مسرحية «صفقة» لغازي الزغباني وسيباستيان امبلار في فضاء لرتيستو: المسرح صرخة ضدّ الأنانية وضدّ العنف

المسرح بحث وتجديد، المسرح فن وبحث متواصل، المسرح عملية نبش في الذاكرة والافكار وهو محاولة للدخول الى تفاصيل الانسان

ونقل ملامح العالم بأسره على الخشبة الصغيرة، المسرح لا يموت والفن ابن عصره حتى وان كتب نصه منذ مئات الأعوام وفي قراءة متجددة لنص «القطن» لكولتيز قدم غازي الزغباني عمله الجديد «الصفقة» صحبة الفرنسي سيباستيان امبلار.

«الصفقة» عمل من اخراج وتمثيل ثنائي تونسي فرنسي وهو قراءة جديدة لنص «في عزلة حقول القطن» لكولتيز، قراءة جديدة تطرح سؤال «لمَ نحن هنا؟» ، ما الجدوى من وجودنا؟ هل أننا وجدنا صدفة؟ وكيف يمكن العبور الى الهناك؟ عمل يغوص في التفاصيل الموجعة بين مسافة الهنا والهناك، عمل جديد اثبت براعة غازي الزغباني في التمثيل.

السينوغرافيا تحاكي عمق الذات الانسانية
عواء كلاب ونبيح ذئاب، أصوات تصمّ الآذان الظلام يسيطر على الرّكح كما أحداث الحكاية، ضوء ابيض يضيء قليلا مع وميض كأنه صرخة خوف تبعث من صدر إنسان ما، تتزايد النوتات الموسيقية ومعها نبضات الخوف ليظهر على الركح رجلان، رجل أول بملابس غير منظمة حركتة سريعة مع وقفة معتدلة كأنه صاحب المكان، الشخصية الثانية لرجل بملابس جد أنيقة لكنه منطو على نفسه كخائف يتيه في مكان ما، تتقابل الشخصيتان.

هما رجلان دون اسم فقط ملامح الوجه تبزر الفرق بينهما، شخصية جريئة ومشاكسة هي صاحبة المكان والأخرى خائفة ومتردّدة، يحدث اللقاء والصراع الذي جسد من خلال انطفاء الضوء ودوران الشخصيتين بعنف وسرعة.

النص مزيج بين الفرنسية والعربية كأنه تأكيد على انفتاح المسرح على كل اللغات لانّ المسرح فكرة والفكرة تقبل اختلاف اللغة واللهجة وطريقة التعبير أيضا التاجر صاحب المكان «غازي الزغباني» يتحدث باللهجة التونسية ونظيره الآخر زائر المكان صدفة (سيباستيان امبلار) يتحدث باللغة الفرنسية، حديث بلغتين أضفى الشاعرية على النص والأداء كذلك.

تبدأ المسرحية ومعها الصراع العلني بين الشخصيتين الغامضتين، الأول صاحب المكان يعرف تفاصيله وكل خباياه ويتحرك بتلقائية في الفضاء أما الشخصية الثانية فمترددة، وانعكس التردد على ملامح الوجه والموسيقى فبالسينوغرافيا من صنع المخرجين تفاصيل الحكاية وحملت الجمهور إلى عوالم كولتيز.

«صفقة» عنوان المسرحية، عنوان يحيل إلى عالم التجارة والمال؟ والأخلاق والعادات؟ صفقة بين رجل بائس يبيع الوهم وآخر يبحث عن طريق الخلاص و»يريد الذهاب من نقطة الضوء في النافذة إلى نقطة الضوء في النافذة الأخرى»، خط مستمر وقانوني تقطعه الشخصية الأولى لتبدأ صفقة ومقايضة عن البضاعة «الأخلاق والقانون والمعاملات الإنسانية»، صفقة بين من يبيع الوهم ومن يجبر على شراء أمنه للحياة والاستمرار في طريقه، الصراع بين الشخصيتين تنحت تفاصيله السينوغرافيا التي يتماهى فيها الضوء مع الموسيقى المتقطعة وحركات الممثل لتقديم فرجة متكاملة في قراءة جديدة لنص كولتيز.

فالضوء والموسيقى ومعها حركات الممثلين وتقمصهم لتفاصيل الشخصيتين الغريبتين يدخل الى عوالم الذات الانسانية يحفر في عمقها يكتشف الخوف والجرأة والصدق والزيف، جميعها مشاعر انسانية متحدة ومتفرقة ومتناقضة ومتصارعة نحتت تفاصيلها تقنيات السينوغرافيا لتكون الفرجة كما لوحة تبدع عين المصور في التقاطها.

المسرح تعبيرة عن صراعات الانسان
«الصفقة» عبارة عن عملية تجارية تحدث بين طرفين، هكذا تقول القاعدة كذلك كانت المقايضة وعملية البيع والشراء في المسرحية، بيع لبضائع غير ملموسة، فالبائع في المسرحية بطباعه الشرسة والمشاكسة ورغبته الدائمة في العنف والقتل والاستمتاع بلحظات الخوف وانين الوجع الذي تحدثه الضحية يشعر بالمتعة.
في «الصفقة» يبيع البائع الأمن والوهم، يبيع تذكرة العبور من المكان المخيف دون ضرر لكن على الشاري ان يدفع، لا مالا بل خوفا وربما القليل من المتعة للآخر المتعطش للهو والجنس والمتعة، يدفع الرضوخ والاستسلام فالصفقة هنا تقوم على عملية بيع للأخلاق والقيم والأمن ايضا وكأننا بالمسرحية التي كتبت منذ سنين تعرّي توحش الانسان وميله للبطش.

في المسرحية كان الديكور جزءا من الحكاية، مجموعة من الاسرة الحديدية لاصقت الحائط لتشبه المنفذ وزّعت بطريقة هندسية ممتعة تسمح للممثل ان يتحرك بدقة وسرعة بينها فالديكور هنا يحاكي «الخربة» او «الحضيرة» التي لم تكتمل اشغالها ولازلت الجدران عارية والنوافذ مشرعة على الخواء كما الشخصيتين اللتين كتبهما كولتيز تتحركان في مكان قفر وتقفزان من نافذة الى اخرى ومن جدار الى اخر كذلك شخصيتا الصفقة تتحركان على الاسرة الحديدة كأنها جدران، توزيع الديكور كان منحكما في قاعة ركحها صغير كذلك حركات الممثلين كانت محسوبة بكل دقة لتقديم ايقاع حركي شاعري يحاكي الوجع والعنف الانساني.

الصفقة مسرحية ناقدة ولاذعة مسرحية تفتت القيم البشرية تحاول الدخول الى عوالم البشر تخرج كل صفاته السلبية تطرحها على الركح تنقل الخوف والصدق تغوص في القيم المادية والانسانية تحاول اكتشاف ذلك الذي يسمى بشرا بكل متناقضاته، عمل للنص المنقول بالفرنسية واللهجة التونسية متعته، خاصة في نهاية العمل حين ينقلب الاداء ويتحدث الفرنسي بلهجة تونسية محاولا اتقانها وخروج الاحرف بتلك الطريقة خدم العمل لأنه حاكى خوف التائه في مكان مهجور، ويتحدث البائع بفرنسية طليقة في اشارة إلى أن البائع دوما طليق اللسان يحاول السيطرة على الضحية بكل اللغات والطرق، في «الصفقة» أداء الممثلين والنص الشاعري العميق يمكن القول انّ «أخطر العوالم التي لم تكتشف حتى الآن هو الإنسان، الإنسان غابات كثيفة وغريبة، فيه عديد من الجُزر وهو أرخبيل معقد جداً، وبالتالي فالإنسان بذاته يختزل الإنسانية.. المسرح هو أساساً فن الاختزال» وفي المسرحية اختزلوا عنف البشرية وقسوتها ووطأة الحروب والخوف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا