة وفن واختصاص فكانت الأعمال «انوميا» الذات والوطن.

«انوميا» اسم المعرض من دلالات الاسم القلق والسؤال وقد لدت جميع الخزفيات بأشكال وأحجام وحكايات مختلفة، ألوان متباينة كما الأعمال، من القطع الصغيرة الحجم بحجم كفّ اليد مثل مجموعة من الكراسي إلى لوحات كبيرة توسطت قاعة العرض فبدت شامخة كقولة أولاد احمد «إذا كنت شعبا عظيما فصوت لنفسك في اللحظة الحاسمة.

كانت الأعمال نتيجة بحث سنوات وهي محاولة للتجديد في الخزف وقراءة مختلفة للأعمال الخزفية، وجع الوطن انعكس على روح الفنان فكان «نبض» ازداد الوجع و»اشتدي يا أزمة» ، «تنفرجي» كما تقول اللوحتان المتقابلتان المشتركتان في اللون الأحمر لون الغضب والدم، دماء الشهداء التي سالت لتبقى تونس حرة ويصبح «ربيعها» حقيقيا كما يراه الفنان في أعماله.

«انوميا» معرض خزف يعكس هواجس الفنان تجاه قضايا الوطن، فالكشو هنا جزء من الكل أفكاره وليدة تواتر أحداث عاشتها تونس، لحظات موجعة وعصيبة ولدت من رحمها أجمل الإبداعات فكان القلق ظاهرا في «بر-لمان» عمل خزفي مقسوم إلى جزءين نصف علوي يضم مجموعة من الناس أمّا الجزء السفلي فيتوسطه كرسي باللون الأحمر والانقسام هنا نقل لما يحدث من مشاكسات وصراعات واختلافات تحت قبة البرلمان فقط لأجل ذلك الكرسي لذلك استعمل التمطيط في كتابة الاسم كدلالة على تمطّط المواقف حتى تلاشيها.

حالة من الوجع والخوف تعكسها الأعمال التي قرأت الواقع التونسي فكل الأعمال تقريبا تشترك في ألوان مؤكسدة كأحلام التونسين بعيد الثورة، وكل الأعمال تشترك في وجوه غريبة لشخوص أكثر غرابة، فأنوميا أبطالها العابرون التائهون المترصدون المهاجرون، شخوص من وحي الخيال، عيون مطموسة ثاقبة، أفواه صامتة صارخة عقول مدركة شاردة، «انوميا» هي صوت الوطن وصرخات شربها الطين قبل أن يدخل إلى النار لإزالة كل الوجع والعودة إلى الحياة بأمل جديد.

الفنان صانع الأمل
تباينت الألوان، اغلب الأعمال تشترك في نقل القلق والوجع لكن الألوان الهادئة تعطي مسحة من الجمال وتريح عيني الزائر وتشده للمزيد من مشاهدة الأعمال واكتشاف أسمائها وخصوصياتها واختيار تلك الألوان الهدف منه بعث موجات الأمل وسط كمية التوتر والانوميا .

فالخزاف الفنان يؤمن أن للفنان دوره في المجتمع وبإعماله ينتصر بلحسن الكشو للكادحات في لوحة تنقلهن جالسات على الأرض وتكون تفاصيل الجسم موشاة بأبهى الألوان، في المعرض تتكرر لفظة الربيع و زهور الأمل وعطر الأمل والإصرار وغيرها من الأسماء التي تحيل على الأمل وانفراج الأزمة بعد الشدة.

الخزف ذلك الفن الضارب في القدم، يبدع الكشو في تقديمه بطريقة مختلفة، لكل قطعة خصوصياتها الأشكال تحاكي الغموض والقلق أما الألوان المؤكسدة الهادئة فتحملك إلى تفاصيل لذيذة لإعادة اكتشاف الخزف ومميزاته، أعمال فنية أبدع في تشكيلها صاحبها الحالم بالتجديد في عالم الخزف، هي أيقونات شغلت باله أعواما واستغرقت بحوثا طويلة قالت عنها الفنانة التشكيلية الدكتورة عواطف منصور « تشعر وأنت تمرّ بين خزفياته وتلامس سطوحها الناتئة/ المنبسطة، الملساء/الخشنة، بسحر الطين المفخور ورونق اللون، وعمق الفكر،أعمال خزفيّة حمّلها الفنان طاقات إبداعيّة طوّعتها يداه وصقلتها النار وبلّغها اللون مفارقات ورؤى عديدة حمّلها الفنان لخزفياته».

للأمل بريقه وحضوره في معرض انوميا، من وسط الألم تولد تلابيب الأمل هادئة برّاقة في عمل سمّاه «عبير الأمل» عمل ميزته تماهى الأخضر مع الأرجواني والزهري ومسحة من البياض عمل أملس هادئ كأنه لحظات الولادة الأولى عمل كتب تحته:
من انتم؟
نحن صناع الأمل
لا نخشى ولا نملّ
صادقون في القول
مخلصون في العمل
وما أصلكم؟
أصلنا أطيان ارتوت بماء زلل
لا تشوبنا شائبة ولا خلل
أصلنا أطيان تعشق النار بلا كلل
لا تهاب الصعاب ولا تعرف الفشل
وما فصلكم؟
فصلنا ربيع مؤكسد تفوح منه رائحة الزهر
فصلنا أشكال وألوان تعطرت بنفس الوتر
الم نقل نحن عبير الأمل

احترقت الأطيان لتصبح صورة شعرية ناقدة
الطين حالة شعرية تجتاح روح الفنان فيحولها إلى فكرة، والفكرة تختمر داخله لتتشكل في عمل خزفي مبهر، الخزف ليس مجرد وسيلة للزينة بل مطية للنقد، هواجس الوطن ومشاكله يعالجها بلحسن الكشو بالخزف، الخزف يصبح حالة شعرية ينساب فيها الطين بين أنامل الفنان الخزاف كما تنساب الكلمات في البحور الشعرية.

كلمات يحولها الى خزف يمتع العين ويدفع الفكر إلى التساؤل، كلمات وحالات شعرية وانفعالات نفسية تنتصر في النهاية للوطن الذي يقول عنه:
«لا تنصت لمن هو أصلا لا يسمع
لا تكن ذليلا كي لا تطحن
عش شامخا بأنفة ولا تتوجع
عش أيقونة ولا تحزن
فتونس موطني فهل تسمع
وتونس متحفي فهل لا تتوّكل
فمن خانها فهو من طينة لا تفخر
ومن خانها في ذاكرة التاريخ يركن
أنوميا حالة فنية شعرية كرم من خلالها كبار الشعراء انتصر لمن اصدقوا القول ووسط المعرض عمل خزفي كبير قسم إلى عدة اجزاء هي تحية لروح الشاعر منور صمادع من قصيده كلمات، «تكلم، تالم ولمتم في الكلمات» هذه الكلمات التي تكوّن القطعة الخزفية وتحتها كتب بخط عربي جميل:
تكلم فقليل الكلام عبر
تكلم واهجر الصمت إلى الأزل
تألم بابتسامة تفتت الحجر
ولتمت فلا مفر من القدر
ولتمت ليحيا فنك في زحل
فالكلمات بلا معنى خور
والكلمات بلا افعال عول
«انوميا» أعمال تحركت في وضعيات شتى وتماهى الشعري مع الخزفي، وكأننا أمام الفنان يقول لنفسه لا تقل أنا شاعر بل معه بت ألهو بالكلمات، في «انوميا» ألوان متآكلة متأكسدة كحالنا اليوم، فإذا الأطيان احترقت فتوقا منها لتصير لها كينونتها أما نحن فنحترق في صمت كل يتظاهر بالاكتفاء، فمتى نستفيق ومتى ننصت لصرخات أولاد احمد وهو يقول «اذا كنت شعبا عظيما فصوّت لنفسك في اللحظة الحاسمة».

الفنان بلحسن الكشو:
«انوميا» بحث سنوات في اليومي والسياسي
التقت المغرب الفنان بلحسن الكشو وفي حديثه عن المعرض قال «يجب أن نعود إلى اصل الكلمة التي ظهرت مع الفيلسوف وعالم الاجتماع دور كايم، تعامل مع المصطلح وبحث فيه،و في التعريف الانوميا حالة من اللاتوازن، حالة من عدم الاستقرار والقلق والاضطراب» هكذا كانت البداية لكن في هذا القلق هناك طرف آخر هناك أمل بعد استنطاق الواقع، الأمل في بعض الاحيان يكون مبطنا وأحيانا اخرى يكون مباشرا.
ويشير محدثنا الى لعبة المتناقضات التي كانت حاضرة في الأعمال فالمباشراتية تجدها من خلال الكلمة ويحضر البعد اللامباشر الذي يحمل العديد من المعاني والدلالات ويدعو المتأمل إلى مزيد البحث في الشكل او في اللون.
واكد الكشو ان من رهانات البحث التوسيع من قراءة المتقبل للعمل الفني، قائلا «نريد ان نخرج من الهوة الشاسعة بين المتلقي والعمل الفني خاصة ونحن أمام ازمة تلق» من خلال طرح السؤال «كيف يمكن ان نوسع من دائرة التلقي» وتصبح الأثر الفني متاحا للجميع، فالموضوع «الانوميا» كحالة تمس الجميع وموضوع يتحرك معنا ، حاولت معالجة المسالة من ناحية تمس المجموعة، المعرض كان حالة فردية لكن الفردي أصبح جماعيا والتقريب بين المتلقي والأثر الفني كان من خلال حضور الكلمة واشكال يستوضحها المتلقي في المباشر لكنها تحمل أيضا دلالات وبعد رمزي».
وبخصوص الرؤية الفنية للاعمال اشار الفنان المولع بالخزف بأن هناك تصورا جديدا في معالجة الخزف ومعالجة الألوان الحاضرة في الأعمال، من خلال تقنية «البطانة» إذ ألوّن على الطين وهو في مرحلة التجفّف قبل الإفخار، نتناول مع مواد قد تبدو دخيلة كفتات النحاس يتم رشه على المساحات الملونة ثم مع عملة الإفخار والتفاعل مع النار تترك هذا الأثر الجديد للألوان، منوها انّ الألوان نتيجة بحث سنوات، عمل مخبري ودقيق في مستوى اللون وأن اختياره كان الهدف منه بعث الامل، فهذه الألوان المؤكسدة تحيلك إلى انها زاهية فالأمل يصبح حاضرا في قلب الألم.
وعن الحضور السياسي في المعرض يخبرنا الفنان ان القلق السياسي في الاعمال موجود لانه حاول معايشة الواقع والقلق «سنوات والارق يحاصرني حتى تملكني فكانت المواجهة» والمواجهة حسب تصريحه هي مجموعة الأعمال التي تلامس مجموعة من المواضيع السياسية التي تطرح بطريقة فنية حاضرة في الأعمال ومسالة هامة تقديم رؤية نقدية من خلال الأعمال.
وأضاف أن من ضمن الرهانات التعامل مع الحدث ، من خلال سؤالي ما سر هذا الاهتمام بالإحداث اليومية وكيف يمكن الوصول بها الى دائرة الفن. وقد اكتشفت ان لي القدرة على التعامل مع الحدث منذ سن الثامنة من خلال أول عمل أنجزته عن القضية الفلسطينية وكتبت انذاك «الحجارة اقوى من اي سلاح».
وفي ختام تصريحه اشار بلحسن الكشو من خلال المعرض «أسوّق للصورة الجديدة للخزاف فالكثير يقولون «أول مرة نشوفو خزف بهذه الصورة» لذلك اعمل على العمق، فالخزف عندي مادة وتقنية ككل الاجناس الاخرى مثل النحت او التصوير أو الرسم يمكن أن نتعامل مع الأفكار ونصور المادة والفكرة في نفس الوقت.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا